“القدس العربي” تنقل قصصا مأساوية للجوع في غزة.. السكان يبكون من العوز وينتظرون توزيع “مساعدات التهدئة”

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة – “القدس العربي”:

بكى رجل في نهاية الأربعينات بحرقة، وهو عائد من إحدى “تكايا الطعام” يحمل بين يديه قطعة آنية قديمة، وقد امتلأ نصفها بطعام الفاصوليا، وكان بجواره طفله الصغير، الذي عبر بجسده الهزيل عن “سوء التغذية”، وعن أوضاع سكان قطاع غزة، الذين عانوا من ويلات الحرب على مدار أكثر من 16 شهرا، ويرقبون أن تبدأ عمليات توزيع “مساعدات التهدئة” على نطاق واسع، لتطوى صفحة الجوع التي لازمتهم طوال الفترة الماضية.

قصص الجوع المأساوية

في وسط مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، قابلت “القدس العربي” هذا الرجل، حيث كان عائدا من تلك “التكية” إلى منزله الذي تضرر كثيرا بفعل غارات استهدفت مناطق ومنازل مجاورة، حيث تردد في البداية عن الحديث خجلا، قبل أن يبدأ بالكلام وهو يبكي حاله وحال أسرته الصعب، الذي خلقه واقع الحرب المريرة، فهذا الرجل الذي يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، وقد انضمت إليه أسرة أهل زوجته التي نزحت من مدينة غزة، فقد عمله في بدايات الحرب، فيما باتت الأسرة تعتمد كليا على المساعدات الخارجية الشحيحة، بما فيها “تكايا الطعام”، وعلى القليل من المال الذي يكسبه نجله الأكبر، الذي يقف على زاوية أحد الشوارع يبيع حلويات محلية الصنع للأطفال، ويقول والده إن مكسبه “لا يوفر الحد الأدنى للاحتياجات الأساسية”.

البضائع في السوق تباع بأثمان عالية تفوق قدرات الغالبية العظمى من السكان.

وحتى عندما سيطر هذا الرجل على دموعه، تحدث لـ “القدس العربي” بصوت حزين، عن حال أسرته الصعب، الذي قال إنه يشابه الكثير من جيرانه وأصدقائه وأقاربه، واستذكر قبل أيام حين طلبت ابنته الصغيرة أن تأكل فاكهة الموز التي تتواجد بكميات قليلة في السوق وتباع بثمن مرتفع، بعد أن شاهدتها خلال ذهابها إلى عيادة المخيم برفقة والدتها للعلاج من التهابات أصابت جهازها التنفسي إلى جانب الزكام والانفلونزا، جراء موجة البرد التي تخيم على أجواء قطاع غزة، ومن قبلها تساقط الأمطار الغزيرة التي أغرقت خيام النزوح، وتسببت في حالات وفاة لأطفال رضع.

ويشير الرجل إلى أنه اضطر لشراء ثمرة واحدة لعدم استطاعته توفير هذه الفاكهة لكل أفراد الأسرة، ويقول إن البضائع في السوق تباع بأثمان عالية تفوق قدرات الغالبية العظمى من السكان.

لم نتذوق اللحم

وقبل فترة طرح في السوق بيع الدجاج المجمد، وفي البداية بلغ ثمن كيلو الغرام الواحد 80 شيكلا، أي أكثر من 20 دولارا، قبل أن ينخفض لاحقا على مراحل إلى الثلث، وفي المتوسط تحتاج الأسرة قليلة العدد إلى ثلاثة كيلو غرامات من هذا الصنف، ورغم تطلع أطفال وأسرة هذا الرجل لشراء الدجاج، إلا أن الوضع المالي كغيرها الكثير من الأسر حرمهم من ذلك.

ويشتكي سكان غزة، إلى جانب الحصار وتقنين المساعدات من قبل سلطات الاحتلال، طوال فترة الحرب، من جشع التجار، الذي أثقل عليهم هموم الحياة كما الحرب، حيث لا يوجد انتظام في الأسعار، ويتهمون كبار التجار بالعمل على جني الأموال الطائلة من دمائهم، دون النظر لأحوال الناس السيئة، وقد انتشرت مؤخرا حملات الكترونية تستهدف هذا النوع من التجار.

ويستذكر الرجل أن آخر مرة تذوقت فيها أسرته اللحم كان قبل ثلاثة أشهر، حين حصل على وجبة طعام من “التكية” عبارة عن أرز وقطع من اللحم، وهو أمر نادر الحصول، حيث تقدم “التكايا” في أغلب الأوقات إما البقوليات المطهوة أو الأرز أو المعكرونة، ولم يكن هذا الرجل يدور في مخيلته يوما أن يصطف في طابور طويل يحدث فيه مشاحنات ومشادات، للحصول على وجبة طعام، يقول إنها بالكاد تكفي الأسرة بعد تقنين أكل كل فرد منها، وهو أمر يصيبه بالخجل كل مرة يذهب فيها إلى مكان الطعام، الذي يزدحم بالأطفال والنساء والرجال وكبار السن.

لم يعد في قطاع غزة من يحصل على المال سوى الموظفين فقط، بعد أن توقف عمل الغالبية العظمى من العمال والمصانع

وكغيره من السكان، عبر هذا الرجل عن أمله بعد انتهاء الحرب، باستمرار إدخال المساعدات الغذائية والطبية العاجلة للسكان، في ظل شح المواد التموينية بشكل كبير وخطير جدا في هذا الوقت، لافتا إلى ما اشتمله الاتفاق على إدخال 600 شاحنة مساعدة يوميا.

ويقول المسن أبو علاء السيد لـ “القدس العربي”، إنه سمع كباقي السكان عن كميات كبيرة من المساعدات تدخل إلى غزة، لكنه أكد أنهم لم يحصلوا على أي شيء، وقد عبر عن أمله بألا يطول أمد توزيعها، بسبب شدة الحاجة لها في هذا الوقت، لافتا إلى صعوبة الوضع الاقتصادي، وتوقف أعمال أفراد الأسرة.

وكان البنك الدولي قال في تقرير سابق له، إنه بسبب الحرب بات كل سكان غزة يعانون الفقر مع بلوغ نسبته حاجز 100%، وأوضح أن نسبة التضخم تجاوزت نسبة الـ 250%، بسبب تبعات الحرب، لافتا إلى انكماش اقتصاد غزة بنسبة 86% بسبب الحرب.

ولم يعد في قطاع غزة من يحصل على المال سوى الموظفين فقط، بعد أن توقف عمل الغالبية العظمى من العمال والمصانع، وحتى إن الموظفين يواجهون صعوبات كبيرة في سحب رواتبهم من البنوك التي لا تتوفر فيها الأموال اللازمة، جراء الحصار المطبق الذي تفرضه سلطات الاحتلال منذ اليوم الأول للحرب، والذي يحول دون إيصال الأموال للقطاع، أو استبدال العملات القديمة التالفة، والتي بات السكان يتداولونها بصعوبة بالغة.

أحلام التهدئة

ويقول أحمد ظاهر الموظف الحكومي، إنه يحصل كغيره من الموظفين على جزء من الراتب، جراء الحصار الإسرائيلي على عوائد السلطة الفلسطينية، وإنه بسبب صعوبة صرف ما يحول لحسابه البنكي من وزارة المالية الفلسطينية، واضطراره بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية لمساعدة أسرته شقيقته التي فقدت زوجها في الغارات الإسرائيلية خلال الحرب، إلى تقنين المشتريات، فهذا الرجل يقول لـ “القدس العربي” إنه لا يستطيع شراء الكثير من طعام الأسرة الأساسي، وهو أمر انعكس سلبا على عائلته التي عانى أطفالها بالذات من سوء التغذية، الذي ظهر على أجسادهم.

ويشير كذلك إلى أنه يأمل في أن ينتهي هذا الوضع المأساوي، مع بدء تطبيق بنود اتفاق التهدئة، وقال “الكل يترقب بعد أن دخل اتفاق التهدئة حيز التنفيذ، أن ينتهي هذا الوضع الخطير، حيث يفتك الجوع والمرض بالجميع.. الكل يحلم بانتهاء المأساة”.

سوء التغذية

وبسبب سوء التغذية وقلة الطعام، خشيت عوائل الأطفال خاصة الرضع على حياة أطفالهم، وكان من بينها عائلة المدهون النازحة في أحد مراكز الإيواء وسط قطاع غزة، التي تعاني طفلتها مسك من المرض، بعد أن فقدت أكثر من نصف وزنها، وأصبحت حاليا تزن أربعة كيلو غرامات بدلا من تسعة، فيما يستمر فقدانها للوزن في هذا الوقت، وهذه الطفلة كغيرها الكثير من أطفال غزة، يعانون من شح الطعام وندرته، وتقول والدتها التي نزحت مرات عدة منذ بداية الحرب مع العائلة، إن ما أصاب طفلتها ناجم عن كثرة النزوح وقلة الأكل، وتحدثت والدتها عما آلت إليه الظروف الحالية وصعوبة الأوضاع، فأشارت إلى أن وضعهم المادي كان أفضل قبل الحرب، غير أن الأمر انقلب بعد توقف زوجها عن العمل مع بداية الحرب، وقالت إنه لم يعد قادرا على توفير الأكل، وتخشى هذه السيدة حاليا على حياة طفلتها التي يزداد مرضها سوءا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    حقيقة بشعة جدا جدا رأيناها بالفعل وحقيقة فالناس في غزة العزة و الصمود صارت تقتات على الحشائش، فاللهم عجل بتدمير أمريكا وتل أبيب بجاه النبي محمد الحبيب مثلما دمروا غزة العزة ✌️🇵🇸☹️☝️🔥🐒🚀

اشترك في قائمتنا البريدية