من سمات الفن في أي من مجالاته أنه يحمل في طياته رسالة سامية ونسائم عليلة، في عصر متخم بالمآسي والكوارث ومشاهد عنف تطال ذلك المتلقي.
وهنا يتصدر الإعلام سواء أكان سمعياً أم بصريا المشهد كله مضطلعاً حتماً بوسائطه الاجتماعية المكتوب والمقروء والمُشاهَد منها عبء مسؤولية خطرة، إذ أنه وبصورة كبيرة يساهم في تشكيل وعي ذلك المتلقي. وبما أنه يعبر القارات فهو يخترق الحواجز ويختزل الوقت والمسافات، فالعالم الآن أصبح قرية صغيرة بفضل النقل المباشر للأحداث الجارية وغيرها، وعليه فإنه خير وسيلة نقل وتأثير بالغ الأهمية، إذا توافرت فيه الشروط المنوطة به. فكلنا نعلم أن الإعلام سلاح ذو حدين وكما له إيجابياته له سلبياته.
وعندما نتحدث هنا عن تلك إيجابيات فهو ركيزة من ركائز أي مجتمع متطور ومنفتح. إذ أنه يرتفع بذوق المتلقي ويدفعه للتزود بالعلم والمعرفة وبكثير من الحقائق فيما يفيده ويشبع حاجياته، كما يساعده على الوقوف على المستجدات أولاً بأول فيعي ما يدور حوله ويستوعبه، ولا ينأى بنفسه عن اتخاذ القرارات الهامة والمصيرية، فالإعلام صرح شامخ البنيان بهيكلته التثقيفية والتوعوية، وهو إذا توافرت فيه النزاهة والشفافية الكاملة لكفيل بتنوير أي مجتمع وتطويره كما المساهمة في قولبته.
أما عندما يكون الإعلام مسيساً حيث حرية تدفق المعلومات لا تزال تعاني من سيطرة السياسيين عليها، فالإعلام هنا في هكذا أحوال صعد وما زال يسدر في أوجاع الكارثة التي يتجرع مرارتها الشعب الفلسطيني، وساهم في تزييف ما جرى ويجري وحجب الحقائق وشحن الرأي العام، كأن لا نخرج عن طاعة ولي الأمر عندما نقوم على الأقل بالتظاهر ورفض ممارسات العدو فنغوص في السلبية إلى القاع، بحيث لا يسمح لنا إلا بالدعاء، الذي والله أعلم لن يتقبل منا لأن إنجاز النصر وتحققه مقرونان بالعمل الجاد كي يستجاب له (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
ولأننا أمة متفرقة واهنة، منقطعة، منفصمة لا نجتمع على كلمة واحدة، ومواقفنا من هذه القضية مهلهلة وواهنة، بحيث لا نقوى على دحر العدو، مع العلم أن لدينا مقومات عدة ترفع أسهمنا في الساحات الدولية، تعلي راياتنا وكفيلة بتحقيق النصر، ولكن لم نقتنص حتى فرصة صحوة العالم التي حانت لنا والتي قد تفتر لأننا لم نستغلها أو نعيرها اهتماماً كما يجب، عندما كانت في جذوتها وأوجها، ولكننا لم نفِق من الغيبوبة التي أصابتنا دهوراً، في الوقت الذي تنهمك فيه إسرائيل في استنزافها للفلسطينيين وإضعافهم عسكرياً وتشويه صورة صمودهم بأكاذيب ملفقة والتقليل من قيمته، فذاك هو الإجرام بعينه وها هي السلبية القاتلة ذاتها التي يؤججها هذا النوع من الإعلام.
مواقف مزرية تسقط على الفلسطيني وكفاحه فينال النصيب الأكبر من الإغفال وقلة الحيلة. ومما زاد الطين بلة ذلك التواطؤ الإقليمي وردود الفعل الباهتة والبائسة لبعض دولنا مدعمة باجترار كلمة نشجب، ندين، والداهية وشر البلية ما يضحك، أننا فوق هذا كله نحن نستنكر!!!! وبهذا الفيض من تلك اللاءات الثلاث وكأننا أثنينا إسرائيل عن عزمها على اجتثاث الفلسطينيين من أرضهم. لاءات اعتادتها إسرائيل وراقت لها وكأنني بها تدفعها حتى للمزيد من غيها فتمضي مطمئنة بهذه الرسائل والرموز متفرعنة ولا تبالي، تشرب نخب انتصاراتها وإنجازاتها وتفوقها في التقنية وإلى ما ذلك على كل الصعد، تشرب كؤوساً الواحدة تلو الأخرى بدون توقف.
دائرة المنتفعين
تلك الدول تركت الباب مشرعاً فمنها من اختار السكون ووراء السواهي دواهٍ، وتوسيع دائرة المنتفعين هنا ضرورة حتمية لها في هكذا مواقف، ناهيك عن سعي آخرين الدؤوب لتفريغ القضية من محتواها بالتعاون مع الدول الكبرى بتكريس شريعة الأقوى في العالم وانتهاك القانون الدولي وتجاوز الشرعية.
عندما نشاهد ما يبعدنا عن قضايانا بسلبية شديدة يشاهدها الكبير والصغير وما يعتريها من تعتيم على ما يصيبنا من أحداث وكوارث مريعة لا يطيقها بشر، وما يقوم به هذا الإعلام من تسفيه لنضال الشعب الفلسطيني، ومِن جانب مَن؟
مِن جانب بني جلدتنا والدم الواحد فلا يمكننا إلا أن نترحم هنا على تلك الضمائر التي انعدمت وعلى اندثار الحس الوطني، ولكننا كشعوب عربية لا يضير كل ذلك عزيمتنا ولا ينال منها بل يزيدها ثباتاً وقوة لا يملكها المعتدي المتحصن بسلاحه والذي بدونه هو جبان رعديد، إذ شاهدنا ما أصابه من هلع واضطراب ورعب حتى أن بعض الجنود قد تقوقع وهرب من ساحات المعارك وهو بعدّه وعتاده المتطور وعلى مسمع ومرأى من العالم، بينما الفلسطيني المتحصن بإيمانه بقضيته، ضرب أمثلة رائعة في الصمود والمقاومة فأبهر العالم وشده لها.
مواقف لا تصدق من جانب الإخوة والأحباب تجاه الفلسطينيين، بينما الجانب الإسرائيلي قد أغدقت عليه من بين ظهرانينا، هدايا مزركشة مخملية ثمينة تخلب الألباب وتنزل على قلبه برداً وسلاما.
إنها الهدايا التي ضربت الفلسطيني وقضيته في مقتل ولا نبالغ عندما نقول في إحباط الشعوب العربية كلها، فهي على حساب الفلسطيني وكفاحه وإخوته من العرب. الفلسطيني الذي تباح دماؤه جهاراً نهارا وأمام ناظري العالم كله فيتحرك، ويسدي لنا مواقف مشرفة لم نحزها من الأقربين، والرأي العام العالمي بقضه وقضيضه يدين وحشية إسرائيل السادرة في اجتثاثها للفلسطينيين بخطة كانت منكبة عليها ليل نهار.
توحيد الجهود العربية
كان بعض من الفن في العقود الماضية يسخر لخدمة قضايانا الوطنية وتوحيد الجهود العربية ومؤازرة كانت بمثابة المعول لجميع الشعوب العربية وإحساسها بالقضية التي لم ولن يُنال فيها من مخزوننا الوطني ولا من حماستنا لها، مهما قاموا بالتعتيم عليها بشتى الوسائل، حتى وإن كانت هناك قضايا أخرى في بلادنا العربية، سواء أكانت كارثية أم أقل كارثية، ولكن مازالت القضية الفلسطينية هي القضية الأم، وقلوبنا تنبض بها كما هي حاضرة في وجداننا ولن يثنينا عزم طال الزمن أم قصر.
كاتبة وإعلامية ليبية
بل هي أم القضايا التي تحدث عنها القرآن الكريم كلام رب العالمين منذ آلاف السنين عندما قال تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ✌️🇸🇦🇵🇸✌️
ما فائدة تعاطُف الشعوب العربيّة مع القضية الفلسطينيّة إذا كانت “السلطات” قد تخلّت عن هذه القضية، التي كانت تعتبِها قضيتَها الأولى؟؟. لقد عملت مُعظم الدول العربيّة بالتطبيع المُعلَن مع الكيان الإسرائيليّ من خلال ما سُمّيَ (اتفاقية أبراهام)، التي جمعت أمريكا حولها هذه الدول، من أجل التقريب بينها و بين إسرائيل و إزالة العداء التقليديّ الذي استمرّ لأكثر من سبعة عقود، و ما تهافُت الدول العربيّة للانخراط في هذه “الاتفاقية” إلّا دليل قاطع على ربط علاقات مع الكيان الغاصب و طمس القضية الفلسطينيّة إلى الابَد…