الكلمة والمواقف ضحايا حرب غزة

لم تعد الهيمنة العسكرية وحدها التي يتطلع لها الغرب لبسط نفوذه في العالم، بل إنه يسعى للهيمنة السياسية والثقافية. وما المشاريع الثقافية التي يمارسها عبر مؤسساته الإعلامية وكذلك الأكاديمية إلا بعض مصاديق هذا المسعى. لذلك ليس المطلوب من الدول الأخرى الإذعان لنوع واحد من الهيمنة فحسب، بل المطلوب إظهار الانسجام مع الغرب في مواقفه السياسية. ومن ذلك القضايا المتصلة بالتحالفات مع الدول الأخرى أو الاختلاف معها.
وفي مقطع مرئي للزعيم الوطني نيلسون مانديلا، سأله أحد الإعلاميين: أنت زعيم وطني ناضلت من أجل الحرية، فلماذا تقيم علاقات مع أنظمة قمعية مثل نظام القذافي؟ فجاء جواب مانديلا: مشكلتكم في الغرب أنكم تريدون من الآخرين أن يعادوا من تعتبرونهم أعداء. وهنا يجدر طرح مفاهيم الخطأ والصواب، والحق والباطل على مستوى المواقف والعلاقات والتحالفات. فمن الذي يحددها؟ فإذا كانت القيم الإنسانية الثابتة موضع اتفاق بشكل عام، ومنها قيم الصدق والوفاء والشجاعة والنخوة، فإن المواقف السياسية ليست واضحة بشكل حاسم، بل تخضع للمساومات والمصالح والأولويات والنفسيات، والظروف أيضا.
وما أكثر مصاديق ذلك. ففي ذروة الصراع حول قضايا الإرهاب، طرح الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن كلمة واضحة تؤكد أحادية النظرة الغربية للأمور، وذلك عندما كانت أمريكا تستعد لضرب تنظيم «القاعدة» في إثر تفجيرات 11 سبتمبر. فقال بشكل واضح: من ليس معنا فهو مع الإرهاب. هذا الحسم في المواقف ليس مؤسسا على استيعاب حقيقي للواقع، وليس مؤسسا على قيم العقل والعدل. إنه من نوع: من ليس معنا فهو علينا. وهذا كلام خاطئ لأن الخيارات المتاحة للإنسان ليست واضحة كالليل والنهار، بل هناك جوانب معتمة تحول دون تحديد الموقف العادل بشكل واضح. هذه النزعة في جوهرها تلغي مقولات الحرية وحق التعبير والرأي الشخصي، فهي لا تترك مساحات فارغة يتحرك البشر فيها، بل تفترض أن يكون الموقف واحدا والرأي المطروح ممثلا للجميع، وتلغي الفوارق الفردية والظروف المتصلة بالقضية موضع النقاش.
وتمثل قضية غزة واحدة من أهم القضايا التي يسعى الغرب لتشكيل رأي عام دولي يتماهى مع مواقفه وسياساته بشأنها. ففي نظر «إسرائيل» فإن قوى المقاومة الفلسطينية تمثل الخطأ المطلق، بينما تمثل «إسرائيل» الحق البشري المطلق. ولذلك فما أن سعى الأمين العام للأمم المتحدة لتوسيع باب الحوار وتخفيف حدة التخندق حتى استلمته وسائل إعلام الغرب وسياسيوه. فقد قال الأسبوع الماضي في تصريح: إن ما حدث في 7 اكتوبر «لم يحدث من فراغ» مشيرا إلى أن الشعب الفلسطيني يتعرض لاحتلال مستمر منذ أكثر من 75 عاما، مضيفا: «من المهم أن ندرك بأن هجمات حماس لم تحدث من فراغ، لقد تعرض الشعب الفلسطيني لاحتلال خانق على مدار 56 عاما، ورأوا أراضيهم تلتهمها المستوطنات وتعاني العنف، خُنِقَ اقتصادُهم، ثم نزحوا عن أراضيهم، وهُدمت منازلهم، وتلاشت آمالهم في التوصل إلى حل سياسي لمحنتهم».. هذه الكلمة كانت كافية لحملة سياسية وإعلامية منظمة انطلقت من «إسرائيل» وتلاقفها الغربيون، بينما طالبت «إسرائيل» باستقالة الأمين العام. فحتى رئيس المنظمة الدولية لا يملك حق التعبير عن الرأي، ولا يحق له أن يطرح خطابا يختلف عن الخطاب الذي طرحه محتلو فلسطين وأقره داعموهم الغربيون. هذه السردية يراد لها أن تؤسس الخطاب العام الدولي الخاضع لتأثير الدوائر المرتبطة بالاحتلال. ويتذكر بعض من تقدم به العمر ما حدث بأروقة الأمم المتحدة في مطلع السبعينيات لإسقاط مبدأ كانت الأمم المتحدة تتبناه: الصهيونية تساوي العنصرية. هنا تضافرت جهود الحكومات الغربية لإجبار المنظمة الدولية على إلغاء تلك المقولة.

إذا كانت القيم الإنسانية الثابتة موضع اتفاق بشكل عام، ومنها قيم الصدق والوفاء والشجاعة والنخوة، فإن المواقف السياسية ليست واضحة بشكل حاسم، بل تخضع للمساومات والمصالح والأولويات والنفسيات، والظروف

ولتأكيد المنحى الغربي الذي يصر على فرض رؤيته للعالم على الآخرين، انطلقت الانتقادات الحادة للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين بسبب استقبال موسكو وفدا فلسطينيا وإيرانيا. وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أعلنت يوم الخميس الماضي أن ممثلين لإيران وحماس موجودون في موسكو لإجراء مباحثات، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب بين «إسرائيل» والحركة الفلسطينية قبل نحو ثلاثة أسابيع. وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا «وجود ممثلين لهذه الحركة الفلسطينية في موسكو» وأن نائب وزير الخارجية الإيراني علي باقري موجود أيضا في العاصمة الروسية. الانتقادات الغربية أظهرت ظاهرة «التنمر» في دوائر القرار السياسي الغربي، وأن هذه الحالة دفعت الغربيين للشعور بحقهم في إملاء السياسات والمواقف على العالم. فما دام الغربيون قد قرروا خوض حرب مع «حماس» فليس من حق أحد في العالم أن يكون خارج تلك الحرب. هذا برغم غياب التوافق الدولي بشأن ذلك.
هذه السياسات التي تتسم بالصلف والغرور أصبحت تؤتي نتائج معاكسة لما يهدف له الغربيون عموما. فسياسيو الغرب الذين ألزموا أنفسهم بالدفاع عن «إسرائيل» يجدون أنفسهم في مواجهة مع شارعهم السياسي الذي أصبح أكثر انتقادا للكيان الإسرائيلي. هذه الانتقادات اعتبرتها «إسرائيل» أحد مظاهر معاداة السامية واحتجت لدى الحكومات الغربية ضد ذلك المنحى. وأصبح هؤلاء الزعماء محرجين بسبب تصاعد الرفض الشعبي للخطاب السياسي الذي تصدره تل أبيب، والذي يتسم بالغطرسة والتنمر والسعي لفرض هيمنة مطلقة على العالم. وهناك انزعاج إسرائيلي لتصاعد الانتقادات لسياساتها في الجامعات الأمريكية. ويسعى اللوبي الصهيوني للتصدي لذلك بأساليب تؤدي لنتائج عكسية. فأية محاولة لمنع الانتقادات لها انعكاسات عكسية لأنها توحي بتقليص الحريات العامة. فمثلا طالب المرشح الرئاسي السيناتور تيم سكوت (جمهوري من ساوث كارولاينا) بترحيل الطلاب الأجانب الذين يحتجون في الجامعات الأمريكية ضد «إسرائيل». وقال في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز اليمينية، التي تملكها عائلة مردوخ، يوم الأربعاء الماضي: «يجب معاقبة هؤلاء الطلاب وينبغي أن تكون هناك بعض العواقب على تلك الجامعات». وقال سكوت في وقت سابق إنه سيقترح مشروع قانون لحجب المنح عن الجامعات التي لم تتحرك لمنع معاداة السامية في الحرم الجامعي، في إشارة إلى الاحتجاجات. وسبقه المرشح الجمهوري وحاكم فلوريدا، رون ديسانتيس، الذي طالب بحل فرع فلوريدا للمنظمة الطلابية المؤيدة للفلسطينيين «طلاب من أجل العدالة في فلسطين ».
وقد أدت هذه المطالب إلى خلق مخاوف من التعرض للبند (التعديل) الأول في الدستور الأمريكي بشأن الخطاب السياسي في الحرم الجامعي. ووصفت مؤسسة الحقوق الفردية في التعليم، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير، توجيهات فلوريدا لإلغاء SJP بأنها غير دستورية وخطيرة. وقالت المجموعة في بيان لها: «إذا مر الأمر بدون منازع، فلن تكون المعتقدات السياسية لأحد في مأمن من قمع الحكومة». لقد ناضل الغربيون طويلا من أجل ضمان حرية التعبير، ولكن الواضح أن النفوذ الإسرائيلي في الهرم السياسي الغربي يدفع الأمور في اتجاه آخر.
هذه التطورات لا تنفصل عن السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، فإمعان الصهاينة في الاضطهاد والقتل والتدمير لا يمكن التستر عليه. ويساهم صمت الدول الغربية على ذلك في إثارة مشاعر البشر العاديين الذين يعتبرون ذلك تواطؤا لا يمكن السكوت عليه. وفي غضون الأسابيع الثلاثة التي أعقبت حوادث 7 أكتوبر بدأ الرأي العام العالمي ينقلب ضد الاحتلال بسبب ممارساته التي تصل إلى حد «الإبادة». ومن المؤكد أن دعوة نتنياهو لقطع الطعام والطاقة عن غزة، ثم الإعداد لإبادتها بطرد السكان والقصف المروّع ساهم في تغير الرأي العام الذي ربما تعاطف مع نظام الاحتلال في البداية. فمشاهد التدمير الشامل للمباني وتناثر أشلاء البشر وقتل أكثر من 4000 طفل، أضرّت كثيرا بالاحتلال، وأصبح في نظر الكثيرين مرتكبا لجرائم حرب واسعة، وبدأت المطالبات بإعداد محاكم لمرتكبي جرائم الحرب الإسرائيليين. هنا يتضح أن القوة العسكرية المفرطة وحدها لا تكفي لحماية أي نظام، ما لم يكن ذلك مشفوعا بسياسات إنسانية تحفظ البشر وكرامته. كما أن سياسات الانتقام والتشفي و «ردّ الصاع صاعين» كلها قيم تصادر مبادئ العدالة والقضاء العادل وكذلك مبدأ انسجام العقوبة مع الجرم. فالحق والعدل والإنسانية قيم يفترض أن تكون مقدسة لدى قادة العالم، وليس من المنطق ترك احترامها لأدوات الموت الحديثة التي تحصد الأرواح بدون حساب.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Neo:

    الغرب يحارب بكل ما لديه من قوة والعرب كذالك تستسلم وتنبطح بكل ما لديها وتبقى الشعوب المغلوبة على أمرها بين الرمضاء والنار .

اشترك في قائمتنا البريدية