اللاجئون الفلسطينيون بعيون أمريكية

يلاحظ المتابع لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وموقفها من القضية الفلسطينية بشكل عام، ومن قضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص أنها اتسمت بسمات أساسية على مدار أكثر من سبعة عقود خلت ، يمكن إجمالها بالتالي: قلة المتغيرات وقوة الثوابت، وقد ارتبط ذلك بمجموعة من الاعتبارات والمصالح الإقليمية والدولية للولايات المتحدة الأمريكية، وليس بوجهة النظر التي يحملها رؤساء الولايات المتحدة الذين توالوا على قيادة الإدارات الأمريكية، وقد اضطر بعضهم كالرئيس كارتر أن يتراجع عن تعهداته وقناعته بصدد القضية الفلسطينية التي تحدث عنها أثناء حملته الانتخابية. لكن لا بد من الإشارة إلى أن ثمة دوراً للرئيس الأمريكي في رسم وصوغ السياسة الأمريكية.

احتواء الصراع العربي – الإسرائيلي

وقد عملت الولايات المتحدة على احتواء الصراع العربي – الإسرائيلي، وبالتالي جوهره المتمثل بالقضية الفلسطينية، وذلك لتحقيق الأهداف المختلفة، وفي مقدمها الحفاظ على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. ويمثل موقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة من قضية اللاجئين بشكل خاص انعكاساً لمدى العلاقة مع إسرائيل، فكلما توطدت علاقة الإدارة معها، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية.
ويمكن القول إنه منذ إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان، بقيت القضية الفلسطينية ومن ضمنها قضية اللاجئين، أسيرة الصراع الدائر بين قوى الضغط المؤيدة لـ»إسرائيل» والإدارات الأمريكية المتعاقبة لجهة دعم المواقف الإسرائيلية على مستويات مختلفة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية.
وبالعودة إلى مواقف بعض رؤساء الولايات المتحدة إزاء القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، يمكن معرفة الاتجاه العام لمواقف الإدارات الأمريكية إزاءها، فقد طالب الرئيس ترومان في 9/5/1949 ،بضرورة عودة ما بين 200 و300 ألف لاجئ فلسطيني إلى ديارهم، وذلك عبر رسالة وجهها إلى ديفيد بن غوريون، وهدد بأن تعيد الولايات المتحدة النظر في موقفها من إسرائيل، لكن في مقابل ذلك ركزت الولايات المتحدة على ضرورة توطين اللاجئين الفلسطينيين عبر نفوذها الكبير في لجنة التوفيق الدولية، وبدأنا نشهد مشاريع وخططاً أمريكية لتوطين اللاجئين في الدول العربية المضيفة، ومن بين تلك الخطط، كان هناك مشروع يقضي بتوطين نصف مليون لاجئ في الدول العربية وبكلفة إجمالية تصل إلى 250 مليون دولار تساهم الولايات المتحدة بنصفها. ومن المشاريع الأخرى الهادفة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، مشروع غوردون كلاب، ومشروع جونستون (1953-1955)، ومشروع دالاس لعام 1955 القاضي بإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر استئناف حياة جديدة عن طريق إعادة استقرارهم، من خلال عودتهم إلى وطنهم ضمن الحد الذي يكون ممكناً، أو بتوطينهم في البلدان العربية.

قضية اللاجئين

وفي 2/10/1961 قدم جوزيف جونستون رئيس معهد كارنيغي للسلام مقترحاته حول قضية اللاجئين بتكليف من الرئيس جون كيندي، وتقضي بأن يستشار اللاجئون من أرباب العائلات من قبل الأمم المتحدة بعيداً عن الضغط، ويكون الخيار أمامهم بين العودة إلى فلسطين أو الحصول على التعويض، لكنه ربط هذا الاقتراح بأن لـ»إسرائيل» الحق في رفض عودة أي لاجئ حفاظاً على مصالحها الأمنية. وفيما بعد أكد الرئيس ليندون جونسون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19/6/1967 أنه يجب حل قضية اللاجئين حلاً عادلاً، وتراجع الخطاب السياسي الأمريكي إزاء قضية اللاجئين الفلسطينيين في عهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، فقد أوضحت البيانات الصادرة عن لقاءات بين وزراء في حكومته مع وزراء إسرائيليين، أن الولايات المتحدة لا تقبل خطط العرب فيما يتعلق بقضية اللاجئين.
وقلصت إدارة الرئيس كارتر مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وطريقة حلها إلى حد كبير جداً، وجاء في الرسالة التي وجهها كارتر إلى إسرائيل بواسطة الحاخام الأكبر شلومو غورين، أنه يجب إيجاد حل لقضية اللاجئين العرب واليهود وفق شروط يتم الاتفاق عليها، ومنذ مشروع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في أيلول (سبتمبر) 1982وحتى تبوء بوش الأب سدة الحكم في الولايات المتحدة انصب الخطاب الأمريكي إزاء القضية الفلسطينية على ضرورة المزاوجة بين اتفاقيتي كامب ديفيد ومشروع ريغان، وفيما عدا ذلك لا يرد في الأدبيات الأمريكية سوى البحث عن حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

بناء الجدران العازلة

وخلال عهد بوش الأب استطاعت الإدارة الأمريكية عقد مؤتمر مدريد في نهاية عام 1991 بحضور إسرائيل وأطراف عربية من بينها الطرف الفلسطيني كجزء من الوفد الأردني، سرعان ما تحول إلى وفد مستقل، وفي 13 أيلول (سبتمبر) 1993 وقعت اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وأجل المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون قضايا جوهرية، كاللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والسيادة إلى مفاوضات الوضع النهائي. وخلال الفترة التي تلت تلك الاتفاقيات حاولت الولايات المتحدة إيهام العالم أنها وسيط نزيه، على الرغم من دعمها لـ»إسرائيل» عند ارتكابها المزيد من المجازر، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أسقطت العديد من مشاريع القرارات الدولية التي تدين ممارسات إسرائيل التعسفية خلال الانتفاضة.
وبعد جمود سياسي في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، مع إصرار إسرائيل على فرض الشروط من خلال قوتها العسكرية، والاستمرار في بناء الجدران العازلة التي ستبتلع أجزاء كبيرة من أراضي الضفة الغربية، حدث التحول السياسي الخطير في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، حين أعلن الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في 14/4/2004، التزام الولايات المتحدة ضمان أمن إسرائيل والحفاظ على طابعها كدولة يهودية.

تفكيك الأونروا

ثم جاءت إدارة أوباما لتؤكد على الثوابت الرئيسية في السياسة الأمريكية الشرق أوسطية من خلال التأكيد على ضمان أمن إسرائيل وانسياب المساعدات الأمريكية لها. وكانت إدارة ترامب الأكثر وضوحا منذ البداية في دعم التوجهات الإسرائيلية على كافة الصعد، وفي المقدمة منها التأكيد على ضرورة الاعتراف الفلسطيني بفكرة يهودية إسرائيل، الأمر الذي يشي بالعمل على الإطاحة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذي كفلته القرارات الدولية وخاصة القرار ألأممي 194 الصادر في عام 1948.
وذهبت إدارة ترامب إلى ابعد من ذلك ،حيث سعت وتسعى عمليا إلى تفكيك الأونروا الشاهد الدولي الوحيد على نكبة الفلسطينيين ، جنبا إلى جنب مع تسريبات إعلامية لمشروع توطيني جديد لخمسة ملايين لاجئ فلسطيني، حيث يعتبر إحدى ركائز صفقة ترامب.

كاتب فلسطيني مقيم في هولندا

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية