اللاجئ والحاكم والغريب

حجم الخط
2

فاض الدم على الناس، واعترض خطواتهم غرابٌ أسعفٌ وضبعٌ فاتك، وانتفضت الأرواح في الأجساد. فقد عاث الحاكم فساداً في البيت والبلاد. وعمت الجثث المنعطفات وأعيت المراثي النادبات، دون أن يقوى أحد على كفّ الأذى عن القوم. فاضطرب الناس وهاجوا لفرط العسف الذي يقع عليهم من الغريب وجلاوزته. فانتبذ أفراد في خرابة المهدوم، يتداولون في ما يتوجب عليهم فعله. وإذا (بابن السقاء) يعلن أنه ذاهب لسور الغريب يعرض نفسه للعمل في الخدم لقاء أن يحميه من أذى ذوي القربى. ففعلت هذه الفكرة فعل النار في الهشيم، فاهتبل الجمع فكرة (ابن السقاء) واستحسنوا أن يكون فرجهم الوحيد المتاح لإنقاذ حالهم، فانتفض (حامد الحَلَي) قائلاً: وماذا عن أهلنا اللائذين في حبسة الدُور. التفت الجمع ثانية إلى فكرةٍ حسبوا أنهم قد غفلوا عنها. فربما استفرد أهل الحاكم بأهالينا فيما نحن ننقذ أنفسنا فحسب. لكن (ابن السقاء) استدرك بأننا في سور الغريب، وعلينا أن نتدبر أمر الآخرين، فليس لنا أن نعمل دون أن تكون ظهورنا محميةً في مكان. وافق الجمع. ونهضوا، على أن يذهب كل منهم بمفرده كلما سنحت له الفرصة المواتية. وكان (ابن السقاء) قد أفلت من اجتماع الخرابة المهدومة، متوجهاً ناحية سور الغريب. وبعد أيامٍ خلت الطرق من المارة وتوقفت الأعمال وتعطلت المصالح. واكتشف الحاكم أن الأهالي قد لجأوا لسور الغريب. فذهب يريد من الشخص أن يترك المدينة ويرحل إلى الضفة الأخرى من الماء، ويترك الذين في بيته أمانةً لدى الغريب. لكن الشخص رفض ذلك الأمر، مدعياً بأن بيته في ملك دولة الغريب، حسب قانون البيع والشراء، وهو لا يرغب في المغادرة، لأن هواء هذه المدينة يناسب صحته، التي تعتل من الأمكنة الرطبة في الضفة الثانية من الماء.
لم يقبل أهل الحاكم هذا التدخل السافر في شأن لا علاقة للغريب به. فصرخ به الحاكم: (يا غريب كن أديب). لكن الغريب لم يكترث بصرخة الحاكم. مثل أمرٍ دُبر بليل، بدأ جلاوزة الحاكم في اعتراض طريق الناس في سُبلهم، واستشرى القصفُ عشوائياً على كل من يصادفه الجلاوزة في كل مكان من المدينة. وما كان من الغريب، حتى سارع في الاستزادة من حدود الأرض يشتري المساحات ويكتري من يبنيها ويوسع في حماية من ينفع ناحيته للجوء، فراراً مما يحدث لهم من الحكم وبطشه. فلما تفاقم الأمر على الشخص وهو ينظر إلى الناس يفرون من دورهم لاجئين إلى سور الغريب، طلبوا منه أن يسلم لهم الناس بزعم أن بعضهم مطلوب في جريمة وجناية. وحين رفض الغريب متظاهراً بأنهم في حمايته، هدد الحاكم بهدم سور الغريب عليه. تكالب الحاكم على الغريب واللاجئين في ليل أسود، لم تشعر الكائنات المذعورة بمن يأخذهم على حين غرة ويقذف بهم من سور الغريب واحداَ وراء الآخر، حتى دقت أعناقهم جميعاً، ثم أمر الحاكم والغريب بدفنهم بلا غسل ولا كفن.

شاعر بحريني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    اللاجيء والحاكم والغريب…ثلاثيّة الصراع بين الانتماء واللانتماء؛ المعقول واللامعقول؛ أعادتني إلى بوح ابن المقفع بلسان الطيروالوحوش وهو يريد بني العباس أحفاد قريش؛ لا بسرد أبي حيان التوحيديّ الذي تلاطمته رغبات العروش؛
    حتى وشل عنه الحظّ الحَسن والتعيس؛ فندم وأحرق كتبه في تنور الخبز…فلم يصلنا منها إلا بقايا لكتاب لاجيء فرار أو هارب من النّار أو من سور الحاكم المغوار الذي ناوشه الضدّ القريب؛ فصار في زمانه المكشوف كالغريب الغريب.وكلّ
    غريب للغريب نسيبُ.

  2. يقول بلي محمد من البيضاء المملكة المغربية:

    فقط بعض الكلمات رقيقة أرق من ثوب الحرير أضعها وسط سماء هد ا النص الفني ادا سمحتم وكدالك الشاعر المحترم شكرا لكم وله بين قوسين تحية خاصة للبلد العربي البحرين ومن هو فوق أرضها .
    أيه أبه أيه نحن في زمان يضحك ويبكي ويشيب كدالك فالحدث جلب لا قلا م فا عبرت وبشتى لا سا ليب الفنية كل على حسب معرفته وعلمه .

اشترك في قائمتنا البريدية