هل تمثل الانقلابات في افريقيا عودة للنظم العسكرية أم نهاية للمصالح الفرنسية في المنطقة؟ سؤال طرحناه كإشكالية في نقاش تلفزيوني مؤخرا وقد لفتني تقديم الفرضيتين على شكل احتمالين منفصلين فيما كان يمكن التفكير في علاقة استتباع مباشرة بين عودة هذه النظم ونهاية هذه المصالح.
ثمة عنصر أساسي آخر كان يمكن أن يطرح في الواجهة ألا وهو نصيب الشعوب مما حدث، أو لنكن دقيقين أكثر، مما يحدث حالياً في افريقيا الناطقة باللغة الفرنسية. قد يكون أحد جوانب التفسير القائم على حساسية الشعوب للبروبغاندا أمرا واردا. في نهاية المطاف قد يقول قائل إن قوى الانقلاب في مالي والنيجر لم تعد كونها اعتمدت استراتيجية ولغة مألوفتين: رفض قوة خارجية استعمارية سابقة متواطئة مع نخب محسوبة عليها، انتظار عودة الاستقرار بعد أن يهدأ غضب الشارع، ثم إجراء انتخابات.
لكن حالة الغابون باتت مختلفة على اعتبار أن القيادات الانقلابية لم توجه خطابا معاديا للقوة الاستعمارية السابقة، بل ركز الجنرال بريس أولينجي نجيما قائد الحرس الجمهوري سابقا، أحد مدبري الانقلاب والحاكم الفعلي للبلاد حالياً، على موضوع الفساد دون أي إشارة إلى سلالة بونغو أو إلى خضوعها للمتابعة القضائية في ما بات يسمى بـ «قضية المكتسبات غير المشروعة «.
فهل صار من الممكن أن نشهد دورا إصلاحيا للنظم الانقلابية في افريقيا في ظل ما بدا وكأنها موجة تكتسح المنطقة؟ قد يستغرب البعض من هذا السؤال فالنظام العسكري الانقلابي يبدو محكوما في طبيعته بممارسات استبدادية. لكن ثمة استثناء يشذ عن القاعدة يتمثل في ثورة القرنفل في البرتغال حيث وضع انقلاب عسكري نهاية للنظام العسكري الذي سبقه، بل لنظام الحكم العسكري كليا عن طريق إلغاء «الديكتاتورية الوطنية» ذات الطابع العسكري الاستبدادي التي أوصلت المدني الشهير المتعاون معها، الاقتصادي أنطونيوسلازار، إلى سدة الحكم لستة وثلاثين عاما.
دخلت المستعمرات السابقة في افريقيا دورة جديدة تؤثر على علاقاتها مع مستعمريها السابقين لكن بالدرجة الأولى مع حكامها
وهذا ما يقود فعلا إلى طرح سؤال ما إذا كانت هذه المرحلة من التاريخ تشهد عودة للنظم العسكرية في المنطقة الافريقية، وهنا، يجوز طرح السؤال منفصلا عن تراجع مصالح القوى الخارجية في المنطقة. صحيح. تراجعت هذه المصالح، لكن ضعفت اليوم أيضا رواية تعاون القوى الاستعمارية السابقة مع نخب حاكمة أسست شبكة مصالح متبادلة عمرت طويلا وقد حملت في الحالة الفرنسية عنوان فرنسا في افريقيا (La France Afrique) فقد دخلت المستعمرات السابقة في افريقيا دورة جديدة تؤثر على علاقاتها مع مستعمريها السابقين لكن بالدرجة الأولى مع حكامها. وللوقوف عند ملامح تلك الدورة الجديدة، لا بد من الإحاطة بعناصر برغماتية تؤشر إليها، مثل المقاربة الجديدة التي تبنها للتواجد العسكري الفرنسي في النيجر قبل الانقلاب: مغادرة الصفوف الأمامية والاكتفاء بمهمات تدريبية في ما سمي بـ«نزع البرخنة» أي وضع حد لمهمة برخان في الساحل التي كانت تستهدف مكافحة الجماعات المتطرفة وتعويضها بتعاون تدريبي موجه للقوات المحلية.
لكن نقطة ارتكاز هذه الدورة الجديدة هي أيضا نقطة الضعف الأساسية التي تعاني منها حاليا القوى الاستعمارية السابقة.
أكثر من التركة الاستعمارية التي خلفها التاريخ، نتحدث هنا عن عدم التفات هذه القوى للإنذارات المتعاقبة التي وجهها لها المراقبون والمبنية على ضرورة استباق انسحاباتها العسكرية التي كان لا بد لها أن تتم عاجلا أو آجلا. فلم يقصر الباحثون ولم تقصر مؤسسات التفكير في معاهد الأبحاث (think thank) عن تناول ضرورة تفعيل التنمية المشتركة (co-développement) وهو مصطلح قديم جدا بالكاد طبق، يراد من ورائه تصحيح الاختلالات في المبادلات التجارية حتى تستفيد القارة السمراء من الاستثمارات الخارجية.
هذا التحدي، فهمته دولتان لا يربطهما بافريقيا أي تاريخ مشترك، بل مجرد تصور للمصلحة يختلف جذريا عن التصور السائد لدى القوى الاستعمارية السابقة لأن هذه الدول، ذات الخلفية غير المنحازة والاقتصادات الصاعدة، تراهن على الاستثمارات المحلية.
الإدراك الروسي والصيني بأن افريقيا أيضا تنتمي إلى القرية العالمية الصغيرة خرق المشهد، والقوى الاستعمارية السابقة لم تبال، لم تبال منذ أمد طويل. السياق جديد واللحظة الافريقية جديدة ومقاربتها بالروابط المصلحية القديمة مقاربة انتحارية. عندها، يصبح السؤال المطروح هل تملك القوى الاستعمارية السابقة القدرة على مسايرة المد الجديد الذي تفرضه الاقتصادات العالمية الجديدة مع العلم أنها اقتصادات متداخلة؟
من البديهي أن الدول الصاعدة ومنها دول البريكس أساسا وتلك المنضمة إليها حديثا، كما التي تطرق أبوابها، هي التي تملك اللحظة الافريقية، فقد صارت هذه الأخيرة اقتصادية بالمعنى الأصلي للكلمة، أي توفير النمو والرفاه للبلدان، قبل نخبها التي من المفروض أن تخدم المصلحة العامة وليس مصلحتها.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
هل ستتخلص دول أفريقيا من قبضة الاستعمار والنهب الفرنسي 🤔👽✋
لماذا لا تقول إنّ النخب الوطنيّة الأفريقيّة؛ وإنْ درست وتعلّمت في فرنسا تريد أنْ تبحث عن طريقها الخاصّ البعيد عن
الوصاية الاستعماريّة التي نهبت البلاد والعباد بالكذب والخديعة والتسويف؟ لقد كان { المعلمون الفرنسيون } يحشون
أدمغة الطلبة الأفارقة من الدارسين في فرنسا بمباديء الثورة الفرنسيّة وحقوق الإنسان والحريّات ووو وجدوا أنّ فرنسا
أبعد ما تكون عن مباديء الثورة الفرنسيّة وحقوق الإنسان والحريّات؛ في تسلّطها الاستعماريّ على بلادهم.فهل من
مباديء الثورة الفرنسيّة: الحريّة/ المساواة/ الإخوة؛ فرض سلطات فرنسا على النّاس ماذا يلبسون وبماذا يؤمنون وووو
إذا لا تتجانس النظريّة مع التطبيق؛ لن يحترم النّاس الشعارات في الواقع.وبذلك حصل شرخ في صورة فرنسا المثاليّة؛
إلى فرنسا المرابية لنهب ثروات الشعوب؛ تحت مبررات إمبرياليّة؛ أكل الدهر عليها وشرب.بصراحة أرى أنّ فرنسا بها
حاجة إلى انقلاب { عسكريّ } لتصحيح بوصلة مسارها الداخليّ قبل الخارجيّ.في بدايّة حياتي كنت أدرس الأدب الفرنسيّ والشعر الفرنسيّ والتاريخ الفرنسيّ واللغة الفرنسيّة…لكن الآن كلما سمعت باسم فرنسا؛ أحسّ بالعكس!
أخونا جمال بدري صحيح أن فرنسا الآن تدعو إلى الاشمئزاز والقرف ولكن “النخب الوطنية الافريقية” التي تتكلم عليها هي أصلا صناعة فرنسا بامتياز وعلى المكشوف أو هي حتى صناعة إنكلترا بامتياز آخر وعلى غير المكشوف وبدءا من الصعيد العسكري الذي تتصف به جميع الانقلابات إذ حدثت في الماضي والحاضر فإذا أردت أن تعبّر عن اشمئزازك وقرفك من الاستعمار الخارجي حقا فعليك أن تعبّر عن اشمئزازك وقرفك قبل كل شيء من الاستعمار الداخلي تحيتي
تعليق دكتور جمال وضع الاصبع على الجرح
بمهارة دكتور مختص.هذه هي التعليقات التي
تخدم الناس في الحياة.
نتمنى من مكارون أن ينقذ فرنسا من الضياع..
ويعيد لباريس مكانتها الحضارية بدل النزعة
الإمبريالية في افريقيا والشرق الأوسط.
بالمناسبة اسمه ماكرون وليس “مكارون” !!
تحية خاصة للأخ بيير لوي ريمون وتحية خاصة أيضا لكل من الأخ جمال البدري والأخ ف. ق. أولئك الذين أفادوا بالقيم من المعلومات النقدية حقا
فرنسا وهي عبارة عن عناصر جيش حين تقوم بفعل الاستعمار على أرض الواقع ليست هي التي تُعرف ب(مكانتها الحضارية) بأي شكل من الأشكال
هناك من يظن عن غبن وعن جهل أنه يتوقع من ماكرون أن يعيد لفرنسا “مكانتها الحضارية” –
ومتى كان لفرنسا في تاريخها كله “مكانة حضارية” بدون حملة استعمارية لاحضارية تنطوي عليها أصلا ؟؟
أحسنت أخت سيلڤيت، وأحيلك هنا إلى ما قاله الأخ عربي عراقي تعقيبا على تقرير الأخ واسيني الأعرج «الثورات الانقلابية الافريقية ومرايا الانهيار العربي؟». التعقيب نُشر هذا الصباح ويسير هكذا:
سبتمبر 6, 2023 الساعة 9:56 ص
(لا أعتقد أن القوى الاستعمارية ستصمت. مصالحها الاستراتيجية هناك. صمت أمريكا داخل هذا كله مريب جداً ويدفع إلى أسئلة كبيرة. هل تحضر أمريكا نفسها، في سياق الاستراتيجيات العالمية الجديدة، لتعويض فرنسا في ظل حمى الانقلابات العسكرية الناجحة؟) …… اه
والأسوأ من كل هذا يا أستاذ واسيني الأعرج أن نرى الجهل المطبق ببدائيات التاريخ الاستعماري حتى من مواهن مهووسين بتقديم أنفسهم باللقب “د.” وهم يتضرعون إلى ماكرون كما يبتهلون إلى إلههم كي يعيد لفرنسا “مكانتها الحضارية” وكأن فرنسا هذه كانت تتمتع فعلا بهاته “المكانة الحضارية” جاهلين كليا بحقيقة أن فرنسا هذه أحرقت أغلب أوراقها في إفريقيا وخاصة في (La France Afrique) وصارت من ثم غير مرغوب فيها في أغلب “مستعمراتها القديمة” وهي تعرف لماذا. وهذا مجرد غيض من فيض.