وإذا كان أبو نؤاس ـ وهو سابق للمتنبي ـ قد ثار على هذه المقدمة واستبدل المرأة بالخمرة، فذاك لا يلائم خلـق المتنبي، لأنه لا يشرب الخمرة، وقد شربها مرةً مكرهاً تحت ضغط المجاملة.
فالغزل عند المتنبي مقدمات، والمدح هو كل شعره، ولو أنني اكتفيت بهذا التحليل لظلمـت نفسي وأعلنت جهلي، ولكنني كلما تعمقت في قراءة المتنبي أدركت أنه استخدم المدح ولم يتقيد به. قصائد مدح المتنبي هي كل شعره، وليس شعر المتنبي كله مدحاً. فالمدح مناسبة لبيان براعته في كل الأغراض، ومعرض لبلاغته لا أكثر. وقد قرأنا آراء لبعض الأدباء، أو مدعي الأدب والسياسة هي أن شعر المتنبي لا يستحق التقدير، إذ كله مديح وتزلف ابتغاء الحصول على المال… إلى غير ذلك من الآراء الساذجة التي لا نناقشها الآن.
قصائد المتنبي في المدح تعقد في ذهني مقارنة بينها وبين روايات أوسكار وايلد، فأوسكار وايلد يختار هيكلاً مشوقاً لقصصه تستطيع أن تختصر أحداثه بسطور، ولكن كل ما في الرواية يلخص آراء أوسكار وايلد وسخريته من المجتمع الإنكليزي، ونظرته للناس والأشياء، كل هذا يبرزه أثناء الحوار على لسان شخوص الرواية.
المتنبي يمدح. وهذا هيكل القصيدة المختصر، وهذا المدح هو الوعاء الذي يسكب فيه المتنبي آراءه وفلسفته وثقافته وقدرته اللغوية، وبالاختصار كل عبقريته، وعلى القارئ أن يتلمس مكامن الجوهر والحكمة، فكل القصائد هي المتنبي ولم يكن للممدوح دور فيها.
وكيف نحاكم المتنبي الآن لأنه كان يمدح الوجهاء والأمراء في عصر وسيلة الشاعر الوحيدة فيه إلى استخدام الموهبة هي المديح، ومنه تنطلق الشهرة ومنه يجيء المال؟
لا يجوز أن نحكم الآن على المتنبي بحجة أن عمر بن أبي ربيعة لم يمدح… وشعراء آخرون يعدون على الأصابع لم يمدحوا… هؤلاء الشعراء هم الشذوذ في قاعدة ذاك الزمان. ولكل عصر قواعده وضروراته، وفيه الأغنياء وأصحاب النفوذ يطلبون المدح والشاعر إن لم يُسمع يموت مختنقاً من الصمت.
العربي يحب أن يُمدح، والرجل أكثر رغبة من المرأة في هذا المدح وإن ظنَّ العكس… وكل كتب الشعر والتاريخ تؤيد ما أقول، ومادة المدح سهلة تختصر بكلمتين… الشجاعة والكرم، وكل من مدحهم المتنبي تقريباً لا يخرجون عن هاتين الصفتين، فأي واحد منهم هو: أشجع الناس وأكرم الناس، حتى لم يترك معنى لاسم التفضيل، ولا واحد منهم يعترض على المتنبي ليقول له: أما قلت عن غيري أنه أشجع الخلق وأكرم الناس؟ لم يعترض أحد الممدوحين وكأنهم كلهم يعرفون أن القضية متفق عليها… وأن ما يقوله المتنبي فيهم يستحق الجوائز السنية. هذا نظام العصر وسنته، بل هو نظام كل عصر، يتملق الناس أفراداً في موضع السلطة والقوة، كلٌّ بطريقته، إلا أنَّ من يُقبِّل يد الحاكم لا تكتب عليه خطيئة، كما تكتب على الشاعر.
من أين أجمع غزل المتنبي؟
طبعاً من مقدمات القصائد… هذه المقدمات الغزلية المهيأة أحياناً قبل التوجه لممدوح بعينه، هي أسس جاهزة تنتظر البناء عليها، أحياناً يتخلص المتنبي منها بما يسمونه (حسن التخلص) وهو الانتقال من الغزل والنسيب إلى المدح، وأحياناً يقفز المتنبي بلا جسر إلى المدح… لا فرق، فالعرب تحب أن تفتح شهيتها بالحب، وينجذبون للنسيب، وكلهم عشاق، يسكنهم العشق، وليس شرطاً أن يكون المحبوب موجوداً، فأحياناً كثيرة هو عشق للعشق، وحب لا يعرف لمن، لذلك بدأ الشعراء ومنهم المتنبي بالحب، ووصف المرأة التي هي أجمل ما خلق الله.
من مقدمات قصائد المدح نلملم رأي المتنبي بالحب وبالمرأة، وأحياناً نُحس وهجاً من العاطفة، ولا غرو فالشاعر من أرق الناس مشاعر، ومن كل ما قرأت من هذه الغزليات طلعت بأن المتنبي لم يحب، وساعدني المتنبي نفسه لتقدير ذلك… وبيَّن بصراحة موقفه من الحب، والاعتراف سيد الأدلة. يقول أفلاطون: «الحب حركة النفس الفارغة»، والمتنبي معجب بفلسفة اليونان. يقول المتنبي نفسُه عن نفسه:
وما العشقُ إلا غُرَّةٌ وطماعةٌ يُعرِّضُ قلبٌ نفسَه فيصابُ
وقبلها:
وللسرِّ منِّي موضعٌ لا يناله نديم ولا يُفضي إليه شرابُ
وللخَود مني ساعة ثم بيننا فلاةٌ إلى غير اللقاء تجــاب
والخود المرأة الجميلة وقد تكون إحدى الجواري مما يهدى له. وله:
تروق بني الدنيا عجائبها، ولي فؤاد ببيض الهند لا بيضها مغرى
أي أن قلبه يميل إلى السيوف (بيض الهند) لا إلى النساء (البيض)
وقوله:
ما دمتَ من أربِ الحسانِ فإنما رَوقُ الشباب عليك ظلٌّ زائلُ
وقوله:
يا عاذلَ العـاشقيـن، دع فئة أضلّها اللهُ كيـف تُرشــــــدها
بئس الليالي سهِدت من طرب شوقاً إلى من يبيت يرقـــدها
وقوله:
مما أضرَّ بأهل العشـــق أنهم هووا، وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
تفتى عيونُهم دمعاً وأنفسُهم في إثرِ كلً قبيحٍ وجهُهُ حَسنُ
وقوله:
تحمّلوا! حملتكم كلُّ ناجيةٍ فكلُّ بَينٍ علَّي اليوم مؤتمَن
ما في هوادجكم من مهجتي عوض إن متُّ شوقاً ولا فيها (له) ثمن
وأظنها (لها) تعود على مهجتي. يعني بالفصيح: امشوا، الله لا يردكم، ليس في هوادجكم من تستحق أن أموت من أجلها. وقوله عن الدنيا:
بقلبي وإن لم أروَ منها ملالةٌ وبي عن غوانيها وإن وصلت صدُّ
وقوله:
لولا العلى لم تَجُنب بي ما أجوب بها وجناءُ حرفٌ ولا جرداءُ قيدود
وكان أطيبَ من سيفي معانقة أشباهُ رونقه الغيدُ الأماليدُ
لم يتركِ الدهرُ من قلبي لا كبدي شيئاً تتيّمُهُ عَينٌ ولا جيد
أصخرةٌ أنا؟ مالي لا تُحرِّكُني هذي المدام ولا هذي الأغاريد
هذا هو عقل المتنبي الطموح للمجد والغِنَى والشهرة والخلود، ومعرفته حقيقة العبقرية التي وهبها الله، واستخدامه لهذه العبقرية إلى أقصى حدودها، كل ذلك يجعله جاداً في تنفيذ مقاصده، لا يلهيه شراب أو حب يستهلك عقله بالتأوه والحسرة وأحلام اليقظة، عارفاً مترفعاً على زمانه وعلى مَن في زمانه، يشق طريقه في السحاب إلى المستقبل اللامحدود، وبهذا تفوّق. كان بإمكانه أن يكون نديماً يجوّد السمرَ في مجالس الخاصة ولم يفعل، وكان بإمكانه أن يكون عاشقاً يتفوق على كل العاشقين بالغزل ولم يفعل.
لا تقل لي إنه كان قبيح الشكل، فأنا لا أريد أن أضع نظرية خاطئة أجعل فيها من قبح المتنبي أساساً لتعامل المرأة معه، أو إعراضها عنه، هذه النظرية خطأ كبير، لأن مغريات المرأة في الرجل تعتمد على القوة، وقوة الرجل في شخصيته لا في شكله، قوته في المال، في الزعامة السياسية، في العبقرية وفي الذكاء الواضح في العلماء والشعراء، والشعر من أكثر المغريات جذباً للمرأة، أجمل النساء يلتففن حول بشار بن برد، وأجمل النساء ضعيفة أمام قصيدة غزل من شاعر كبير، إن لم تحبه فإنها تتجاوب معه بقدر افتخارها بالقصيدة. لو أراد المتنبي أن يكون معشوقاً لما أعوزته الوسيلة على قبحه، وشدة اقتصاده، وخشونة الكبرياء فيه، وللكبرياء ملمس خشن.
اديبة عراقية ـ كاليفورنيا
لميعة عباس عمارة
اد ا سمح لنا المنبر اضع بعض السطور تحت ظل هد ا الموضوع وهو بلغة الشعر اي موضوع يكون لشاعر حضور ولو كان قديما يعتبر الموضوع من اوله الى اخره شاعري ادا بدأ بحرف الواو ينتهي بحرف الواو وادا بد أ بحرف الفاء ينتهي بحرف الفاء وادا بدأ بحرف الحاء ينتهي بحرف الحاء وكد الك الباء فكلمة الحب كلمة قد تكون لها معاني كثيرة لاتعد ولاتحصى فنقول مثلا حب المال حب الكرم حب الأنفاق حب الأخلاق حب الطيور حب العصافير حب الهد اهد وكل الدي دكرت ومايزيد رسم عنه الشعر ولازال التغاريد الموسيقية على ايدي متميزة اصيبت بسهام من كنانته فكانت تلاميدته حثى شابت رؤوسهم ولحاهم تفننوا ولم تكن لغة التقليد بينهم كلمة الحب بد أت باالألف والام ثم انتهت بحرف الباء ورغم الاف الأقلام الثي كتبت عنه لم تجد لواحد من اسراره سبيلا فاالمتنبي شاعر متميز عن غيره مال للمدح وتفنن فيه وكد الك الحب بين قوسين لو ان الحب تجلى لناس لفتنوا بجماله وحسنه ونسوا انفسهم فقد اعطي من الجمال الشيء الكثير لم يعطى لغيره *فاالمرأة وصف جمالها بلغة الحب والشعر ولازال الشعر في فضاءها *
هده فقط كلمة لكن لم تنتهي استعنت بلغة الفلسفة ولااعتبر هد ا عيبا اد ا الضيف الحب مرفوقا باالشعر*شكرا
قال المتنبي في حداثته “اي مكان أرتقي اي عظيم اتقي. وكل ما قد خلق الله. و ما لم يخلق. محتقر في همتي. كشعرة في مفرقي”. صدقت يا اخت لميعه فالمتنبي في كل مكان و فوق الجميع و هو يعبر عن نفسه و لا يقدر الا شأن من يحبهم مثل سيف الدولة لما فيه من الرجوله و الشجاعه و الكرم و قال فيه اجمل و اصدق الشعر و طبعا لم يقصر في مدح نفسه و من لا يعرف الخيل و الليل و البيداء تعرفني والسيف و الرمح و القرطاس و القلم؟ و لكنه كان ايضا رقيقا في الغزل يلمس القلب في قوله ” و ما شرقي بالماء الا تذكرا. لماء به أهل الحبيب نزول. يحرمه لمع الاسنة فوقه. فما لظمآن اليه سبيل”. اشاركك في حب المتنبي منهل الحكمه و المتعه في الأدب و الفكر و عبقرية الشعر بدون اي تكلف و الحمد لله الذي وهب العروبه هذا المنار الذي لم يخفت ضوؤه منذ الف عام
اتفق مع الكاتبة ان ليس المتنبي وحده من تطرق الى المدح،هناك محطات فضائية في عصرنا هذا ليس لها شغل غير مدح زعيم دولتها مهما كان حكمه متخلفا ورجعيا ،وهناك من يعتبروا أنفسهم ابطال الاعلام والصحافة ولهم قنوات فضائية ،وهي تسبح بحمد الزعيم والحكومات طيلة 24 ساعة في اليوم،فكيف نحكم على شعراء العصور السالفة انهم كانوا يمدحون الزعماء والامراء،
مع العلم كان أستاذ اللغة العربية في ايام زماني يقول عن المتنبي انه مدًاحة نوًاحة،
ما حاجة المتنبي إلى الوسامة للحصول على ما يشتهيه من نساء وهو يتمتع بكل هذه الحكمة النادرة، وأبيات شعره التي تحولت إلى أمثال خالدة، والقدرة على اجتراح معجزات في اللغة لم يستطع الكثيرون من نظرائه في زمنه أو في التاريخ العربي أن يصلوا إليها. هذا رجل عبقري وفنان، إضافة إلى حكمته وإعجازه اللغوي.
لاشك ان المتنبي شاعر مفلق قدير وحكيم …ومع ذلك كان يقول :( ابن جني أعلم بشعري مني )..وابن جني هو صديق المتنبي عالم البيان والصرف والنحو الكبير في حضارة اللغة العربية ..وكان يوجه المتنبي في تقويم اللغة وتجاوز أخطا ئها والقفز على عثراتها ، ومن الغر يب أن المتنبي على عنجهيته وغروره الأحمق كان يصغي لصديقه ويأخذ بنصائحه ..على العكس من تنازعه مع النحوي المشهور ابن خالويه بحضرة سيف الدولة …
وبدايات المتنبي كانت ولادته ونشأته في أسرة وضيعة :
أي فضل لشاعر ينشد الفضل …من الناس بكرة وعشيا
وأبوه يبيع في الكوفة الماء …….وتارة يبيع ماء المحيا
ثم التحاقه مع فرق القرامطة في بلاد الشام التي أدبها سيف الدولة وأعادها إلى الصواب وكان قد سجن مع من سجن لمدة ثم أخرج بعد توبته ، لذلك لم يكن يجد وقتاً للمرأة و لواعجها وتباريحها ، ولو أن هناك بعض المقطوعات التي تنم عن غزل بارد لكنه جميل . والمتنبي أسؤأ الشعراء العرب في الحب وأفشلهم مع المرأة ولايقارن بتاتا مع شاعر عملاق كأبي نواس .