عقدت عدة جلسات مصالحة فلسطينية ، في القاهرة وغزة وموسكو وقبل ذلك في مكة وأخيراً وليس آخراً في الجزائر.
واللافت أنه على الرغم من مرور خمسة عشر عاماً على الانقسام الفلسطيني (2007-2022) لم تفلح المناشدات بتحقيق مصالحة حقيقية ، في وقت يواجه الشعب الفلسطيني تحديات جمة. ويبدو أن بيانات الفصائل والقوى الفلسطينية حول الموافقة والإسراع لتحقيق المصالحة باتت مجرد شعارات فارغة ولذر الرماد في العيون ولكل فصيل أجندته الخاصة تبعاً لقنوات التمويل من الدول التي تفرض سياستها ولخدمة توجهاتها و “فالج لاتعالج “.
إدارة الأزمة
برزت بعد انعقاد جلسة للمصالحة في الجزائر، أسئلة حول حقيقة وجدية المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، خاصة وأن الحديث تكرر إزاء ذلك وعقدت اجتماعات بغرض ذلك في عدة عواصم ومدن عربية وفي قطاع غزة ، وتبين على الدوام على أنها كانت مجرد إدارة للأزمة فقط ؛ على عكس مطالبات الشعب الفلسطيني خزّان المقاومة المستمر؛ وقد تكون الصرخة الأخيرة والجادة لعقد المصالحة وتجاوز القطط السمان في داخل الفصائل المختلفة، الذين توحشوا خلال الانقسام المديد على حسام جراحات الشعب الفلسطيني المكلوم ، والانطلاق بشكل متسارع الى العمل لتشكيل مجلس وطني جامع ولجنة تنفيذية جديدة وتحتوي قامات فلسطينية علمية شابة.
ويعتبر ذلك ضرورة ملحة ومطلب الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية والشتات لمواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية. فمن باب أولى أن تقوم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بدايةً، بدعوة المجلس الوطني الحالي إلى الانعقاد، بغية تقديم تقاريرها التنظيمية والمالية والسياسية، بحيث تغطي الفترة بين عامي (1991- 2022 )، والتي شهدت انطلاقة مؤتمر مدريد للتسوية، مروراً باتفاقيات أوسلو وإنشاء سلطة فلسطينية لم ترق إلى دولةٍ بالمعنى الحقيقي.
اتفاقات أوسلو
لقد شكّلت اتفاقات أوسلو التي وقعت في 13 سبتمبر/ أيلول 1993 تحوّلاً نوعياً في التجربة السياسية الفلسطينية، وتمت صياغة النظام السياسي من جديد في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتم التعبير عن ذلك في إنشاء السلطة الفلسطينية في ربيع عام 1994، لتصبح حركة فتح حزب السلطة، بعد أن كانت، منذ 1969، حزب الثورة الفلسطينية خارج فلسطين، الأمر الذي أدى بدوره إلى كسر قاعدة التمثيل السياسي الشامل الذي تمتعت به منظمة التحرير، حيث اعتُبرت، منذ عام 1974، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. في المقابل، اعتبرت السلطة الفلسطينية أحد أهم معالم اتفاقات أوسلو التي رفضتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وقوى فلسطينية أخرى، فضلاً عن أنها سلطة ناجزة في الضفة والقطاع، تسعى إلى تحسين ظروف المجتمع الفلسطيني في المجالات كافة، ومرجعيتها منظمة التحرير وليس العكس.
مقدمة جوهرية
من خلال قراءة مسار جلسات المصالحة الفلسطينية يمكن الجزم أنها لم تفض الى تحقيق إنهاء الانقسام ، بل كانت مجرد جرعات لتهدئة الشارع الفلسطيني التواق لانهائه ، لتستمر القطط السمان على هامش الانقسام وتحقيق مكاسب خاصة ، وأرى كمتابع أنه لا جدوى من إعادة تشكيل مجلس وطني فلسطيني جديد ولجنة تنفيذية لمنظمة التحرير، من دون عقد مصالحة وطنية وانهاء الانقسام الفلسطيني والاتفاق على استراتيجية سياسية كفاحية لمواجهة السياسات الأمريكية والإسرائيلية التي تعصف بالقضية الفلسطينية.
وهذا بطبيعة الحال يتطلب مزيدا من الضغوط من قبل الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية والمهاجر القريبة والبعيدة على الفصائل والقوة الفلسطينية للإسراع في ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وفق أولويات تمليها المصلحة الوطنية، بعد فشل الأجندات الضيقة على حساب الحقوق الوطنية ، والذهاب الى أبعد من ذلك الى الإشارة بالبنان الى كل من يعيق عقد المصالحة؛ في وقت تسارعت وتيرة السياسات الإسرائيلية العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني إثر توضح الانحياز المطلق لادارة بايدن والغرب الاستعماري لها.
لقد استصدرت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، حزمةً من القرارات التي من شأنها الإطباق على مدينة القدس.
وفي هذا السياق، تفيد تقارير أن إسرائيل استطاعت السيطرة على 93 في المئة من مساحة الجزء الشرفي من القدس المحتل في حزيران /يونيو 1967، ناهيك عن بناء طوقين من المستوطنات يحيطان بالمدينة من الجهات الأربع، ويقيم فيها نحو 190 ألف مستوطن إسرائيلي، وقد تم طرد آلاف المقدسيين بطرق غير مباشرة، بعد قرار تهويد التعليم في المدينة قبل عدة سنوات، واستغلت إسرائيل حالة الانقسام، لتجعل من النشاط الاستيطاني العنوان الأبرز في سياساتها اليومية. ما أدى إلى سيطرة كبيرة على أراضي الضفة الغربية لصالح المستوطنات والنشاط الاستيطاني.
ونتيجة مباشرة لحالة الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، أصبحت مؤشرات البؤس هي السائدة بين الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، فقد وصلت معدلات البطالة إلى نحو 60 في المئة في قطاع غزة، وارتفعت، بعد العدوان الإسرائيلي المستمر بأشكال مختلفة على الشعب الفلسطيني .
ونتيجة ذلك، باتت الخيارات التعليمية والصحية ضعيفة، فمن أصل نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة يعيش 60 في المئة تحت خط الفقر. وكذلك ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة نتيجة تراجع أداء الاقتصاد الفلسطيني وتدني قيمة المساعدات العربية والدولية للفلسطينيين، ناهيك عن تراجع ميزانية الأونروا خلال السنوات الأخيرة، حيث يعتمد اللاجئون الفلسطينيون الذين يمثلون (70) في المئة من سكان القطاع على مساعداتها المختلفة من صحة وتعليم وحالات العسر الشديد.
ويبقى القول إن جلسة المصالحة في الجزائرأخيراً، هي مجرد جولة وحفلة تصوير لقادة وزعماء الفصائل الفلسطينية،وتبقى المصالحة أسيرة المواقف الإسرائيلية والأمريكية والممولين للفصائل ويتحقق المثل العربي “فالج لاتعالج”.
كاتب فلسطيني مقيم في هولندا
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن انا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عيناك انما
نحاول ملكا أو نموت