ليس واردا أن نحكم على النوايا أو أن نفتش في الضمائر، ولكن كيف نفسر أنه لا أحد يملك اليوم الثقة التامة واليقين الكامل في أن ما يعرف بالاخوة المغاربية بقي حقيقة ثابتة ومجردة، ولم يعد شكلا من أشكال التلاعب والتزييف والتضليل الرسمي والشعبي على السواء؟ فلئن كنا قد سمعنا قصصا عما فعله الجاهل بنفسه، وفاق بمرات ما فعله العدو بعدوه، كما قال المثل المعروف، وعشنا ورأينا قصصا أخرى عما فعله الأخ بأخيه وتعدى في حالات كثيرة ما فعله العدو بعدوه أيضا، فمازلنا نصادف مع ذلك من يرى أن روابط الاخوة عرقية كانت أم دينية، وبالشكل المهترئ والمهزوز الذي عليه اليوم، سوف تكفي وحدها لمحو كل الأحقاد والخصومات والصراعات، وحل كل العقبات والإشكالات التي يتخبط فيها المغاربيون، من أقصى ليبيا إلى أدنى موريتانيا.
ولعل المثل الأخير كان لافتا، فقد استبشر البعض بالشباب الذين شبكوا قبل أسابيع قليلة علم المملكة الشريفة براية الجمهورية الديمقراطية الشعبية، وارتدوا قمصانا بألون المغرب والجزائر وجلسوا جنبا إلى جنب في مدرجات الملاعب في مصر هاتفين لفريقي كرة قدم من تونس وموريتانيا. ونظر آخرون لاكتساحهم عوالم الافتراض وملأهم مواقع التواصل بالهاشتاغات والتعليقات، التي لم تدع مجالا للشك في أن الروابط التي تجمعهم أقوى من كل تصور أو تقدير، بالكثير من الاعجاب، بل اعتبروها الحجة القوية على أن هناك بالفعل شيئا يسمى اخوة مغاربية، وكان الدليل الاضافي بنظر هؤلاء، أن لا أحد من الشباب كان سيتردد بنظرهم متى سُئل إن كان مغربيا عن جزائري أو إن كان تونسيا وطلب منه أن يصف ليبيا، أو كان موريتانيا وعرض عليه أن يتحدث عن مغربي في أن يقول تلك الجملة المعروفة والشهيرة «نحن خاوة لا تفرق بيننا حدود أو قيود»!
لكن مثل تلك المشاعر العظيمة والنبيلة التي لم تعد تظهر إلا في بعض المناسبات فقط، رغم انها تبدو طبيعية جدا وعفوية وصادقة وبعيدة عن أن تكون تكلفا مصطنعا أو انصياعا لإملاء أو لأمر أو توجيه حكومي، فإنها تتقاطع في نقطة ما مع خطاب رسمي معلب ومجمد يوغل في الخداع، ويستمر منذ أكثر من نصف قرن في العزف على وتر الاخوة المغاربية ذاته، مع أن أفعاله وتصرفاته تسير على النقيض تماما. فما الفرق الذي نجده بالنهاية بين ما قد يقوله شاب من الرباط عن شباب طرابلس وتونس وقسنطينة مثلا، من انهم أشقاؤه الذين لم تلدهم أمه، وما تقوله مثلا تلك البرقيات الأربع التي قيل إن الرئيس الجزائري السابق بعثها للقادة المغاربيين في ذكرى تأسيس اتحاد المغرب في فبراير الماضي، ليؤكد لهم فيها أن بلاده تحرص على «النهوض بمؤسسات الاتحاد وتنشيط هياكله، بما يمكن من الذود عن المصالح المشتركة لبلدانه»، أو على انها تتمسك تمسكا «ثابتا باتحاد المغرب العربي، باعتباره خيارا استراتيجيا ومطلبا شعبيا»؟ أليس كل ذلك كلاما في كلام؟ ألا يسقط الطرفان معا، الرسمي وغير الرسمي، في الخطأ نفسه وإن بتفاوت في الدرجات، فيتغطى المسؤولون برداء الأخوة حفاظا على مصالحهم وعروشهم وكراسيهم، وتنقاد الشعوب وراء الشعارات البراقة هربا من كآبتها وإحباطها ويأسها، وتمسكا بوهم أن ساعة الفرج قربت، وأنه متى نزلت عليها الوحدة المغاربية المنشودة من السماء، فإنها ستنعم بالرفاه والخير العميم؟ لكن متى أطعمت الكلمات والعبارات على قوتها وصدقها جائعا، أو كست عاريا، أو خففت من مأساة منكوب أو محتاج؟ وهل إن الأخوة تحتاج حقا لسند إثبات أو لتأكيد أو إقرار شفاهي أو مكتوب؟ أم إنها كانت ومازالت بحاجة اكيدة وضرورية لأشياء أخرى، وهي أن تتحول لتطبيق يمارس على الأرض، لا أن تكون شعارا أجوف يتردد في الأروقة الضيقة، ويخرج في هتافات بعض الشباب أو خطب وبرقيات القادة؟
لم يحصل أن سمعنا يوما أن هناك هولنديا قال عن فرنسي إنه شقيقه، ولا أن ألمانيا وصف فرنسيا بأنه اخاه، ولا أن مسؤولا اوروبيا ساميا أشاد بالروابط الأخوية العميقة التي تجمعه بدولة أوروبية اخرى، قد تشترك أو لا تشترك معه في اللغة أو الدين، ولم نقرأ لأحد من هؤلاء برقية أو خطابا يوازي قوة وفصاحة البرقيات والخطابات التي يتبادلها القادة والزعماء العرب والمغاربيون في المناسبات الرسمية أو الأعياد الدينية، التي لا تخلو دائما من فصاحة العصور الغابرة وعنترياتها، ولكننا مع ذلك نقف كل يوم مبهوريين ومأخوذين بمتانة العلاقات الاوروبية وعمقها ورسوخها، وما تجلبه للشعوب من منافع وفوائد وتسهيلات، تجعلها تشعر بالفخر بأنها تنتمي لأصل مشترك وأم واحدة. وبدلا من أن نعتبر من ذلك ويحاول كل واحد منا أن يبحث في نفسه عن أصل العلة، فإن كل ما فعلناه ونفعله، أننا نكتفي غالبا بأن نردد أن لا شيء يعوقنا أو يمنعنا نحن ايضا من أن تكون لبلداننا المغاربية الخمسة، على الاقل، نسخة مصغرة من ذلك النموذج الأوروبي المبهر، لأن كل الشروط والظروف متاحة وموجودة لتقاربنا، وربما بشكل أقوى وأعمق مما يجمع الاوروبيين بعضهم ببعض.
أما بعدها فنشبك ايدينا ببعض ولا نفعل شيئا سوى أن نلقي اللوم كله على طرف واحد، هو تلك الارادة السياسية اللعينة التي لا تريد لنا ولبلداننا وشعوبنا أن تتوحد وتتجمع، ونحملها وحدها وزر ما نعيش من فرقة وتشتت مستمر. فأولئك الحكام الذين شبكوا أيديهم بأيدي بعض وظهروا ذات يوم في شرفة بلدية مراكش مبتسمين وملوحين للمغاربيين بأمل جديد، هم بالنسبة للبعض منا على الأقل وحدهم من حطم وقتل الاتحاد، الذي صنعوه بأيديهم بسبب خلافاتهم وحروبهم الدونكيشوتية التي لا تنتهي. ولكن على فرض أن لهؤلاء بالفعل قدرا من المسؤولية في ذلك، فهل أن باقي المغاربيين لا يتحملون شيئا، ولا ناقة ولا جمل لهم في ذلك الإخفاق، حتى لو تعلق الامر بصمتهم وتواطئهم واكتفائهم بترديد الشعارات والأمنيات والوقوف على الربوة؟ ربما لو سألنا أي مغربي أو تونسي أو جزائري أو ليبي أو موريتاني اليوم عما يعنيه أن يكون اخا للاخر لما حصلنا على جواب واحد. فقد يرى البعض أن تلك الاخوة هي شيء فطري أو رمزي أو عاطفي مجرد، وقد يرى آخرون العكس تماما، ولكن الشيء المؤسف حقا أنه قبل أكثر من نصف قرن فقط، أي قبل الاعلان عن استقلال معظم الاقطار المغاربية لم يكن الامر كذلك. فلم يكن لمعنى الاخوة وقتها سوى تفسير واحد هو ان جميع المغاربيين «خاوة لا تفرق بينهم حدود أو قيود»، بكل ما تعنيه العبارة من تقاسم الحلو والمر. أما كيف تغير الامر وصار ذلك الآن شعارا، فهنا تكمن مفارقة المغاربيين التي لا يجيب عنها للاسف لا حاكم ولا مسؤول.
كاتب وصحافي من تونس
” فيتغطى المسؤولون برداء الأخوة حفاظا على مصالحهم وعروشهم وكراسيهم ”
المسؤولون فى أوروبا غير معنيين بهاته الجملة ….لذا نجحوا ….
يوم تصبح كل بلدان شمال إفريقيا مثل تونس يومها يصبح لنا ” إتحاد بربري ” كما لهم ” إتحاد أوروبى “
لا ارجوك .. خلي تونس لتونس ..
القياس على أوروبا في هذا المجال بعيد عن الواقع يااستاذ نزار…..لأن الأوربيين خاضوا حروبا طاحنة فوق قارتهم ومنها حربان عالميتان بسبب التصارع على المصالح واقتسام النفوذ في البلدان الضعيفة وسرقة خيراتها. …؛ وعندما توحدوا اقتصاديا ظل نفس الهدف قائما بأشكال مختلفة ومتطورة….أما في واقعنا فلم يكن هناك ما يفرق شعوبنا ذات المرجعية العرقية والدينية الموحدة. .سوى أولائك الحكام والنخب السياسية والعسكرية التي تمثل بالدرجة الأولى مصالح الإستعمار الاقتصادية والسياسية والثقافية. …ولو أعطيت الفرصة والقرار للشعوب لانتهت الحدود المصطنعة والفوارق المختلقة في وقت وجيز. ….وشخصيا لم أجد يوما اشكالا في التواصل مع نخب أكاديمية جمعتني بهم المناسبات من تونس والجزائر ومصر…الخ. ..لأننا في الغالب ننطلق من ارضيات موحدة متقاربة. ..ولسنا مثل من يحرص على حماية ترسيم الإستعمار للحدود الجغرافية والثقافية…وشكرا.
كان هذا الميزاج حاضرا ابان مقاومة الاحتلال الفرنسي لهذه البلدان .وكان الكل متفقا على ان ما يوحد هذه البلدان اكثر بكثير مما يفرقهم لكن السياسة والاطماع الخارجية كان عاملا للاسف للتفرقة .
ما يجمع الدول ليس الكلام المستهلك الذى لم يعد يعنى شئ ….مثل الاخوة ….و الانتماء لامة واحدة لا اعرف اين توجد وما حدودها ….الدول تجمعها المصالح و لا غير المصالح ….و الباقى كله كلام فارغ ….النفاق و الغدر و الخيانة أصبح ماركة مسجلة لما يسمى الدول نحن لا يجمعنا شئ ….و لن يجمعنا شئ ….اذا كانت هناك مصالح اقتصادية مشتركة فمرحبا اما الباقى فكل واحد له طريقه …..
الطرب والفرح حسب من منطق الإستعمار وبيادقه لايكون بسبب الوحدة. ..ولكنه يكون بسبب التفرقة. ..وفي هذا قال معروف الرصافي…
أو قيل إن بلادكم. …ياقوم سوف تقسم…
فتحمدوا وتشكروا. .
وترنحوا وترنموا. …!!!!! .
الشعوب موحدة وتجمعها صلة قرابة دموية متجذرة في التاريخ وليس في ذلك شك ، غير ان الحكومات الغبية تتجاهل ذلك وتعمل على الحفاظ على مناصبها وكلها تعمل طبقا لاملاءات واجندات أجنبية منها فرنسا ودول أوروبا وأمريكا وغيرها … فلك ان تتخيل ان تتحد دول المغرب العربي و توحد العملة فقط فسوف ينهار الدولار واليورو فأنت لست محتاج لتغيير العملة من أجل السفر الى اي دولة من دول المغرب العربي ، ناهيك وأنهم سوف يشكلون قوة إقتصادية وسياسية وعسكرية إضافة إلى السيطرة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط إلى حدود المحيط الأطلسي وهذا ما يخشاه الغرب. …
المغاربيون شعب واحد في دول مختلفة صنعها الإستعمار حفاطا على مصالحه ومن يشك في هذه الحقيقة فهو إما جاهل بتاريخ المنطقة أو جاحد