المغرب: الجيل الجديد من برامج التنمية

أثارت سياسة “الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة” في المغرب نقاشات عميقة حول مستقبل الديمقراطية، والجدوى من الأحزاب السياسية، ومن مشاركتها السياسية، وذلك غداة الاستعداد للاستحقاق الانتخابي التشريعي والجماعي الذي سيجرى في سبتمبر المقبل.
القوى اليسارية اعتبرت أن هذا الجيل هو استكمال لآخر حلقات إنهاء الديمقراطية، فهي ترى أنه لم تعد هناك فائدة من المشاركة في العملية الانتخابية، إن كانت المشاريع التنموية كلها ستدار من خلال وزارة الداخلية، وبأسلوب الشركات، بعيدا عن نخب السياسة، ومنطق المسؤولية والمحاسبة، فيما ترى نخب أخرى، قريبة من الإدارة الترابية، في المقابل، أن مشاريع التنمية تعطلت كثيرا بسبب التراتبية البيروقراطية التي تفرضها العملية الديمقراطية، وأن كسب الأغلبية، لتمرير المشاريع، أضحى يخضع لاعتبارات سياسية وانتخابية، ويمارس فيها كثير من الابتزاز المالي، وذلك كله على حساب مصلحة الساكنة، وأن التحديات المرتبطة بالنهوض، ومواكبة استحقاق تنظيم كأس العالم، صار يفرض مستوى عاليا من الفعالية ، وذلك لا يكون إلا بتدبير مباشر من وزارة الداخلية، تحت إشراف الولاة والعمال، وبتنفيذ نخب تكنوقراطية مؤهلة.
الأحزاب الإصلاحية الوطنية، ومنها الإسلاميون، انتقدت هذه البرامج في البداية، لكنها، فضلت في نهاية المطاف أن تتكيف معه، ما دام الأمر، قد صدر عن مجلس وزاري يرأسه الملك، وهي في جميع الحالات لن تكون ضد إرادة الملك، ولا تحب أن تربك معركتها، وتغير من طبيعة الصراع، كما تتصوره، ولذلك لا نجد في خطابها سوى استمرار المفردات السابقة، أي محاربة الفساد والريع، وتضارب المصالح، دون وضع هذه القضية في أولويات النظر السياسي.
والذي يثير الانتباه أن خطاب الإسلاميين، في الأسبوع الماضي حمل جديدا، فالمعركة وإن كانت مع ما يسمونه بـ”التحكم”، فالتحكم قد يكون أحيانا مفيدا حسب تصريح الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فبفضله تمت إزاحة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وهو مكسب كبير للديمقراطية، حسب الخطاب نفسه!.
الذين تتبعوا خطاب الوطنية الإصلاحية والإصلاحية الإسلامية، خرجوا بنتيجة مهمة، وهو أن هذه النخب، بواقع من ضعفها، أنتجت “أطروحة ضمنية” تميز بين مستويات التحكم، وأن بعضه قد يكون أرحم من بعض، بل إن بعضه قد يكون مفيدا في مسار الإصلاح، وأنه لا يمكن بحال أن تحلم نخب الإصلاح بإمكان هزيمة التحكم، أو هزيمة الريع، أو هزيمة الفساد، بل لا بد من التعايش مع التحكم!
لا يهم مناقشة هذه الأطاريح الجديدة في تماسكها، وإنما ينبغي تحليلها في سياقها، أي في سياق تكيف الفاعل السياسي مع مبادرات الدولة، التي تبدو وكأنها تحمل تقييما مختلفا لدور الأحزاب والنخب السياسية.
الملك كان دائم النقد للأحزاب السياسية، وفي بعض المحطات انتقد بقسوة حادة الأحزاب واتهمها بدفع الجمهور للاحتكاك المباشر بالملكية، وأنها غائبة تماما عن القيام بدورها في الوساطة، لكن الأحزاب الإصلاحية، تنظر للمآل الذي انتهى إليه المشهد السياسي بشكل مختلف، وتعتبر أن ضعف الأحزاب، وهامشيتها، وعدم تأثيرها، يعود إلى إشكال بنيوي مرتبط بأدوار السلطة، وتدخلها في المشهد السياسي، واضطلاعها بصناعة خرائطه.
الدولة، حسب ممارستها، سواء منها الداخلية أو حتى الخارجية، تميل إلى الهدوء والإنجاز في صمت، والفعالية، وقد مارست قطيعة كلية مع ممارسة العهد السابق (الحسن الثاني)، من جهة الدخول في معارك مع المعارضة السياسية، وقد بدأ عهد الملك محمد السادس بالرهان على الدمقرطة، لكنه انتهى في نهاية المطاف، بفعل ضرورات الإقلاع واقتناص الفرص، إلى البحث عن الفعالية والإنجاز، وعدم رهن التنمية بديناميات الصراع السياسي.

 تبقى أطروحة التكيف جزءا من أزمات النخب السياسية المغربية، وليس فقط الإسلاميين

ومهما يكن تمثل الدولة لاستحقاقات التنمية واٍرساء قواعد العدالة، فإن الواقع، من حيث كونه تعبيرا عن مخرجات السياسة، التي تفزرها العملية الانتخابية، ومخرجات سياسات التنمية، التي بدأت تخرج عن بنية المؤسسات الديمقراطية، يسير في اتجاه مزيد من تكريس الفوارق الاجتماعية، وإبعاد المسؤولية عن المحاسبة، وخلق فرز متناقض، بين نخب تتولى التدبير ولا تحاسب، ونخب أخرى سياسية، لم يبق لها شيء كثير من الصلاحية في مباشرة الفعل التنموي، لكنها هي التي تخضع للمساءلة.
هناك اليوم ثلاث أطاريح تؤطر نقاشات ما بعد الديمقراطية في المغرب: أطروحة تقليدية، تتمسك بالديمقراطية، وعلاقتها الطردية مع التنمية، فلا تنمية إلا بالديمقراطية، والنخب التي ينبغي أن تدير التنمية هي النخب التي أفرزتها صناديق الاقتراع، ولذلك، ترى أنه ينبغي أن تكون العملية الانتخابية شفافة ونزيهة، وينبغي أن يؤطرها إصلاح دستوري يضع مزيدا من الصلاحيات التنفيذية في يد رئيس الحكومة.
الأطروحة الثانية، مقابلة، ترى أن الديمقراطية مهمة، لكن في الحدود التي لا ينبغي أن تعطل الإنجاز والفعالية، وأنه بالإمكان خلق المزاوجة بين متطلبات الديمقراطية ومتطلبات التنمية السريعة والفعالية، وأن الجيل الجديد من برامج التنمية يمثل هذه الصيغة التوفيقية، ويمثل البديل، وأن التحديات الكبرى التي يواجهها المغرب تتطلب المضي إلى هذا الأفق.
الأطروحة الثالثة، أطروحة الوطنية الإصلاحية والإسلاميين، وهي التي تخلت عن عمقها الفكري والسياسي، واستسلمت لمنطق التكيف، وأنتجت توفيقيات تناقضية تبقي على مساحة من المناورة، فما دام التحكم بعضه مفيد، وبعضه مضر، فهذا يعني أن مساحة المواجهة مستمرة، لكنها ستكون جزئية وانتقائية، وتوفر أريحية في التموقع مع التحكم ضد التحكم، وأن مشاريع الجيل الجديد، هي مسألة مرهونة بمدى زمني يحكمه استحقاق تنظيم كأس العالم، وليس استراتيجية، ولذلك، فأفضل طريقة للتعامل معه هو التكيف، مع حسن التموقع السياسي، فالتموقع السياسي والانتخابي مهم، حتى ولو سحب جزء من البساط من نخب السياسة، لأنه يخدم مصلحة الجاهزية لمواجهة ما بعد انتهاء صلاحية هذا الجيل الجديد من البرامج التنموية التي تقتل السياسة في حال استمرارها.
في التقييم، الأطروحة الأولى أضحت ضعيفة في أفقها حتى ولو حافظت على تماسكها الفكري والسياسي، وتبدو الثانية، أي أطروحة الفاعل الأقوى، مهيمنة، ولا تجد أي مقاومة، وتستمد قوتها من ضعف نخب السياسية، ومن الاستحقاق التنموي وتحدي جاهزية المغرب لتنظيم كأس العالم، ومن غياب جواب عن ضعف بديل السياسة، ما دام الإسلاميون، رغم هزيمتهم الانتخابية سنة 2021، يشكلون في واقع الأمر القوة السياسية شعبيا، ثم رابعا، من تكيف القوى الوطنية الإصلاحية معها وعدم ممانعتها.
أما الأطروحة الثالثة، التي يحكمها التكيف، فيفسرها، رفض الاصطدام ببنية الدولة أولا، وواقع ضعفها السياسي، ثانيا، ووجود إمكان للمناورة بالتمييز بين مستويات التحكم، والتعامل مع بعضه، ومواجهة البعض الآخر ثالثا، ورابعا، أملها في أن يكون الوقت خادما بها.
الشيء الوحيد الذي بيد القوى الوطنية والإصلاحية الإسلامية بالمغرب، هو الزمن، فالتجارب السياسية، أثبتت أن التغييرات الأساسية التي تتم في حقل السياسة المغربية تتم إما بتغيرات دولية إقليمية، أو بأزمات اقتصادية واجتماعية تضطر الحكم إلى التفكير في الرهان على القوى الإصلاحية، أو ضرورات الانتقال الصعبة، التي تتطلب أحيانا طلبا على الدور الإصلاحي. ما عدا ذلك، تبقى أطروحة التكيف جزءا من أزمات النخب السياسية المغربية، وليس فقط الإسلاميين.

٭ كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أبو الوليد . المغرب:

    كان الراحل ألبرت يقول: المغفل من يعيد تجربة بنفس الظروف ثم ينتظر الحصول على نتائج مختلفة. الإنتخابات المقبلة لا تختلف في جوهرها على سابقاتها فقواعد اللعبة السياسية لم تتغير والقرارات الكبرى تصدر خارج مؤسسات البرلمان والحكومة، تنظيم الإنتخابات لا يصاحبه ءاليات للرقابة مستقلة وقوية على غرار الديموقراطيات العتيدة، تشرذم المشهد السياسي وإعتماد الأعيان وعلاقات القرابة بدل الكفاءة والنزاهة كمعيار لاختيار المرشحين، عزوف شعبي كبير خاصة بين صفوف الشباب وفقدان الثقة في العمل السياسي لعدم توفر الشروط الموضوعية لانتقال ديموقراطي جاد… حكمة شائعة تقول: بالإمكان مخادعة شعب بعض الوقت أو شريحة من الشعب طول الوقت لكن من المستحيل مخادعة كل الشعب طول الوقت.

  2. يقول هيثم المغربي:

    من المستبعد جدا أن تسهم الإنتخابات المقبلة في الظروف الراهنة من إحداث إصلاح للمنظومة السياسية في البلاد، فالإصلاح الجاد يبدأ بصياغة دستور جديد يتوافق مع النظام الديموقراطي الحق وليس تكريس نظام هجين، هذه الخطوة لا بد أن تمر عبر إختيار لجنة منتخبة من أكفاء للتكلف بمهمة إصلاح الدستور وليس تعيين فوقي ودستور ممنوح، المرحلة الثانية ترتكز على هيكلة القضاء ليتمتع باستقلالية وهيبة تمكنه من ممارسة دوره بعيدا عن تدخل السلطات الإخرى يكون قادرا بعدها من محاربة جيوب التسلط والفساد، يتزامن كل ذلك مع إلغاء القيود على حرية التعبير والإعلام وتمكين فعلي وليس شكلي لفعاليات المجتمع المدني، بعدها يتوج المسار بانتخابات حرة نزيهة تمنح الشرعية الشعبية لحكومة وبرلمان يكون العقد بينها وبين الشعب مبني على ربط المسؤولية بالمحاسبة. مسار الإصلاح واضح المعالم إلا لمن إمتهن الإستخفاف بعقول العباد ومستقبل البلاد، ولله الحكم من قبل ومن بعد.

  3. يقول رشيد الصنهاجي:

    من المغالطات السائدة هو تقزيم وإختزال دور الأحزاب السياسية في دائرة الوساطة بين دوائر معينة والشعب حين نقر أن : “العاهل كان دائم النقد للأحزاب السياسية، وفي بعض المحطات انتقد بقسوة حادة الأحزاب واتهمها بدفع الجمهور للاحتكاك المباشر بالملكية، وأنها غائبة تماما عن القيام بدورها في الوساطة..” الأحزاب السياسية إن كانت في موقع حكومة منتخبة تلعب دور السلطة التنفيذية أو أغلبية في البرلمان تلعب دور قوة تشريعية أو حتى خارجهما تلعب دور معارضة بناءة وليس مطلوب من الأحزاب السياسية أن تلعب دور ساعي البريد بين هذا وذاك، هذه الرؤية القاصرة لدور الأحزاب السياسية هو الذي قادنا لتمييع المشهد السياسي وعزوف الشباب عن المشاركة السياسية وفقدان الشعب للثفة في النخب السياسية.

    1. يقول منير الصقلي:

      حقيقة التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الغير ليس من شيم العقلاء فإذا كنت أستفرد بسلطات واسعة وأترأس مجلس الحكومة ومجلس القضاء ومجلس الأمن القومي ومجلس الشؤون الدينية وبعد ذلك أرفض تحمل مسؤولياتي وأعارض ربط مسؤوليتي بالمحاسبة فهذا تنافض يرفضه العقل و المنطق وكل الشرائع الكونية والدينية، فكلكم راع وكل راع هو مسؤول عن رعيته. فإما أن أتحمل تبعات قراراتي الخاطئة أو يتحمل غيري من هو أهل لها كما هو الحال في بلدان أوروبية عديدة منها إسبانيا الجارة الشمال على بعد أميال من شواطئنا

  4. يقول هيثم:

    المشكل في المغرب هو أن النخبة السياسية / الأحزاب ضعيفة و مدجنة و تفتقد ثقة الشعب. لا تملك الأحزاب المغربية حاليا مشروعات برامج سياسية شمولية في مجالات الاقتصاد و التنمية الاجتماعية و الثقافة كما كان الحال في العقود التي تلت استقلال البلاد حيث كانت الأحزاب الوطنية تتبنى برامج سياسية متكاملة / التعادلية لدى حزب الاستقلال، التوجه الاشتراكي الديموقراطي لدى حزب الاتحاد الاشتراكي و الحزب الشيوعي بمختلف تجلياته. الموضوعية تقتضي الإقرار بأن المؤسسة الملكية هي وحدها التي تملك مشروعا مجتمعيا شموليا تسهر على إنجازه و هذا ما يفسر التوجه الحالي الذي يجعل وزارة الداخلية تشرف على الجيل الجديد من مشاريع التنمية الاجتماعية المندمجة. كما تقتضي الموضوعية الإقرار بأن المحسوبية و الانتهازية و نقص الكفاءة مساويء تعاني منها الأحزاب و تجعلها تفتقد ثقة الشعب. النخبة السياسية الحالية تفتقر إلى صلابة و كاريزما النخبة التي ناضلت من أجل الاستقلال و الديموقراطية / علال الفاسي، عبد الله ابراهيم ، بوعبيد و علي يعته…/ أخيرا كانت هنالك إمكانية تطبيق عملي جيد لدسنور سنة 2011 لكن السيد بن كيران لم يوظف الصلاحيات التي يخولها له الدستور كرئيس للحكومة بعد فوز الاسلاميين في الانتخابات.

  5. يقول خالد الزناتي:

    الرؤى الثلاث التي تؤطر مرحلة ما قبل الديموقراطية كما ذكرها كاتب المقال أولاها التي تتمسك بالمسار المتوافق عليه في كل بلدان المعمور وتسنده كل المنظمات الحقوقية الدولية وجل النخب الحكيمة وهي الرؤية الأمثل، الرؤية الثانية التي تتبنى الحلول الترقيعية وأنصاف الحلول وترضى بالفتات أثبت التاريخ أنها لا تقدم ولا تؤخر بقدر ما تطيل عمر الإستبداد، أما الرؤية الثالثة وهي الأفظع فتتأسس على التعايش مع التسلط وغض الطرف على كثير من مظاهر الفساد بحجة تقبل كل التضحيات من أجل الحفاظ على إستقرار نسبي وخادع فينتهي المطاف بأصحابها للخصوع للتنميط والتدجين وسابهم كل قدرة على الإصلاح والمبادرة هذه الرؤية تلفظها كل الشرائع الكونية والدينية و يرفضها العقل والمنطق السليم، فالذكر الحكيم واضح الدلالة والمعنى حين حذر ” ولا تركنوا إلى الذين ظلموا”.

  6. يقول المغترب:

    السؤال الذي يجب ان يطرح هو من بلقن الاحزاب وجعلها كثيرة وضعيفة؟؟؟

اشترك في قائمتنا البريدية