الموضوع الاقتصادي فكرا وقيما

ما عاد موضوع الرأسمالية العولمية المتوحشة، المحكومة إلى أبعد الحدود بفكر وثقافة الأيديولوجية النيوليبرالية، موضوعا أكاديميا. فنتائج ممارساتها وتطبيق ادعاءاتها أصبحا جزءا من الواقع تعيشه الغالبية الساحقة من البشر عبر العالم كله، بمن فيه الوطن العربي وساكنوه.
بعض تلك النتائج تتمثل في تدمير وتلويث للبيئة بصور متعاظمة، وفي ازدياد أعداد الفقراء والمهمشين، بينما تتقلص الطبقة الوسطى، وتتركز ثروات هائلة في يد طبقة غنية ضئيلة الحجم، وفي إعلانات متتالية لنهاية الحداثة والتاريخ والأيديولوجيات والدولة القومية والتعاضد المجتمعي، وتتصاعد بشكل مذهل الفردية الأنانية الاستهلاكية المنغلقة على نفسها في عوالم متخيلة من التواصل الاجتماعي الإلكتروني، وفي ازدياد أعداد العاطلين عن العمل وارتفاع جنوني لأسعار كل شيء معيشي أساسي، الأمر الذي أدى إلى مظاهرات الجياع واليائسين والكافرين بالسياسة والسياسيين، وفي تراجع واضح لصوت المثقفين الملتزمين، بينما ترتفع إلى عنان السماء أصوات الشعبويين المتعصبين الانتهازيين.
المرعب هو أن المستقبل أصبح يتلخص في مزيد من خيارات وتلوينات الحاضر، ما يشيع اليأس من المستقبل. هذا الوضع الكارثي يحتاج إلى مرجعيات فكرية وقيمية أخلاقية لتحليله ونقده نقدا موضوعيا، وتقديم حلول معقولة واقعية شاملة غير مجزأة غير متنافرة، للخروج من الجحيم المعيشي الاقتصادي، وبالتالي السياسي والاجتماعي والثقافي والروحي، الذي تعيشه الإنسانية حاليا. من بين أهم تلك المرجعيات الفكر التحليلي النقدي الاشتراكي الماركسي، الذي يعد أهم وأشمل وأعمق نقد للرأسمالية: فكرا ونهجا وممارسة ونتائج. لنذكر أنفسنا بأن هذه المدرسة هي التي أدركت حتمية التغير الدائم لشكل الرأسمالية، بما فيه التنبؤ بمجيء العولمة الرأسمالية التي نراها أمامنا. في قلب ما نذكّر به أن الشعار في الماضي كان، إما الاشتراكية أو البربرية. أما اليوم فقد أصبح الشعار الممارس هو، أن الرأسمالية مع البربرية تتعايشان بدون حرج. كمقارنة، يستطيع مداحو الرأسمالية الإشارة بفخر إلى إنجازاتها التكنولوجية الهائلة، وجوانب الرخاء المادية والترفيهية الكثيرة في مدن العالم المتقدم، وبعض مدن العالم الثالث، ولكنهم في زخم هذه النشوة ينسون مقدار التراجعات والانتكاسات في التزامات دولة الرعاية الاجتماعية الديمقراطية التي جيء بها بعد الحرب العالمية الثانية كحل وسط بين ثورية الفكر الاشتراكي ومحافظة الفكر الليبرالي الرأسمالي. وهم يتعامون عن رؤية الاندفاع الجنوني نحو خصخصة كل الخدمات والمكتسبات العامة، وذلك باسم تفوق كفاءة السوق على كفاءة سلطات الدولة.

المستقبل أصبح يتلخص في مزيد من خيارات وتلوينات الحاضر، ما يشيع اليأس من المستقبل

لا أحد ينكر العديد من النقاط الإيجابية في تاريخ الرأسمالية، لكن ألم تكن هناك نقاط إيجابية في بعض الأنظمة الاشتراكية. هل ننسى توفير السكن المعقول الرخيص للملايين، والطاقة الرخيصة، والنقليات العامة شبه المجانية، ومساندة ونشر الثقافة والفنون الرفيعة المستوى، والاقتراب من حالة غياب البطالة المذلة لإنسانية الإنسان وكرامته، والتشريعات الكثيرة للقضاء على مظاهر اللامساواة بسبب الجنس أو الأصول العرقية أو الانتماءات الطبقية؟ نعم، لقد حدثت تجاوزات كثيرة في مواضيع أساسية مثل، حق الملكية وممارسة الحريات العامة والشخصية، وضرورة التعددية السياسية والثقافية، والتزام بإدارة المجتمعات على أسس ديمقراطية عادلة، وغيرها كثير. لكن كل ذلك كان خروجا على المنطلقات الأساسية الإنسانية للفكر الاشتراكي، وكان تزمتا أيديولوجيا غير مبرر. فالكثير من المنظرين الاشتراكيين، بمن فيهم ماركس، كانوا من أشد منتقدي الدوغمائية الأيديولوجية، وضد ممارسات الرعب الأمني والقمع السياسي وتسلط الدولة غير القانوني العادل. وكانوا يشددون على أهمية محاسبة المنتخبين من قبل المواطنين، وعلى ضرورة حرية التعبير والحريات المدنية، وعلى حق الفلاحين غير الراغبين في عدم الانضمام للملكيات التعاونية العامة، وعلى ضرورة وجود السوق، ولكن المقنن المنضبط، حيث التنافس عادل، وعلى اقتصاد يجمع بين متطلبات السوق والتزامات الدولة، وعلى عدم تطبيق إجراءات اقتصادية كبيرة إلا بعد مناقشات عامة مقارنة لمختلف الخيارات، وعلى وجود انتخابات حرة في مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها النقابات، وعلى استقلالية معقولة لمؤسسات الثقافة والفنون والإعلام، بحيث لا تخضع لسلطات الدولة من جهة ولا لسلطة المال من جهة أخرى.
ما سبق هو قطرة من بحر متلاطم من الإفكار التي طرحها مختلف المنظرين الاشتراكيين، وهي تدل على أن حقلي الفكر الرأسمالي والاشتراكي قابلان للتطوير المستمر والمراجعة الدائمة، وعلى ضرورة التوقف عن ممارسة الدوغمائية في كليهما. هل كل ذلك يشملنا، نحن العرب؟ بالطبع الجواب هو نعم، إذ لدينا تجاربنا الذاتية في حقلي الرأسمالية والاشتراكية، تجارب ناجحة وتجارب فاشلة، آن أوان مراجعتها والاستفادة من النقاشات الدائرة في كل العالم. كما آن أوان الاستفادة العميقة العلمية من المحددات التي يزخر بها تراثنا العربي والإسلامي. وقد كتب الكثير عن هذا الجانب، ما يستدعي العودة إلى عرض بعضه في المستقبل لتكتمل صورة المراجعة لتشمل الفكر الضابط للاقتصاد من جهة وللقيم الأخلاقية الضابطة من جهة أخرى.
كاتب بحريني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول .Dinars.:

    لا يمكن أن تصح كلمة اقتصاد في البلاد التي تحكمها عصابات تنهش جسد المواطن وتستولي على قوته.

  2. يقول سوري:

    الاقتصاد المتوحش هو ذاك الاقتصاد المرتبط بالربح والفائدة على حساب الإنسانية مهما كانت نتائجها اليوم هناك خمسة بالمئة من العالم يمتلكون ثمانين بالمئة من الثروة العالمية وأسوا أنظمة اقتصادية في العالم عي أنظمة الريع العربية لأنها بيد الحرامية

    وا

  3. يقول S.S.Abdullah:

    من وجهة نظري هذا عنوان مهم جدا (الموضوع الاقتصادي فكرا وقيما)، ولكني أختلف تماما في طريقة الطرح والفهم والتعبير عنه في المقال، لماذا؟!

    ثقافة الأنا أولاً لدولة الحداثة، لا تفهم معنى وأهمية أن تكون منتجا لمنتجات ذات قيمة إقتصادية،

    حتى تستطيع تكوين الأسرة/الشركة/الدولة، التي هي أساس العلاقة ذات أي معنى من معاني المسؤولية،

    ولكن فقط دلوعة أمه (مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) الذي عمل على أن لا يدفع ضرائب، طوال 18 قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية في نهاية عام 2016، حسب اعترافهم في ما تم عرضه من مناظراتهم العلنية في الإنتخابات مع منافسيه.

    ولذلك كان كل همّه بعد الفوز، هو العمل على زيادة الجمارك، وترشيد مساهمة الدولة، في أي منظمة دولية مثل الأونروا وبقية مؤسسات الأمم المتحدة، لتعويض عدم دفع الضرائب من أمثاله؟!

  4. يقول S.S.Abdullah:

    العولمة والإقتصاد الإلكتروني، فرضت مفهوم أن تقدم الدولة خدمات بجودة وكفاءة ومواعيد محددة مقابل الضرائب والرسوم والجمارك التي استلمتها من الإنسان والأسرة والشركة المنتجة في الدولة

    وأصبح من حق الجميع محاسبة الموظف، على تقصيره/فساده/فشله في توفير ما تم تنصيبه لأجله، بعد تدوين لغة الحذاء (منتظر الزيدي 2008) في بث حي ومباشر،

    ومن هنا تأتي مشكلة من على رأسه بطحة وبدأ يتحسس عليها، في التحرّك، في أن يتغدى فيمن له رغبة العشاء به

اشترك في قائمتنا البريدية