النائب اللبناني إبراهيم منيمنة
لندن – “القدس العربي”: قال النائب اللبناني إبراهيم منيمنة إن لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب تثبيت سيادة الدولة وحصر قرار السلم والحرب بمؤسساتها الشرعية، مؤكداً أن “الدولة صاحبة الشرعية والمشروعية هي صاحبة الكلمة”، وأن “حزب الله” أضعف الموقف التفاوضي اللبناني عبر استمرار الحرب.
وأكد، في حوار مطول مع صحيفة “القدس العربي”، أن لبنان مطالب باغتنام ما وصفها بـ”الفرصة” التي يتيحها الاهتمام الأمريكي بالملف اللبناني، بالتوازي مع الاحتضان العربي والدور الأوروبي، مع التشديد على أن “لسنا ساذجين لنقول إن الأمريكيين سيعملون لمصلحة لبنان على حساب مصلحة إسرائيل”.
وتناول ملفات المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، والتفاهم الأمريكي الإيراني، وحصرية السلاح، والعلاقة مع إيران، مؤكداً أن “إيران تريد أن تثبت أنها اللاعب الأساسي في لبنان”، في حين أن غالبية اللبنانيين باتوا ملتفين حول فكرة الدولة.
كما تطرق إلى مستقبل “اتفاق الطائف”، والإصلاح، وتجربة قوى التغيير، والعلاقة مع سوريا في ظل الإدارة الجديدة، محذراً في الوقت نفسه من تصاعد خطاب الكراهية، ومشدداً على ضرورة وضع حد له حمايةً للوحدة المجتمعية في لبنان.
وفيما يلي نص الحوار:
– جئتم من بروكسل، حيث شاركتم في ندوة، كما التقيتم مسؤولين في الاتحاد الأوروبي. ما طبيعة هذه الزيارة، وما أبرز ما خرجتم به منها؟
ـ نعم، التقينا في البرلمان الأوروبي بالكتل السياسية في البرلمان، كما التقينا بعض المسؤولين في الاتحاد الأوروبي الذين يتابعون الملف اللبناني، والمساعدات المقدمة إلى لبنان، ولا سيما المساعدات المقدمة إلى الجيش.
وكانت الزيارة، محاولة لفهم الموقف الأوروبي، وتشجيعهم على الانخراط بصورة أكبر في الملف اللبناني، وأن تكون لهم مساهمة، ولا سيما في المفاوضات الجارية، وفي دعم لبنان لاستعادة سيادته، ودعم مؤسساته، ودعم السلطة السياسية الرسمية في لبنان، التي تمثل اللبنانيين اليوم، وتبذل جهداً كبيراً للحفاظ على البلد.
وكان الموقف جيداً من ناحية أنهم مهتمون فعلاً بلبنان، لكن، مع الأسف، أقول إن الملف اللبناني يطغى عليه ملف المنطقة ككل، ومن الصعب أن يحظى بالاهتمام المطلوب بسبب حجم الملف الإقليمي الذي يهيمن بصورة كبيرة على المنطقة بأسرها.
الدور الأوروبي في لبنان
– عبر التاريخ كانت هناك دائماً أدوار كبيرة لأوروبا في لبنان، ولا سيما الدور الفرنسي وكذلك الدور البريطاني. الملف اللبناني اليوم يبدو وكأنه سُلِّم بالكامل إلى الأمريكي.
ـ لا شك في أن الأمريكي اليوم هو اللاعب الأساسي في المنطقة، وهو اللاعب الأكبر. لكن هذا لا يمنع أن من مصلحتنا، نحن اللبنانيين، أن يكون هناك أيضاً دور للاتحاد الأوروبي، الذي يقدم مساعدات إلى لبنان، وله انخراط تاريخي في الملف اللبناني، وكانت له مساهمات، سواء عبر الفرنسيين بآليات مختلفة، أو على امتداد تاريخ البلد.
كان، ولا يزال، لأوروبا دور كبير في لبنان، ومن المهم أن يستمر هذا الدور في السعي إلى تعزيز سيادة الدولة، ومتابعة مؤسساتها ومساندتها، سواء الجيش اللبناني أو القوى الأمنية.
“الدولة صاحبة الشرعية والمشروعية هي صاحبة الكلمة”
وقد فهمنا أن هناك محاولة لدعم قوى الأمن الداخلي. وهذا الدعم مطلوب بالنسبة إلينا، ولا سيما في ظل الظروف التي يمر بها البلد ومؤسساته، وفي هذه المرحلة المفصلية كما جرى. لذلك كنا حريصين على أن يكون دور الاتحاد الأوروبي أكبر مما هو عليه اليوم.
الدور الأمريكي والاحتضان العربي
– هذا يقودنا إلى موضوع المفاوضات. عندما نتحدث عن أن الدور الأمريكي يكاد يكون هو الطاغي في لبنان، لا أعرف إن كان ذلك إيجابياً على نحو مطلق، أم أن له إيجابياته وسلبياته. فعادة ما يكون لبنان محتضناً عربياً وأوروبياً، بينما يغطي الأمريكي هذا الدور..
ـ لبنان لا يزال يحظى باحتضان عربي. فلا يمكننا أن ننكر اليوم دور دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر في مساعدة لبنان سياسياً في هذه الملفات، ولا سيما دور المملكة مع الجانب الأمريكي. ولذلك، توجد مواكبة عربية للبنان، وهي أساسية وفاعلة، وتساعد أيضاً في موضوع المفاوضات، ولو بصورة غير معلنة.
لذلك، أرى أن لبنان يحظى باحتضان عربي جيد. أما بالنسبة إلى الموضوع الأوروبي، فمن الواضح أن الأمريكي اليوم يريد أن تكون له الكلمة الأخيرة في موضوع لبنان.
“لسنا ساذجين لنقول إن الأمريكيين سيعملون لمصلحة لبنان على حساب مصلحة إسرائيل”.
ودعنا نقولها بصراحة؛ نحن، في ظل الواقع الذي يعيشه لبنان، من مصلحتنا أن يكون هناك تواصل ورعاية أمريكية إلى حد ما، بسبب ما يحصل أيضاً من تباعد بينه وبين إسرائيل. ونحن قادرون إلى حد كبير على إظهار موقف لبنان وحقوقه المشروعة، وأن نؤثر في الموقف الأمريكي من خلال عرض رؤيتنا لكيفية مقاربة الأمور.
وبالتالي، فإن اهتمام الأمريكي بهذا الملف يمثل فرصة. وإذا كان الأمريكي مهتماً بحل المشكلة القائمة في لبنان، فيجب أن ينتهز لبنان هذه الفرصة ويستفيد منها، بالتوازي مع المواكبة العربية التي تحدثنا عنها.
“إذا كان الأمريكي مهتماً بحل المشكلة القائمة في لبنان، فيجب أن ينتهز لبنان هذه الفرصة ويستفيد منها”
وبالطبع، لسنا ساذجين لنقول إن الأمريكيين سيعملون لمصلحة لبنان على حساب مصلحة إسرائيل، لكن هناك فرصة، ويجب أن نتفاعل معها بهدف تحسين موقف لبنان.
وفي النهاية، فإن الوضع في لبنان ليس مريحاً، وليس جيداً، ولا توجد أمامنا خيارات سوى أن نذهب ونحاول تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب للبنان من خلال هذه الفرص المتاحة أمامنا.
المفاوضات والتفاهم الأمريكي الإيراني
– كان موقف الحكومة اللبنانية، أو الدولة اللبنانية، سواء رئيس الجمهورية جوزف عون أو الحكومة مجتمعة برئاسة القاضي نواف سلام، أن ما يجري في الجنوب يجب أن يُحل من خلال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية. ألم يأتِ الاتفاق، أو التفاهم، الأمريكي الإيراني لينسف هذه المقولة؟
ـ دعنا نوضح الموضوع. الاتفاق الأمريكي الإيراني، على الأقل بالصيغة التي ظهرت في ورقة أو مذكرة التفاهم، يتحدث عن وقف إطلاق النار، وأنا شخصياً، وكثير من اللبنانيين، نرحب بأي وقف لإطلاق النار. فنحن في النهاية نريد وقف هذا النزف الذي يتعرض له البلد.
أما في ما يتعلق بترتيبات الوضع في الجنوب، فهذه المسألة تقررها الدولة اللبنانية. وموضوع الانسحاب الإسرائيلي، وكيف سيكون دور الجيش في تسلم المواقع أو استعادة المواقع التي سينسحب منها الاحتلال، وموضوع إعادة الإعمار، وتثبيت سيادة الدولة، وحصر سلاح “حزب الله”، فهذه كلها ملفات تقع ضمن مسؤولية الدولة، وهي التي تناقش اليوم في المفاوضات ضمن مسار واشنطن.
وبالتالي، فإن هذه المسائل لا تلغي بعضها بعضاً. لكن، بطبيعة الحال، نفهم أن إيران تريد الاستحواذ على الورقة اللبنانية، وأن تكون لها هيمنة عليها، وهذا هو جوهر الاشتباك السياسي، أو الصراع السياسي، القائم.
– لكن ذلك لم يثبت عملياً. فإذا قرأنا مذكرة التفاهم، نجد أن لبنان ورد في الفقرة الأولى أكثر من مرة. وإذا نقلنا رأي الفريق المؤيد لـ”حزب الله”، فإنه يرى أن إيران حققت إنجازاً بفرض معادلة وقف إطلاق النار في لبنان، وبفرض معادلة أن يقدم الإسرائيلي تنازلات على طاولة المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وليس على طاولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.
ـ لسنا ساذجين لنظن أن الهيمنة الإيرانية انتهت، فهي لا تزال قائمة ما دام “حزب الله” موجوداً. وفي حرب الإسناد الأخيرة، وهي حرب إسناد لإيران، كان واضحاً أن القرار كان في إيران.
واليوم تريد إيران أن تثبت أنها اللاعب الأساسي في لبنان، في مقابل الدولة وقوى سياسية تريد أن تؤكد أن الدولة هي التي تقرر عن لبنان.
وهذه هي نقطة النزاع اليوم: من تكون له الكلمة العليا، ومن هو صاحب المشروعية في اتخاذ القرارات في لبنان.
وهذا النزاع قائم، ولا أعتقد أننا نقول شيئاً جديداً عندما نصف “حزب الله” بأنه يمثل المصلحة الإيرانية، بصورة أو بأخرى، في لبنان، في مقابل الدولة التي تحاول استعادة قرار السلم والحرب، وحصر السلاح بيدها. ولذلك، يوجد الطرفان، ويدور هذا النوع من الصراع حول من يملك القرار.
“إيران تريد أن تثبت أنها اللاعب الأساسي في لبنان”
وفي ظل ما حصل في الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة، حاولت إيران تثبيت هيمنتها على القرار اللبناني. لكن هذا لا يعني أننا، كلبنانيين، أو أن الدولة اللبنانية، في موقع المتلقي، بل نحن في مرحلة المبادرة.
ومن هنا يأتي مسار المفاوضات في واشنطن. فهناك مساران، يحاول كل منهما أن تكون له الكلمة في لبنان. أما نحن، فنرى أن الدولة، صاحبة الشرعية والمشروعية، هي صاحبة الكلمة.
ونحن ندعم هذا المسار في مواجهة محاولة هيمنة إيران على القرار اللبناني.
إدارة الدولة لملف التفاوض
– لكن حتى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، واجهت انتقادات بشأن طريقة إدارة الدولة اللبنانية لهذا الملف. فقد سمعنا الرئيس فؤاد السنيورة ينتقد، كما تحدث الرئيس السابق لـ”الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط عن فريق في واشنطن أكثر إسرائيلية من الإسرائيليين، ثم عاد وأوضح أنه لا يقصد فريق التفاوض. على الأرجح، كان يقصد أطرافاً لبنانيين معروفين. هل ذهبت الدولة اللبنانية إلى التفاوض من دون أهداف واضحة؟
ـ لقد أعلنها رئيس الجمهورية. فمنذ البداية، عندما طرح مبادرته بشأن المفاوضات، كان أمام واقع فرضه “حزب الله”، بعدما استأثر بقرار الحرب والسلم، ووضع الدولة في موقع رد الفعل.
وبعدما تبين أن “حزب الله” لن يصغي إلى أي مطالب لبنانية، أو إلى أي صوت يدعو إلى التعقل، واستمر في الحرب دعماً لإيران، واستمر النزف الذي تعرض له الجنوب، سواء من خلال الاجتياح، أو التدمير، أو القتل والاستهداف، لم يبقَ أمام رئيس الجمهورية سوى إطلاق هذه المبادرة المتعلقة بالمفاوضات.
وقد حدد يومها أربع نقاط، من بينها الانسحاب، وعودة الأسرى، إلى جانب نقاط أخرى. لذلك لا أعتقد أن هذه المبادرة كانت بلا ثوابت أو بلا أهداف.
أهداف لبنان في المفاوضات
– في موضوع ما يريده لبنان، وما تريده إسرائيل، فإن إسرائيل تريد سلاماً كاملاً مع تطبيع العلاقات مع لبنان، بينما يبدو أن الموقف اللبناني غير واضح في هذا الموضوع.
ـ أعتقد أن الأمر ليس كذلك. فقد أوضح رئيس الحكومة نواف سلام، في أكثر من مناسبة، أنه يتحدث عن عملية انسحاب، وترتيبات أمنية، وأن موضوع السلام يُبحث ضمن إطار المبادرة العربية للسلام. وكان واضحاً في إحدى المقابلات عندما قال ذلك، وأعتقد أن الجميع ملتزم بهذا السقف.
– عندما تتحدث عن الجميع، هل يشمل ذلك الحلفاء، أي جميع مكونات الحكومة إذا أردنا الحديث عن الواقع الحالي؟
ـ رئيس الجمهورية هو المسؤول المخول دستورياً بإدارة عملية التفاوض، بالتوافق مع رئيس الحكومة، وهما الجهة الشرعية المناط بها هذا الملف. وبعد ذلك، يُناقش ما ينتج عن هذا التفاوض في الحكومة، ثم يبرمه مجلس النواب إذا كانت له تبعات اقتصادية، وهذا الملف له تبعات اقتصادية بحسب الدستور. وبالتالي، فإن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة واضحان في ما يتعلق بالأهداف والسقف.
لكن، بطبيعة الحال، عندما يستمر “حزب الله” في هذا النوع من الحروب، فإنه يضعف الموقف اللبناني، ويضعف المفاوض اللبناني. والخشية الكبرى أن يقود هذا الضعف إلى وصولنا إلى مرحلة تصبح لدى الإسرائيلي شروط أشد على لبنان. وقد كنا نحذر من هذا الأمر منذ حرب الإسناد الأولى.
“نريد إنهاء سلاح “حزب الله” وإنهاء التأثير الإيراني في لبنان”
وكنا نقول إن استمرار تكبد لبنان للخسائر، حتى لو أعلن “حزب الله” انتصاراته، وقال إنه لم يُهزم، فإن الواقع على الأرض، من حيث الدمار، والأسرى، والقتل الذي تضطر الدولة إلى التعامل مع نتائجه بوصفه نتيجة للقرار الذي اتخذه “حزب الله”، ثم تنصله من مسؤوليته، يفرض نفسه.
لذلك، إذا اضطرت الدولة إلى معالجة نتائج الحرب التي أطلقها “حزب الله”، فإنها ستجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات ما دام هناك ضغط إسرائيلي. ولذلك نحاول إقناع “حزب الله” بوقف هذا المسار، حتى لا نجد أنفسنا في موقع تفاوضي أضعف، فنضطر، نحن ومن معنا، إلى تقديم أي تنازل.
فـ”حزب الله” يدخلنا دائماً في هذه الحروب العبثية التي تكبدنا مزيداً من الخسائر، وهو ما يتيح للإسرائيلي استغلال ذلك، أو محاولة استغلاله، لفرض شروط أشد.
وأعتقد أن مسار المفاوضات في واشنطن أوضح اليوم ما هو سقف لبنان، وما هي مقاربة لبنان، وطبيعة المواجهة التي يقودها في مواجهة الإسرائيلي والشروط الإسرائيلية.
موقف “حزب الله”
– وفي المقابل، يقول “حزب الله” إنه انخرط في هذه المعركة دفاعاً عن لبنان. فهنالك وجهتا نظر في إطار الانقسام اللبناني.
ـ حتى المسؤولين الإيرانيين، وآخرهم قاليباف، صرحوا بصورة واضحة وصريحة، ومن دون أي لبس، بأن “حزب الله” يقاتل بالنيابة عن إيران.
– مفهوم، وأنا أنقل لك أيضاً ما يقوله “حزب الله”، هو يقول أيضا إنه يدافع عن لبنان؟
ـ هذه حجة ساقطة، باعتراف المسؤولين الإيرانيين الذين تبنوا بصورة واضحة وصريحة الرواية التي تقول إن “حزب الله” يدافع عن إيران. ولذلك لا يمكن لـ”حزب الله” اليوم أن ينكر ما يقوم به، أو أن ينكر ما يقوله ويصرح به المسؤولون الإيرانيون لشعبهم عن أهمية “حزب الله” في الدفاع عن إيران.
لذلك، فإن هذا الموضوع واضح. و”حزب الله” يحاول التخفيف من وطأة ذلك، لأن جمهوره، في نهاية المطاف، هو الذي يدفع الثمن.
التعاطي مع إسرائيل
– عندما سمعت الرئيس السابق لـ”الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط يقول إن هناك في واشنطن فريقاً لبنانياً أكثر إسرائيلية من الإسرائيليين، فإن هذا الكلام لم يأتِ من فراغ، لأن الفضاء اللبناني، ولا سيما الفضاء الإعلامي، أصبح أكثر تسامحاً بكثير في التعاطي مع إسرائيل، سواء من خلال إعادة إحياء رموز قديمة، ولن ندخل في تفاصيلها. فهل صحيح أن هناك فريقاً لبنانياً أكثر إسرائيلية من الإسرائيليين، سواء في لبنان أو في واشنطن؟
ـ قد تكون هناك اليوم جهات أو أطراف تعول على التدخل الإسرائيلي في التعامل مع “حزب الله”. وبالنسبة إلينا، فإن “حزب الله” يمثل مشكلة كبيرة جداً اليوم، لكنه يبقى مشكلة داخلية لبنانية، ونحن نتعامل معه على هذا الأساس.
أما وجود أطراف لديها أجندات معينة، فهذا أمر ليس خافياً على أحد.
لكن إذا أردنا أن نتحدث من منطلق وطني، فمن مسؤوليتنا، نحن اللبنانيين، أن نحدد أولوياتنا في العداء لإسرائيل. ومن الواضح اليوم كيف يتعامل الإسرائيلي مع لبنان، من خلال سياسة الأرض المحروقة، وعملية الدمار الشامل التي ينفذها.
كما أن تصريحات كثيرة وواضحة صدرت عن المسؤولين الإسرائيليين تجاه لبنان، وهي تصريحات عدائية، وتعبر عن مطامع، ويتحدثون فيها عن احتلال أراضٍ وضمها حتى نهر الليطاني إلى إسرائيل، وغير ذلك.
لذلك، لا يستطيع أحد تجاهل هذه التصريحات التي تعبر، في مكان ما، عن النيات الإسرائيلية.
أما نحن، كلبنانيين، فإن مصلحتنا في الدرجة الأولى هي إقفال جبهة الجنوب، وإنهاء سلاح “حزب الله”، وإنهاء التأثير الإيراني في لبنان.
ويبقى مسار السلام مساراً يقع ضمن إطار المبادرة العربية للسلام. وهذه هي المصلحة التي أرى أنها تعبر عن التوازن، وكيف يمكن وضع لبنان في تموضع إقليمي مناسب، وفي الوقت نفسه الحفاظ على سيادته، ووحدة أراضيه، ونقل كامل المسؤولية عن حفظ الأمن وحماية لبنان إلى الدولة اللبنانية. وهذا ما نطالب به منذ زمن.
مقاضاة إسرائيل
– في عام 2006 وقعت حرب إسرائيلية، بصرف النظر عمن تسبب بها، وربما يكون السياق اليوم مشابهاً في بعض جوانبه. واليوم أيضاً هناك حرب إسرائيلية. كان كثيرون يتوقعون من رئيس الحكومة نواف سلام، بحكم أنه كان رئيساً لمحكمة العدل الدولية التي نظرت في قضية الإبادة في غزة، أن يبدأ بياناته بالحديث صراحة عن أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ألم يكن متوقعاً من رئيس الحكومة، في ضوء تجربته في “محكمة العدل الدولية”، أن يبادر شخصياً إلى هذا الملف؟
ـ لا أعتقد ذلك. فالرئيس سلام واضح في إدانته للأعمال التي تقوم بها إسرائيل، وللحرب التي تشنها.
كما أن نائب رئيس الحكومة، الدكتور طارق متري، يقود فريقاً يعمل على توثيق الخروقات الإسرائيلية للقانون الدولي، وسيكون هناك ملف متكامل، وهذا جهد حكومي مهم. ولا أعتقد أن جهداً حكومياً من هذا النوع يمكن أن يُنجز من دون موافقة الرئيس سلام.
لذلك، فإن هذه الحكومة تعمل اليوم، بصورة أوضح وبظروف أصعب بكثير من جميع الحكومات السابقة، وتؤدي دورها في هذا المجال، وتُعد الملف اللازم لمقاضاة إسرائيل. وهذا الأمر قائم، والعمل مستمر، وليس فيه ما هو مخفي عن الإعلام.
لذلك، أرى أن الرئيس سلام كان واضحاً في هذا الملف، وصدرت عنه تصريحات في أكثر من مناسبة.
لكن ليس مطلوباً، كما يقال، أن يتضمن كل بيان موقفاً من هذا النوع، وكأن الأمر أصبح اختباراً للدم. فالموقف من عدوانية إسرائيل، ومن الأعمال التي تقوم بها، واضح في إدانته، وقد عبر عنه الرئيس سلام في محطات كثيرة.
ثم إن هناك موضوعاً آخر علينا أن نتعامل معه داخلياً، حتى لا تبقى لدى إسرائيل ذرائع تتذرع بها لارتكاب الجرائم التي ترتكبها اليوم في لبنان.
توثيق الجرائم الإسرائيلية ومقاضاة إسرائيل
– ما تقوله، هو أن هناك رغبة، سواء كانت حكومية أو من الجهات المعنية، في اتخاذ إجراءات قانونية مستقبلاً ضد إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها في لبنان؟
ـ إن عملية التوثيق التي تقوم بها الخلية الحكومية في ما يتعلق بالجرائم الإسرائيلية لا أعتقد أنها تقتصر على التوثيق بحد ذاته، فالتوثيق له هدف، وسيُستخدم مستقبلاً في مقاضاة إسرائيل.
– مع العلم أن “حزب الله” لم يكن يحبذ هذا المسار، كما لم يحبذه عام 2006.
ـ تقصد موضوع الانضمام إلى “المحكمة الجنائية الدولية”؟
– أقصد تحديداً موضوع مقاضاة إسرائيل.
ـ بصراحة، ليست لدي تفاصيل عما إذا كان معارضاً أو مؤيداً لهذا التوجه. لكن ما يعنينا نحن هو توثيق الخروقات الإسرائيلية، والمطالبة بالتعويض عن الدمار الذي تسببه، وعلى الأقل إظهار الحقيقة حول كيفية تعامل إسرائيل وخوضها هذه الحرب ضد لبنان. وهذه مسألة أساسية، ويمكن الاستفادة منها في مرحلة لاحقة، سواء إذا قرر لبنان مقاضاة إسرائيل، أو المطالبة بتعويضات، أو حتى استخدامها في إطار المفاوضات.
فهذه ورقة مهمة للبنان عندما يطرح أسئلة من قبيل: هل تلتزم إسرائيل فعلاً بالقانون الدولي؟ وهل ستنسحب؟ وهل تعترف بالحدود مع لبنان؟ كل هذه المسائل تأتي في سياق واحد. لذلك أعتقد أن هذا التوثيق له هدف، وسيكون مفيداً جداً للبنان ولحقه في هذا المجال.
حصرية السلاح ومستقبل “حزب الله”
– حصر السلاح هو المطلب الأساسي الذي ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية، من خلال التأكيد على دور الدولة وحصرية السلاح، كما ورد أيضاً في البيان الوزاري، وفي أولويات الحكومة مجتمعة، وفي أولويات رئيسها. لكن “حزب الله” يرفض هذا الأمر بصورة كاملة. وقد شاهدت مقابلة مع القيادي في “حزب الله” وفيق صفا، دعا فيها، كما سائر قيادات “حزب الله”، إلى إلغاء القرارات التي اتخذتها الحكومة في هذا الشأن، ولا سيما في شهر آب/ أغسطس وغيره. لكنه رفع أيضاً سقف مواقفه عندما دعا إلى إعادة النظر في الموقف، ليس فقط من السلطة، بل تحدث عن الكيان نفسه. وعندما سئل عما إذا كان يهدد باللجوء إلى العنف السياسي، أجاب: “فلنبقِ هذا الجواب مفتوحاً”. هل تخشون أن يتسبب “حزب الله” في أزمة حقيقية بعد حل مسألة الجنوب، إذا حُلَّت عبر المفاوضات؟
ـ أتمنى ألا نصل إلى هذا المستوى. وأعتقد أنه إذا أراد “حزب الله” اللجوء إلى استخدام العنف، فسيواجه جميع اللبنانيين، ولن يعيد التاريخ نفسه في هذا المجال. ولن يقبل أحد، أو يتهاون مع أي محاولة لاستخدام العنف من أجل السيطرة أو الهيمنة على القرار السياسي اللبناني.
وأعتقد أن هذه المرحلة أصبحت من الماضي. واليوم يجب على “حزب الله” أن يدرك أن غالبية اللبنانيين موحدون حول فكرة الدولة، وحول موضوع السيادة.
في النهاية، فإن هذا السلاح الذي يصر على الاحتفاظ به لم يجلب إلى لبنان سوى الويلات. وإذا كان الهدف منه أن يكون لإيران موطئ قدم في لبنان، فإن هذا أمر مرفوض بالنسبة إلينا.
ونريد دولة سيدة وقادرة على حماية لبنان بما يتوافر لديها من إمكانات، وأن نستطيع، نحن اللبنانيين، أن نؤمن فيما بيننا الحد الأدنى، إن لم يكن الحماية الكاملة، من خلال التزامنا جميعاً بحماية هذا البلد.
وأعتقد أن هذا النوع من التصريحات هدفه شد العصب، والإيحاء بأن “حزب الله” لا يزال يمسك بزمام المبادرة، وأن الأمور ما زالت كما كانت قبل الحرب، بينما أرى أن ذلك أصبح من الماضي.
فـ”حزب الله”، من خلال حرب الإسناد الثانية وما تسببت به من دمار وقتل في الجنوب واحتلال، أسقط مشروعية هذا السلاح من ناحية الحماية، لأنه أصبح يستجلب المشكلات لأهالي الجنوب وللبنان.
التوافق اللبناني وسلاح “حزب الله”
– كيف يمكن التعامل مع هذه المسألة؟ فهذا الواقع أي “حزب الله”، يمثل، بالأرقام اللبنانية، حالة تأييد شعبي واسعة داخل الطائفة، ونعلم أن الأمور في لبنان لا تُحل إلا بالتوافق، بحكم تركيبة النظام السياسي اللبناني. فكيف يمكن الوصول إلى ذلك؟
ـ التوافق اليوم، يكون ضمن إطار المؤسسات، ولا يمكن لحزب أن يتخذ قراراً منفرداً، ويستأثر بالقرار، ويفرض عليك حرباً، ثم دماراً، وإعادة إعمار، وشهداء، وانقساماً داخلياً، وهيمنة خارجية، ثم يقول لك بعد ذلك: تعالوا نتوافق.
التوافق مبدأ يجب أن يكون ضمن المؤسسات الشرعية، ووفقاً للدستور اللبناني. وإلا فإننا سنواجه هذا الأمر، لأننا، كلبنانيين، لن نقبل بأن يكون هناك استئثار بالقرار السياسي يقود البلد إلى ويلات الحروب أو إلى الارتهان لقوى خارجية، بينما نقف متفرجين.
لقد أصبح هذا الأمر واضحاً أمام اللبنانيين، وحتى الحلفاء التاريخيون لـ”حزب الله” ابتعدوا عنه في هذا الملف، لأنه أصبح واضحاً أن المسار الذي يسلكه له تبعات كارثية على لبنان وعلى الشعب اللبناني كله.
ولا تزال هناك فئة تؤيد ما يقوم به “حزب الله”، وأنا لا أتحدث عن فئة طائفية، بل عن فئة من مختلف اللبنانيين، لكنها أصبحت قليلة نسبياً، رغم كل ما تسبب به للبنان.
ولذلك أعتقد أن التوجه العام لدى اللبنانيين أصبح يميل إلى إنهاء ملف السلاح، لأنه بات واضحاً أنه لا يحمي، بل يجلب الويلات، ويحول لبنان إلى موطئ قدم لإيران.
آفاق الحل
– من خلال لقاءاتكم مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، هل سمعتم، أو هل أنتم مقتنعون، بأن هناك أفقاً لحل هذه المسألة في لبنان؟ أم أنكم تتخوفون من أزمات داخلية مقبلة؟
ـ لم نتطرق إلى هذا النقاش مع الرئيس بري، لكن الرئيس بري ممثل في الحكومة التي اتخذت قرارات حصر السلاح، وكان حاضراً أيضاً في القرار المتعلق بحصر السلاح في بيروت، وجعل بيروت مدينة خالية من السلاح. وهذا يعطي انطباعاً عن توجه الرئيس بري.
لكن، في نهاية المطاف، أصبح واضحاً، مع الأسف، أن الحلول المتعلقة بهذا السلاح مرتبطة بإيران بصورة مباشرة، وأن التأثير اللبناني في هذا الملف أصبح، برأيي، شبه معدوم.
ومع ذلك، نحاول بكل ما أوتينا من قوة أن تكون هناك مقاربة لبنانية لهذا الملف، لكن ذلك يتطلب أن يكون الطرف الآخر مستعداً أيضاً لتقديم التنازلات المطلوبة من أجل حصر السلاح.
– لكن الحزب غير مستعد، بل يطالب بإلغاء قرارات الحكومة، ويقول إنها غير شرعية.
ـ نعود إلى تصريحات وفيق صفا التي ذكرتها، وهي تصريحات هدفها الاستفزاز، وشد العصب، والإيحاء بأن شيئاً لم يتغير، بينما الواقع اليوم مختلف.
لكن هذه التصريحات تكشف أيضاً وجود حالة من إنكار الواقع، وحالة من المكابرة. وربما يكون الإيراني لا يزال يريد الاستمرار في استخدام ورقة “حزب الله” لتحسين موقعه التفاوضي مع الأمريكي، وتحقيق مكاسب أكبر.
ولذلك، ومع الأسف، لم أعد أرى اليوم إمكاناً كبيراً لإيجاد حل لبناني – لبناني، رغم أننا نسعى ونتمنى أن يتحقق ذلك. لكن الممارسة العملية تؤكد أن تأثير القرار الإيراني، أو هيمنته على قرار “حزب الله”، لا يزال كبيراً جداً.
اتفاق الطائف ومستقبل النظام اللبناني
– هل يعاني النظام اللبناني حالة استعصاء؟ واستطراداً، عندما يُسأل “حزب الله” إن كان يريد تغيير النظام اللبناني والذهاب إلى نوع من المثالثة، التي يرى البعض أنها أصبحت مكرسة بصورة أو بأخرى، فإنه يجيب بأنه يريد تطبيق “اتفاق الطائف”، ويتحدث عن إلغاء الطائفية السياسية، وربما يشير بذلك أيضاً إلى البعد الديموغرافي، وهو ما يثير قلق شرائح واسعة من المسيحيين في لبنان. هل تعتقد أن النظام اللبناني الحالي، نظام التعايش والمناصفة الذي أرساه “اتفاق الطائف”، مهدد اليوم، مع العلم أن الاتفاق نفسه لم يُطبق بالكامل؟
ـ في الحقيقة، “اتفاق الطائف” لم ينتج هذا الواقع، لأن النظام، مع الأسف، لم يُطبق كما نص عليه الاتفاق.
ولذلك، لا نزال نعيش حالة تقاسم طائفي للبلد، وتقاسم للمواقع السياسية، وقيام نوع من المحميات الطائفية داخل المؤسسات وخارجها، وكان من أبرز تجليات هذا الواقع “حزب الله”، نتيجة استرضاء إيران، التي استغلت هذه الثغرة في النظام اللبناني، وخلقت هذا الواقع.
“الحل السياسي الواقعي الوحيد اليوم الموجود أمام اللبنانيين هو تطبيق اتفاق الطائف بالكامل”
لكن، في أي حال من الأحوال، لا يمكن العودة عن “اتفاق الطائف”، ولا يمكن مقايضة السلاح بأي امتيازات سياسية تخالف الاتفاق.
لقد ارتضينا، في مرحلة معينة، “اتفاق الطائف” بوصفه حلاً وخارطة طريق لمعالجة مشكلاتنا ومشكلات النظام السياسي. والعودة عنه تعني عملياً تكريس الواقع المخالف له.
فنحن، في الممارسة، أصبحنا خارج “اتفاق الطائف”، من خلال تقاسم المواقع على أسس طائفية، وغير ذلك. والاستمرار في هذا الواقع يمثل مخالفة للاتفاق.
وما تقوله بعض الأصوات في “حزب الله” عن وجود مقابل سياسي للسلاح ضمن النظام، يعني عملياً توسيع حصة طائفية داخل نظام طائفي خارج “اتفاق الطائف”.
أما نحن، فنريد العودة إلى “اتفاق الطائف”، وتطبيقه كاملاً، بكل حذافيره، ومن دون أي استثناء.
– بما في ذلك الغاء الطائفية السياسية؟ وألا يثير مطلب إلغاء الطائفية السياسية مخاوف لدى المسيحيين؟ وقد تكون هذه المخاوف مشروعة في ظل ما يجري في المنطقة. فبعض الشرائح، أو الأحزاب المسيحية، تطرح في مواجهة هذا المطلب الفيدرالية، وربما تذهب إلى أبعد من ذلك.
ـ دعنا ننظر إلى من يطرح هذا الموضوع بالطريقة التي يطرحها بها “حزب الله”. فهي محاولة للاستفزاز، ومحاولة للتخويف، وليست محاولة لإيجاد حل للواقع الذي نعيشه. وهذا، إذا صح التعبير، نوع من التحريض يهدف إلى خلق مشكلة داخلية.
ولم أسمع، حتى اليوم، أي أصوات جدية، على الأقل من الجانب المسيحي، تناقض “اتفاق الطائف”.
– لكن هناك تلميحات سياسية.
ـ نعم، هناك تلميحات، لكن القوى السياسية الأساسية ملتزمة “اتفاق الطائف”. وكل هذه المواقف ليست سوى ردود فعل على موضوع السلاح. فإذا انتهى ملف السلاح، فقد تتلاشى هذه المواقف أيضاً، لأنها في جانب كبير منها ردود فعل انفعالية، وليست حلولاً سياسية واقعية.
الحل السياسي الواقعي الوحيد المتاح أمام اللبنانيين اليوم هو تطبيق “اتفاق الطائف” كاملاً. وهنا نتحدث عن الانتقال إلى دولة المواطنة، ودولة حديثة، أو على الأقل اعتماد خارطة طريق تقود إلى هذا الاتجاه.
مسار التغيير بعد 17 تشرين
– هذا يقودنا إلى محور جديد. أستاذ إبراهيم منيمنة، من تجربة “بيروت مدينتي”، وصولاً إلى انتفاضة 17 تشرين، ثم إلى مجلس النواب، برزت تجربة أثارت آمالاً واسعة لدى شرائح كبيرة من اللبنانيين. واليوم يقول كثيرون: دخلتم إلى مجلس النواب بثلاثة عشر نائباً، أو اثني عشر حسب مقياس الحساب، لكنكم تفرقتم، واتجه بعضكم في مسارات مختلفة. ألا يزيد ذلك من خيبة أمل اللبنانيين الذين كانوا يعولون على مشروع التغيير؟
ـ هذا موضوع كبير يتعلق بمسار التغيير وكيف يحدث. لكن دعني أقول إن هذا المسار طويل، في المقام الأول.
فلم يكن أحد يتوقع، أساساً، أن ندخل إلى مجلس النواب بهذا العدد من النواب، وقد دخلنا بالفعل، لكننا لا نزال أقلية داخل المجلس.
وبطبيعة الحال، نحن جئنا من خلفيات مختلفة كنواب، وربما كان بالإمكان تدارك بعض هذه الانقسامات، لكن ما حصل قد حصل.
وأعتقد أن الانتخابات النيابية الأخيرة كانت محطة من محطات هذا المسار، وسنستمر بعد ذلك في البناء عليها.
والأهم، برأيي، هو التجارب التي نخوضها من داخل مجلس النواب، ومن خلال التعامل مع الاستحقاقات المختلفة، وقد حققنا فيها إنجازات مهمة، سواء في انتخاب الرئيس جوزيف عون، أو في تكليف الرئيس نواف سلام، أو في ملفات أخرى كثيرة.
وهذا كله يشكل مساراً تراكمياً، وأعتقد أن اللبنانيين سيرون نتائجه على مدى أبعد.
وفي النهاية، لم يكن من الواقعي توقع أن اثني عشر نائباً، حتى لو كانوا موحدين بالكامل، يستطيعون قلب الطاولة في البلد، ولا سيما في ظل الظروف التي نمر بها.
لكنني أتفهم أن اللبنانيين مستعجلون، فالتحديات كبيرة جداً، وهناك حاجة إلى تسريع عملية التغيير.
ومع ذلك، فإن هذا المسار يحتاج إلى تراكم، ويحتاج إلى وقت، ونحن نرى حجم التحديات التي يمر بها البلد.
وأنا شخصياً أتوقع أن تتطور فكرة التغيير، وأن تظهر حركات سياسية جديدة تنطلق من هذه التجربة التي خاضها النواب، بصرف النظر عن مدى وحدتهم أو اختلافهم.
أولويات التغيير والإصلاح
– لم يعد هناك، على الأقل في ما يتعلق بمدخرات الناس منذ عام 2019، ذلك الغضب الشعبي الذي كان قائماً. واليوم نحن في عام 2026، أي بعد نحو سبع سنوات، وكأن الغضب جرى امتصاصه، وعادت الأمور إلى طبيعتها. حتى قانون الفجوة المالية الذي قدمته الحكومة، وتبناه الرئيس نواف سلام، لم يعد يبدو خياراً واقعياً في ظل المعارضة الشديدة التي يواجهها من أركان أساسيين في الدولة. ولذلك عاد كثير من الناس إلى الأحزاب التقليدية، وهناك من يقول إن شعار “كلن يعني كلن” كان خاطئاً منذ البداية.
ـ هذا أيضاً نقاش واسع ومتشعب.
فشعار “كلن يعني كلن” كان يعني، في الأساس، أن الجميع يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه، وإن كانت المسؤوليات السياسية متفاوتة.
وفي النهاية، عندما تنظر إلى الحكومات، وإلى القوى التي شاركت فيها، تجد أن بعضها شارك مباشرة، وبعضها سكت، وبعضها أسهم بصورة أو بأخرى. لكن هذا بحث آخر.
أما اليوم، فأعتقد أن القضية أكبر من نواب التغيير أو غيرهم.
فالاستحقاق الملح والطاغي اليوم هو ملف السلاح، إلى جانب الملفات الأخرى، بطبيعة الحال، لكن الحرب، سواء حرب الإسناد الأولى وما تبعها، أو حرب الإسناد الثانية، جعلت لبنان يواجه أسئلة وجودية، وأصبحنا أمام مشكلة كبيرة.
وليس من السهل، في ظل موازين القوى الحالية، أن نكون اللاعب المؤثر بصورة حاسمة، في وقت تقف خلف هذه الموازين دول وقوى إقليمية.
– إذاً، استحقاق السلاح يتقدم اليوم على الأولويات؟ حتى على الإصلاح؟
ـ لا، ولا يلغي هذا الملف بقية الملفات، لكننا نتحدث عن تفاعل الناس مع الملفات بصورة عامة.
وأعتقد أنك محق في ما يتعلق بالملف الإصلاحي. فنحن بذلنا جهداً كبيراً داخل مجلس النواب، وكان يمكن أن يكون أداء الحكومة أكثر نضجاً، وأقوى، وبزخم أكبر في مواجهة أصحاب المصالح الذين يقفون خلف تعطيل الإصلاح، سواء الموجودين في الفلك السياسي أو بالشراكة مع بعض القوى السياسية. وكان ذلك يحتاج إلى مواجهة حقيقية.
وسنواصل نحن هذه المواجهة السياسية، من داخل مجلس النواب وخارجه.
لكنها ليست مواجهة سهلة، لأن المصالح المتراكمة منذ عشرات السنين، والتي استطاعت هذه المنظومة، مع شركائها من أصحاب المصالح، تعطيل مسارات كاملة، ومنها الملف المالي طوال سبع سنوات، تكشف حجم القوة التي تمتلكها داخل مجلس النواب، وخارجه، وفي الإعلام، وفي مواقع كثيرة. ولذلك، فهذه المواجهة ليست سهلة، وأتفهم أن يشعر الناس بهذا النوع من القلق.
بيروت والكتلة التغييرية
– أنت نائب عن بيروت، والناخب البيروتي، بحسب ما أعرف، يسجل دائماً نسب اقتراع أقل من معظم المناطق الأخرى.
ـ ليست أقل بكثير، وإنما أقل بنسبة محدودة، لأن بيروت مدينة.
– هل تعتقد أن الناخب البيروتي لا يزال مستعداً لإعادة التجربة، وانتخاب كتل تغييرية مجدداً، أم أنك تواجه اليوم صعوبات في هذا المجال؟
ـ أبداً، لا أرى صعوبات، لكنني أعتقد أن الوقت لا يزال مبكراً للإجابة عن هذا السؤال.
أنا أعتقد أن هناك كتلة أساسية في المدينة أثبتت أنها مع التغيير. وصحيح أن هذه الكتلة تتسع أحياناً، وتنكمش أحياناً أخرى، بحسب الظروف السياسية وبعض الخيارات، لكنني لا أشك في أنها موجودة.
وهي تحتاج اليوم إلى أن تتبلور أكثر، وأن تمتلك برنامجاً سياسياً واضحاً حتى تنتظم بصورة أفضل.
وأتمنى أن تتسع هذه الكتلة أكثر، وأن نكسب ثقة عدد أكبر من الناس، وهذا ما نعمل عليه باستمرار.
أما كم سيكون حجمها الانتخابي، وما هي حظوظنا، فأعتقد أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على ذلك.
تمديد ولاية المجلس النيابي
– هل أنت راضٍ عن تمديد ولاية المجلس النيابي، أم أن الظروف لم تكن تسمح بغير ذلك؟
ـ ليست المسألة مسألة رضى، بل كانت حالة اضطرار فرضتها ظروف قاهرة، وكان لا بد من التعامل معها.
ولا أعتقد أن أياً من القوى السياسية كان ضد التمديد، فقد كان الجميع مع التمديد، وكل ما جرى كان نقاشاً حول أن يكون التمديد ستة أشهر، أو ثمانية أشهر، أو غير ذلك.
لكن، من الناحية التقنية، لا يمكن أن يكون التمديد أقل من سنة، لأن هناك مهلاً قانونية، منها تسجيل اللبنانيين المغتربين، الذي يحتاج إلى نحو ثمانية أشهر.
ثم إنه لا يمكن إجراء الانتخابات في فصل الشتاء، ولذلك لا بد من إجرائها في الربيع.
وبالتالي، كان الخيار إما سنة وإما سنتين.
وكنا نعلم، منذ اندلاع الحرب، أنها ستكون حرباً طويلة، وأن تداعياتها ستكون كبيرة، ولا سيما أن الإسرائيلي دخل الحرب وهو يريد إحداث دمار واسع.
كما أن ظروف النزوح، والتعامل مع ملف النازحين، لم تكن تسمح بإجراء انتخابات مباشرة.
إدارة ملف النزوح
– هل لديكم ملاحظات على أداء الحكومة في ما يتعلق بملف النزوح، ولا سيما في بيروت؟
ـ أعتقد أن طريقة تعامل الحكومة مع ملف النزوح كانت مقبولة. فالحكومة واجهت ظروفاً بالغة الصعوبة، ولم تصلها مساعدات كافية، كما أن أوضاع مؤسسات الدولة، كما تعلم، كانت صعبة جداً بسبب الانهيار الاقتصادي والمالي، وكانت تعمل بإمكانات محدودة للغاية.
ومع ذلك، أعتقد أن إدارة ملف النزوح كانت مقبولة بالنظر إلى الظروف التي كانت تعيشها الدولة والحكومة.
أما في ما يتعلق ببيروت تحديداً، فأعتقد أنها، رغم كل الاحتقان، ورغم كل الصعوبات، ورغم الاستهدافات التي تعرضت لها، ولا سيما في “الأربعاء الأسود”، أثبتت أنها عاصمة الوطن التي تحتضن الجميع، وتعاملت بكثير من الصبر والحكمة مع هذه التحديات.
ورغم أن ممارسات خاطئة كانت تحصل على الأرض، وفي مراكز النزوح وغيرها، فإن أهالي بيروت تعاملوا، من منطلق وطني، بكثير من الحكمة مع هذا الملف.
وأعتقد أننا نجحنا في تجاوز كثير من التحديات في بيروت، وبدأ أهلنا النازحون يعودون تدريجياً، رغم أن كثيراً من القرى دُمر بالكامل.
العلاقة مع سوريا
– هناك حديث عن احتمال تدخل سوريا، في ظل النظام الجديد، في الشأن اللبناني. كما تتحدث تقارير كثيرة عن تدخل، أو عدم تدخل، لمصلحة طرف معين أو ضد “حزب الله”. هل تتخوفون من تدخل سوري في لبنان؟
ـ لا، إطلاقاً. فقد صرح الرئيس أحمد الشرع بصورة واضحة وصريحة بأنه لن يتدخل في لبنان، ولا يريد أن يغرق في “الوحل اللبناني”. وهذا أمر إيجابي يُسجل للرئيس الشرع.
وأعتقد أننا، في لبنان، يجب أن ننتهز فرصة أن سوريا تريد اليوم إقامة علاقات ندية وصحية مع لبنان.
“تصريحات الرئيس أحمد الشرع واضحة في أنه لا يريد التدخل في لبنان”
وقد صرحت بذلك في أكثر من مناسبة، وقلت إن هذه فرصة لتعزيز مقاربة تقوم على علاقات صحية ومتوازنة، أساسها الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وهذا ما لم يتحقق، تاريخياً، في العلاقة بين لبنان وسوريا.
ولذلك، يجب علينا، كلبنانيين، أن نركز على اغتنام هذه الفرصة، وتطوير العلاقات اللبنانية السورية على مستوى المؤسسات، حتى نرسخ هذا النوع من العلاقات المتوازنة والصحية، بما يفتح المجال أيضاً أمام التكامل والتعاون بين البلدين.
ولا ينبغي، بأي حال من الأحوال، أن نضيع هذه الفرصة.
ولذلك، أرى أن علينا التعويل على هذا التوجه، وأعتقد أن تصريحات الرئيس الشرع واضحة في تأكيده، أكثر من مرة، أنه لا يريد التدخل في لبنان.
لكن هناك من يحاول دائماً الاصطياد في الماء العكر، والترويج لفكرة أن سوريا تريد التدخل في لبنان، أو أنها تمثل تهديداً دائماً، بينما تصريحاته كانت واضحة في هذا الشأن.
الوجود الفلسطيني في لبنان
– هناك ملف آخر، قديم ومتجدد، وله أيضاً صلة، بصورة جزئية، بملف السلاح، وهو ملف الوجود الفلسطيني في لبنان. فالدولة، بالتعاون مع “منظمة التحرير الفلسطينية”، وربما أيضاً مع بعض الفصائل الفلسطينية المحسوبة على السلطة الفلسطينية، تتخذ خطوات في هذا الإطار. لكن هناك جانباً آخر يتعلق بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في لبنان. ففي تسعينيات القرن الماضي دار نقاش حول ما سمي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين، ولا يزال كثير من الفلسطينيين في لبنان غير قادرين على العمل في مهن كثيرة، تحت عنوان دستوري هو رفض التوطين، في حين أن أوضاعهم المعيشية صعبة جداً. فهل يمكن، برأيك، مقاربة هذين الملفين معاً، أم أنهما ليسا من أولويات لبنان في المرحلة الحالية؟
ـ لا، أعتقد أن مسار الحقوق الإنسانية للفلسطينيين يسير في الاتجاه الصحيح، وقد حصل نوع من التوافق السياسي بين القوى السياسية حول هذا الموضوع، وبدأ يأخذ طريقه.
وأعلم أن هناك تعديلات على بعض القوانين، أو بعض المراسيم، بما يسمح للفلسطينيين بالحصول على جزء من حقوقهم الإنسانية، وهذا، برأيي، لا ينبغي أن يكون موضع خلاف لدى أحد.
وفي المقابل، فإن الإخوة الفلسطينيين يساعدون أيضاً في موضوع السلاح، وكانت هناك مبادرة في هذا الشأن، واستطاعت الدولة أن تتسلم السلاح من عدد من المخيمات.
وطبعاً، لا يزال الأمر يحتاج إلى وقت، لأن هناك مقاربة يجب اعتمادها لتسليم السلاح بمستوياته المختلفة، الثقيل والمتوسط والخفيف، بالتوازي مع وضع تصور لكيفية تولي الدولة مسؤولية الأمن داخل المخيمات مستقبلاً.
ولذلك، أرى أن المسار إيجابي، وأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، كما يبدو أن النيات صافية من الجانبين، ولذلك لا أرى ما يدعو إلى القلق في هذا الملف.
خطاب الكراهية
– من يتابع الحالة اللبنانية يأسف لارتفاع منسوب خطاب الكراهية في لبنان، سواء عبر وسائل الإعلام، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى في الخطاب اليومي بين الناس. هل تخشى على الوحدة المجتمعية، وعلى التعايش في لبنان، خلال المرحلة المقبلة؟
ـ إذا كنت تقصد احتمال اندلاع حرب أهلية، فلا، لا أخشى ذلك. لكن الانقسام الاجتماعي والشعبي القائم اليوم مؤذٍ ومحزن في الوقت نفسه.
“خطاب الكراهية بات متفشياً، وتجاوز حدوده الطبيعية، ويجب التعامل معه بجدية”
ومن المؤسف أن يستسهل البعض استخدام خطاب التخوين، والتحريض الفئوي، وهذا النوع من الخطاب والأدبيات التي تمس الكرامات، وتمس المشاعر، وتمس حالة الوحدة الوطنية.
وفي بعض الأحيان يصل هذا الخطاب إلى مستويات يصبح معها الضرر بالغاً، ويحتاج إلى وقت طويل لمعالجته، لأنه يترك آثاراً عميقة في نفوس الناس.
ومع الأسف، فإن هذا النوع من الخطاب بات منتشراً، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأعتقد أنه يجب أن يكون هناك أيضاً موقف، أو قانون، يضبط هذا النوع من الخطاب، ويضع حداً لمن يتسببون فعلاً في مشكلات كبيرة.
وطبعاً، يجب أن يكون ذلك ضمن إطار احترام حرية التعبير، لكن لا يجوز، في المقابل، السماح لخطاب الكراهية بأن يتفشى في المجتمع اللبناني، وأن يتحول إلى خطاب سائد ومقبول، لأننا في هذه الحالة نؤذي أنفسنا، كلبنانيين، قبل أي طرف آخر.
وهنا يأتي دور الدولة اللبنانية في وضع حد لهذا الأمر، بالوسائل التي تراها مناسبة، سواء عبر القانون، أو القضاء، أو غير ذلك.
أما إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فأعتقد أن هذه الظاهرة أصبحت متفشية، وتجاوزت حدودها الطبيعية، ويجب التعامل معها بجدية.
لا أمل ولا مستقبل مشرق في الأفق للبنان من دون نزع سلاح الحزب وإنهاء التأثير الإيراني في لبنان.
للأسف الشديد أنتم تعادون من يدافع عنكم وتصادقون من يسفك دمكم. طالما أنتم لا تدافعون عن أرضكم ولا تساندون من يدافع عن الأرض فأنتم والأعداء سواء
مجمل الموضوع حوار شامل لما يعانيه لبنان الرسمي . الشعبي ، تبدو عليه. نظرة تفاؤل. طمأنينه ، لكن من المأمن يؤتى الحذر ،. يجب اخذ تصريحات مسؤولي حزب الله بكل جديه ، وعدم التهوين والتقليل من. حرب اهليه سيكتوي حزب الله بنارها ،. مخطئ كل الخطأ أ اذا كان يعتقد. انه سيكون الكفة. الراجحة، ،، معظم النار من مستصغر الشرر ،لا سمح الله ، بما الملجأ الاخير اذا كان لا بد منه هو الكونفدرالية ؟ التعليق وليد الساعه ويخص المقابلة الصحفيه بالتحديد
ساذجين مسيرين ومنبطحين مهزومين…
أجملت فأحسنت !
الذي تتجاهله الحكومة الحالية في اللبنان هو :
1) ان المشروع الصهيوني قائم الذات ليلتهم اللبنان و لولا المقاومة اللبتانية لكان اراضيه محتلة و الحكومة اللينانية تخضع للكيان الصهيوني.
2) كرهنا او احببتا هناك ترابط مع الشعوب التي هي ضحية للعدوان الصهيوني من غزة الى اللبنان الى اليمن الى الجمهورية الاسلامية الآيرانية الكل فقد آلاف من المدنين العزل و التنكيل بالاحياء.. فلا يمكن لخلف هؤلاء ان يتجاهلوا ما وقع من ظلم و بطش لسلفهم
3) التجاريب السايقة قي المفواضات مع العدو اثبتت انها حرب ناعمة تستعمل لصالحه , و لم تجلب الا الويلات لغزة و آيران و كذلك سيكون لللبنان…
3) كل من يتاجر بالدماء الزكية لشهداء حزب الله في مفاوضات مع عدو غدار هو الذي يسعى لجر اللبنان إلى حرب اهلية ربما تتحول الى إقليمية ..