الناقدة المصرية أماني فؤاد في «سرديات الحروب والنزاعات»: الأنواع الأدبية المعاصرة تمرّ بمنعطف شديد التوتر

عاطف محمد عبد المجيد
حجم الخط
0

أول ما تحاول الناقدة المصرية د. أماني فؤاد توصيله إلى القارئ في كتابها «سرديات الحروب والنزاعات: تحولات الرؤية والتقنية» هو قولها إن المتأمل في المشهد السردي، في العقد الأخير من القرن الحادي والعشرين، يجد أن النصوص السردية، التي تعالج تجربة الثورات والحرب، وما تسفر عنه من نزاعات ومآسٍ إنسانية، هي الكتابة الأكثر حضوراً وتأثيراً في لحظة السرد الراهنة، التي نعيشها الآن في الإقليم العربي وشمال أفريقيا، خاصة بعد الثورات التي سُميت بالربيع العربي.
لكنها، كما ترى الكاتبة، لم تُخلف ربيعاً في كثير من تجلياتها، بل أوجدت أنواعاً متعددة من جحيم الانقسامات والفوضى والطائفية والدمار والفقر والشتات بلا أوطان، مشيرة إلى أن هذه الانتفاضات كان ظاهرها حلماً للرومانسيين، وباطنها تخطيطاً واستهداف تغيير شامل لشكل وأنظمة حكم المنطقة. الكاتبة التي ترى أن هذه الثورات رغم أنها أبرزت رغبات التغيير والأمل لدى شرائح من الشعوب العربية، وطموحها لتحقيق الحرية والعدالة، لكنها افتقرت لاستراتيجيات محددة الرؤى والأهداف، تشير إلى أن الباحثين في الثورات يذكرون إنه لنجاح أي ثورة لا بد من توافر خمس نقاط: الحالة الثورية، ضرورة توافر قيادة حكيمة، وجود كوادر عمل تنظم تحركات الثورة، وجود رؤية شاملة وتنظيم، وأن تكون هناك برامج عمل استرشادية تتضح فيها رؤية وتوجهات القيادة، وخطط مرسومة قصيرة وطويلة الأجل.
فؤاد، التي تؤكد أن الثورات العربية التي اشتعلت شرارتها أوائل القرن الحادي والعشرين لم يتوفر لها من هذه النقاط سوى الحالة الثورية والتمرد الذي اجتاح الملايين، ترصد هنا هيمنة الحروب والنزاعات على النسق العام لمعظم النصوص الروائية، سواء كانت هي محور دراما النص، أو أحد المحاور الفرعية، أو المُضمرة في الظلال، وعلى أثرها وفاعليتها تتشكل أحداث النصوص ومصائر الشخوص في السرديات.
وبعد بحث وقراءة ودراسة وتحليل السرديات الروائية، توصلت الكاتبة إلى أن الثورات والحروب التي اجتاحت المنطقة كانت تحمل في عمقها الإنساني مستويات متعددة من الرفض الشامل لكثير من منظومة مقومات الحياة وقيمها الاجتماعية والثقافية والاستنكار للظلم الواقع على الإنسان في مناح مختلفة.

منعطف شديد التوتر

في كتابها هذا الذي تصفه بأنه دراسة، تقصت الكاتبة الكثير من سرديات الحروب التي زادت عن خمسين نصّاً روائيّاً منها: «غداء في بيت الطباخة» لمحمد الفخراني، «الموت عمل شاق» لخالد خليفة، «باب الخروج» لعز الدين شكري، «باغندا» لشكري المبخوت، «أنا العالم» لهاني عبد المريد، «أرواح كليمنجارو» لإبراهيم نصر الله، «أولاد الغيتو» أو «اسمي آدم» لإلياس خوري، «موسم الحوريات» لجمال ناجي، «النبيذة» لإنعام كجه جي، «خطف الحبيب» لطالب الرفاعي، «شغف» لرشا العدلي، «فيلة سوداء بأحذية بيضاء» لسلوى بكر، «أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي، «بساتين البصرة» لمنصورة عز الدين، «إلياس» لأحمد عبد اللطيف، «مرايا الغياب» لنبيهة العبسي، «الجمعية السرية للمواطنين» لأشرف العشماوي.
وغيرها من النصوص التي تقصتها تحليلاً ونقداً للمنتج الروائي العربي في تنوعه الجغرافي والثقافي والاجتماعي في الأقطار العربية المختلفة: مصر، سوريا، العراق، فلسطين، الأردن، لبنان، تونس، الجزائر، المغرب، دول الخليج العربي. مشيرة إلى أن هذه البلدان عانت، ولا تزال، من الحروب والنزاعات وآثارهما، سواء مع المحتل الدخيل، أو بين الفِرق والطوائف والميليشيات والمذهبيات المختلفة بين أبناء الوطن الواحد. ساعية إلى أن تكون دراستها هذه مرآة تنعكس عليها طبيعة التحولات التي شكلت حياة المجتمعات العربية حديثاً، والآثار التي خلفتها الحروب والنزاعات على الوجدان الشعبي والعقل الجمعي للشعوب العربية، والتغيرات التي نجمت عن هذه الآثار وأعادت صياغة حياة أبناء هذه البلدان وشكلت قيمهم ودوافعهم وسلوكهم تجاه ما استجد من أزمات وتحديات شعبية وقومية.
هنا تثبت الكاتبة أن الأنواع الأدبية المعاصرة، خاصة الرواية، تمر الآن بمنعطف شديد التوتر، تأسيساً على حدود وطبيعة العلاقة بين الفن والحياة، بين السرد وعلاقاته بالبشر، مواجهة تشمل الإنسان ورؤاه للوجود وانشغالاته كافة. وتذكر فؤاد أن الإنسان العربي والمصري، والمبدع خصوصاً، وجد نفسه في بؤرة مكانية ولحظة زمنية تقتضي تغيير الخطاب السياسي والديني والاجتماعي، وتحدي مشكلة العوز على المستوى الاقتصادي، رغم ثراء موارد بلدان الإقليم وتنوع ثرواته. وتضيف أن مواطن البلدان التي حدثت فيها الثورات واجه واقعاً يوميّاً صدّر الموت والدم والحروب والاعتقالات، وجعلها على واجهة المشهد طيلة الوقت، كما أصبح يمارس التشكيك والتخوين لكل مختلف ومغاير له في الاعتقاد والأيديولوجيا، مصطدماً كل يوم بالهدم والخراب والفقر والجوع، أو توالي مشاهِد الهجرة والشتات حيث قوارب الموت التي تتسلل من الشواطئ للفرار من جحيم الصراعات في كثير من البلدان العربية الإسلامية.
كما تذكر كذلك أن هذه لحظة تصاعد الصراعات، الحروب المعلنة المعروفة أطرافها، أو الحروب الباردة حيث الصراعات الكامنة التي تفصح عن نفسها بأشكال جديدة، في ما يطلق عليها حروب الجيل الرابع والخامس، والحروب بالوكالات لصالح قوى عظمى تستهدف السيطرة على المنطقة، وهدم الحقائق والقيم والتشكيك فيها، وآخر تجلياتها ما يحدث في فلسطين واليمن والسودان وليبيا.
وتشير فؤاد إلى أن هذا أدى إلى ظهور سرد تيار الفنتازيا الذي يبتعد عن هذا الواقع الجحيمي لمساحات من التخييل، مثلما كثرت السرديات التي تمارس أنواعاً من التجريب، كأن تستنطق بعضها الحرب: حالة الحرب ذاتها هي التي تروي عن نفسها من منطق الدهشة واللا توقع، مؤكدة أن الأحداث الواقعية باتت أكثر غرابة من المتخيل في كثير من الأوقات، لذا يبحث الروائيون عن بِنَى فنية مغايرة، غنية باكتنازها بالمتناقضات والحيرة والشعور بالعبث، لتجسيد واقع غير نمطي يتوازى فنيّاً مع الحقيقة، أحياناً يتفوق على الخيال.

فهم تجربة الحرب

فؤاد التي تتوقع أن يتبادر إلى ذهن قارئ كتابها سؤال رئيس هو هل تعالج هذه الدراسة الرواية السياسية؟ وهل تُعد الرواية التي تعالج الحروب والنزاعات رواية سياسية بشكل ما؟ تجيب قائلة بأنها تحسب أن ما طرحته من نماذج هي سرديات إنسانية في المقام الأول، تعالج السياسة بشكل أو بآخر، ذاكرة أن الحرب والسياسة لا ينفصمان، والحرب في الأساس هي قرار سياسي، مؤكدة أن كل نص سردي يظل له عالمه المختلف من التشابكات مع محاور أخرى في حياة شخصيات النصوص.
كما تقول إن أدب الحرب يتخذ مجموعة من المناهج في جهوده لفهم تجربة الحرب، بما في ذلك الشعر والدراما والقصص القصيرة والروايات والمذكرات، والتاريخ الشفوي والرسائل، ذاكرة أن دراسة أدب الحرب قد تطورت تدريجيّاً لتشمل دراسات النوع والأقليات والصدامات المذهبية، وتأثيرات الحرب على الجبهة الداخلية.
أما في محاولتها لإيجاد تعريف لسرد الحروب تقول فؤاد إنه يدور في منحى فني إنساني يعتمد على جانب تخيلي، حاملاً رؤية مبدع يتوجه بنصه لمتلقين، فيدفعهم لتحريك مشاعرهم وأفكارهم تجاه الصراعات الحربية في فترة تاريخية معينة، وعادة ما يطرح أيديولوجية قامت من أجلها الحرب، سواء أكانت سياسية، فكرية، أم دينية. وهو ما يزيد الوعي بالأبعاد المختلفة من صراع المصالح والرغبة في الزعامات، التي تُصنع لحظة اندلاع المعارك، ثم فناء مجموعة من البشر المتنازعين، وهو ما يؤصل لوعي إنساني أشمل للوجود وأبعاده، وقد يؤصل للتسامح والتعايش. مثلما تتحدث هنا عن مفهوم أدب الحرب، سرد الحرب قبل الثورات الأخيرة، خصوصية أدب الحرب، التقنيات الفنية لرواية الحرب، وحين تتساءل لماذا الرواية؟ تجيب قائلة إن عالم الرواية مركب وغامض، متعدد ومتناقض، ولا يسعى الروائي إلى تقليد الواقع فحسب، بل إلى استكشاف الوجود الذي يُعد مسرحاً لإظهار جميع الإمكانيات البشرية.
هنا أيضاً تطرح الكاتبة سؤالاً لافتاً: لماذا تعد الرواية أفضل الأشكال الأدبية التي تتجسد فيها الحروب وآثارها على البشر؟ مجيبة أن الرواية هي أكثر الأنواع الأدبية التي رصدت التحولات والأوضاع المعاصرة وجسدتها فنيّاً، ومن شأنها، حجماً وتقنية، أن تستوعب تداخل المواقف وتشابكاتها التي تُسبب الحروب وتنتج عنها، كما تستوعب تقنيات وتعدد بِنى الرواية تقنيات الفنون الأخرى كالشعر والأغاني والموسيقى والفنون التشكيلية وحوارات المسرح، راصدة أن الكتابة الروائية تجسد في النصوص الحديثة، جماليّاً، حال إنسان ما بعد الثورات.
يجسد السرد تفاعلنا مع واقعنا بأشكال ودرجات فنية متفاوتة، ذاكرة أن السرديات تمثل مرثية كبيرة للأحلام الواسعة في الأوطان التي كانت آمنة، وأن هذه الكتابة السردية دلالة على روح مبدعة أبت أن تفارق الواقع المشتعل الذي تعيشه بدون أن تصر على رواية الحكاية، متحدية بذلك الموت، ذوات لا تزال تتمنى تحقيق العدالة، فتتوسل بالفن والسرد لتحاكي وتوضح وتأمل في واقع آخر.
هنا أيضاً تطرح الكاتبة عدداً من الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بسرديات الحروب منها: لماذا يصبح الإبداع السردي الذي يتناول الحرب على قدر كبير من الأهمية؟ وما هي الاختلافات بين مبدعي البلدان العربية في تناول الحرب؟ وهل تغيرت ملامح الأدب وسماته في الحروب الأخيرة عن ملامحه قبل الثورات الأخيرة منذ 2011؟ وكيف يخلف الدمار والحروب سردّاً؟ وهل تشتعل الحروب في إقليمنا لأننا لم نتمثل، حتى الآن، قيم المدنية الحقيقية من فصل بين السلطات وسيادة القانون والعدالة في توزيع الثروات وسيادة القانون؟ أم لأننا لم نستطع أن نقيم جسوراً واعية تحفظ التوازن الخلاق بين قيم حضارتنا ومنجزنا التراثي وبين معطيات الحداثة والفكر الغربي الجديد؟
وتطرح فؤاد السؤال: هل واجهت الحضارة الغربية نفسها ومقولاتها التي تباهت بها بعد الإبادة الجماعية التي قامت بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني؟ هل شعرت أنها حضارة المقولات والقيم المزيفة؟ هل أدركت أنها مزدوجة المعايير؟ ذاكرة أنه على الغرب أن يعيد النظر في مقولاته وخطاباته التي صنفوا أنفسهم فيها الأكثر رقيّاً ونضجاً وعدلاً.
أيضاً تقول هنا إن الحروب تدعو المبدعين أن يستدعوا تقنية تعدد الأصوات لتعرض وتحلل تنوع أسباب الحروب، وترصد عرض الرواية، بعد الثورات والحروب الأخيرة، لكل أشكال تقنية الراوي، السارد العليم وتعدد الأصوات. غير أنها وجدت في أكثر ما قرأت من نصوص أنها اختارت الصوت الواحد، متسائلة، وهي تقوم بتشريح عدد من الروايات التي أنتجتها الثورات والحروب في السنوات الأخيرة، هل تعد رواية الحرب عودة إلى الرواية الواقعية؟ تأتي إجابتها لتقول إن السمة الرئيسة لأدب الحروب والنزاعات الأخيرة هي التغيير الكامل في التصور الكلاسيكي لصورة العالم، إذ لم يعد المؤلف حاملاً للحقائق المطلقة والمفاهيم الجاهزة، كما ترى أيضاً أن معظم النصوص التي كتبت نتيجة للحرب هي نصوص واقعية انطبعت عليها بصمات الحرب فأصابتها بالعتمة والاكتئاب. مضيفة أن بعض هذه النصوص ينزع للتخييل واستحداث بِنى فنية فنتازية، أو يتكئ على الواقعية السحرية، وهو ما يفتح رواية الحرب على تعدد التقنيات وائتلافها بين الواقعي والمتخيل، متوصلة إلى أن محاور رواية الحرب تتعدد وتتداخل في ما بينها.
وتشير الكاتبة إلى أن الحرب لحظة زمنية شديدة التوتر، يطغى على الإنسان فيها الخوف من الموت، تتساقط الأقنعة وتتكشف الادعاءات، وتنهال طبقات الكذب البشري، ويتبدى القبح الكامن في اللاوعي.

أماني فؤاد: «سرديات الحروب والنزاعات»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2024
240 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية