النظرة التي فهمتها متأخراً

حجم الخط
1

كان ذلك زمان الصمت المطلق، حيث يمكن لصوت قطرة ماء تسقط كل حين من صنبور لم يٌحكم إغلاقه، أن يوقظ مدينة كاملة. كان ذلك في عام 1986، كنت في السنة الأولى من كلية الطب في جامعة تشرين في اللاذقية، حيث جمعتني صداقة مع باسل بحكم أننا كنا في فئة واحدة في جلسات العملي، فقد كان اسمه آخر اسم يبدأ بحرف الباء وبيننا تميم الذي كان اسمه وحيداً بحرف التاء مثل اسمي، الذي كان وحده يبدأ بحرف الثاء. كان باسل شخصية ريفية بسيطة مقربة إلى القلب، لا يبدو على وجهه أي ضغينة ضد أحد. أخبرني ببساطة أن خليل بهلول، الذي كان في ذروة نجوميته في ذلك الوقت، إذ أنه المدير العام لمؤسسة الإسكان العسكرية، التي كانت تصنع كل شيء يتعلق بمشاريع البناء من السيراميك إلى الإسمنت إلى القرميد، ولها معامل ضخمة تتركز في الساحل ودمشق وحمص. كانت مؤسسة الإسكان العسكري تسيطر على قطاع الإنشاء في سوريا، إذ تتعهد بناء ضواحي ضخمة في المدن الساحلية ودمشق وحمص.
أخبرني باسل أن العقيد خليل بهلول يرعى طلبة الجامعة من منطقة المزيرعة، التي ينحدر منها. كما يرعى غيرهم، طبعاً كلمة غيرهم لا تشمل طلاباً من مدينتي حلب أو حماة! لقد وظفوه حارسا ليلياً في مشروع المشفى مع كثير من طلاب منطقته. ولم يكن أحد يراقب دوامه من عدمه. وغالباً لا يحضر إلا مرة كل شهر لقبض راتبه الشهري باستثناء مرة واحدة حدثت مشاكل رقابية في المؤسسة حول كشوف الرواتب، بعد أن تبين وجود أسماء وهمية كثيرة تم توظيفها على الورق، ويقبض الرواتب متنفذون داخل المؤسسة، لذلك تم التدقيق على دوام العاملين لمعرفة الموظفين الوهميين من الحقيقيين. فاضطر باسل، ولمدة لا تزيد عن أسبوع، أن يداوم عدة ساعات في الليل كي يتأكدوا أنه شخص حقيقي. أي أن باسل وكثرا غيره كانوا يدرسون على حساب مؤسسة الإسكان العسكري بشكل غير معلن.
سألني باسل إن كنت أتابع مباريات كأس العالم 1986، التي كانت تقام في المكسيك. نفيت ذلك لأني لا أملك جهاز تلفزيون في البيت الذي أسكنه، وهو قريب من مكان سكن باسل. فدعاني في اليوم التالي لأشاهد مباراة مهمة. لم أُكذّب خبراً، بل تركت تحضيراتي للامتحان ولبيّت الدعوة. كانت الشقة الواقعة في حي الزراعة من الشقق متوسطة الحجم، عرفت أنها ملك لأخيه العازب، استلمها من مؤسسة الإسكان العسكري أيضاً، بشروط ميسرة. شاب عازب في أواخر العشرينيات يمتلك شقة سكنية في بلد يُعد امتلاك بيت للسكن حلماً صعب المنال للغالبية الساحقة من سكانه.
قبل أن تبدأ المباراة حضر الأخ الكبير، كان يشبه باسل، فهو أيضاً قصير القامة مربوعها. لكن ملامح وجهه كانت قاسية، وغير ودودة على عكس باسل. عرّفني باسل بأخيه وأخبره باسمي، وأني زميله في الكلية، ثم أردف بأني من حماة. على الفور لاحظت انقباضاً على وجه الأخ، تابع باسل التحدث بعفوية، وهو يتابع التلفزيون الذي بدأ النقل المباشر للمباراة وبدأ عدنان بوظو يتكلم عن المباراة المرتقبة. قال باسل إن أخاه يعرف مدينة حماة لأنه خدم فيها ضمن القوات الخاصة. كانت وحدته في الملعب البلدي عام 1982. ازداد انقباض وجه الأخ، ونظر مطولا إلى أخيه المشغول بمتابعة التلفزيون. كانت دماء المذبحة الكبيرة في حماة 1982 ما زالت طرية، والدم لم يجف بعد، لا من الشوارع ولا من أيدي القتلة. وكان للقوات الخاصة المتمركزة في الملعب البلدي، دور أساسي فيها. لم أعلق ولم يعلق الأخ الكبير بشيء، سوى أنه نهض ذاهباً إلى المطبخ ليُعد الشاي وهذا ما أثار استغراب باسل، الذي طلب منه الجلوس:
أنا سأُعد الشاي.. أعرف أنك تنتظر المباراة فلا تضيّع منها شيئاً.
لكن الأخ الكبير رفض وقال إنه لا يحب الرياضة. فبرم باسل شفتيه مستغرباً، تحلقنا حول طاولة دائرية وجلس الأخ إلى يساري، بدأت المباراة التي لم أعد أذكر من تفاصيلها شيئاً، لكني لاحظت أن الأخ الكبير لم يكن يتابع المباراة، بل كان يحدق في الطاولة، التي وُضع عليها إبريق الشاي وأكوابه. كان يبدو عليه التفكير العميق مكتفيا بالنظر كل حين إلى شاشة التلفزيون. وفي لحظة شعرت بأن نظراته تخترقني وبحركة لا إرادية التفت نحوه فرأيته يقيسني بنظراته، وعلى وجهه تعابير لم أفهمها حينها. كنت شاباً صغيرا بريئاً لم يخبر من الحياة سوى مجزرة 1982، والكتب الدراسية.. كنت بالكاد قد أتممت السابعة عشرة. التقت عينانا فحوّل بصره عني سريعا. شُغلت به عن المباراة. ولم أفكر كثيراً لما كان ينظر إليّ بهذه الطريقة؟
بعد عقود اندلعت الثورة السورية عام 2011، و اد النظام ليكرر مجازره. يومها كنا مجموعة نتحدث عن القتلة، وهل يستطيعون عيش حياتهم بهدوء بعد ارتكاب جريمتهم. كانت وجهة نظري أن شخصين لا ينسيان الضحية هما، أمه والمجرم الذي قتله. ما إن انتهيت من شرح فكرتي حتى طفت من أعماق ذاكرتي تلك النظرة التي كان يرمقني بها الجندي السابق بالقوات الخاصة. كم عجيبة هي الذاكرة لقد احتفظت بتلك النظرة، التي لم يستطع الشاب الصغير فهمها. في تلك اللحظة فهمت كل شيء. باتت الأمور واضحة، تذكرت أثاث المنزل. هل كان مسروقاً من حماة؟ تذكرت انقباض ملامح وجهه حين عرف أني من حماة. تذكرت تخليه عن متابعة المباراة التي ينتظرها. تذكرت الروايات التي سمعتها عن مجرمي القوات الخاصة الذين تمركزوا في الملعب البلدي، أيقنت أنه كان يتساءل بينه وبين نفسه إن كان أبي أو أخي أحد من قتلهم، أو أن الأثاث الذي نجلس عليه ربما كان مسروقاً من بيت أهلي. لقد فهمت كل شيء متأخراً.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الشريف الرضوي أبو تاج الحكمة الأول وارث الخاتم النبوي السماوي الابجدي المقدس:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اتطلع الى تواصل مع الكاتب ثائر الدوري فقد كان زميلي في المدرسة
    [email protected]

اشترك في قائمتنا البريدية