النقد ترجمان.. فلا تظلموه

صار مألوفاً أن نقرأ بين الفينة والأخرى مؤاخذات توجه للنقد من قبيل أنّه وصل إلى طريق مسدود أو أنه طفيلي يقتات على الأصلي، فلا بد من قلعه وتجنيب الأدب خطورته، أو أنه منغلق على نفسه حبيس الجدران ورهين لغته، فلم يخرج إلى العالمية، أو أنه هالك لا محالة انتفت الحاجة إلى إحيائه؛ بل أن الذين يمارسونه أناس لم يؤدوا ما ينبغي عليهم تأديته، وأخفقوا في تأكيد دورهم الذي نجح السابقون من النقاد في تأديته؛ مع أنّ الزمان تغير، وصار يسيراً ما كان يعد صعباً سابقاً من ناحية الظفر بالمصادر وترجمتها ومتابعة الجديد منها.. وهلم جرا من المؤاخذات والتقولات التي تنمُّ عن نيّة مبيَّتة تريد النيل من النقد، متهمة إياه بالركود والشحة والإخفاق والنبذ.
وعادة ما تأتي مثل هذه المؤاخذات من أدباء يمارسون النقد، وأحيانا من نقاد يتباكون تحسراً وتحسفاً على النقد، غير مؤشرين على هناته، ولا مقيدين سلبياته. ليظل كلامهم جزافياً عاماً يرفع هذا وينتقص ذاك بمعيارية عافاها النقد منذ أن أصبح منهجياً وتعلمن وتعولم وصار متداخلاً وانفتاحياً.
ومثل هذه المؤاخذات والادعاءات بكل ما فيها من التأنيب والتوبيخ ولفت النظر والازدراء قد تكون بنّاءة إنْ هي حملتْ حلولاً أو قدمتْ معالجاتٍ، وتبنت مقترحات تقوّم عمل الناقد وتطوّر النقد، وتخرجه من مزاعم الأفول المميت، وظنون الطريق المسدود، واحتمالات الخيبة القاتلة.
فلماذا لا نستحثُّ ــ بدل كل هذا التحسر والتوجع والمؤاخذة ــ في ناقدنا العربي همتّه لأن يصنع ثقافته الشعرية والسردية والنقد نقدية التي فيها له نظريات واجتراحات خاصة نباركها نحن أبناء جلدته قبل غيرنا؟ ولماذا تعمل اتباعيتنا وعقدة النقص فينا على إعلاء شأن الناقد الغربي بينما لا نهتم بشأن الناقد العربي إلا إذا كان مقيماً في كنف الآخر الغربي أو دارساً على يديه؟ ولمَ لا نستعيد زمناً كانت فيه لحضارتنا يد طولى على غيرها فنأتي بها إلى حاضرنا حية نابضة نستلهم منها ما يجدد فينا العالمية ويمنحنا العولمية الحقيقية التي عرفها أسلافنا قبل قرون خلت؟ كيف لنا أن نُغرق حالنا في التفكير في درك خيباتنا ولا نرتقي بفكرنا لنتأمل حالنا النقدي ونجد فيه بعض الأمل في صناعة جيل يمكن له أن يقاوم بالنقد فراغ الحياة واستهلاكيتها ويجابه الرداءة بكل معانيها ومجالاتها؟ ما بال مؤسساتنا التي تطرح نفسها بشكل إعلامي أو غير إعلامي بأنها راعية للثقافة والمثقفين والنقد والناقدين وهي تقف بانحيازية مقيتة فتقرب الخاضعين لها رافعة من شأنهم، مهمشة المستقلين عنها غير الخاضعين لأجنداتها؟
إن ما يواجه النقد الأدبي اليوم من طعن وتسفيه وتحامل وتسطيح هو نفسه ما واجه جيل النقاد الرواد ومنهم طه حسين الذي دفعه التقول على النقد إلى كتابة سلسلة مقالات في شكل محاورات افترضها تخييلياً بين الناقد وقارئه، وموضوعها الشعر الجاهلي معنونا المقالات بـ»ساعة مع شاعر جاهلي» وتبدأ كل محاورة وقد قرأ القارئ قصيدة للبيد أو طرفة أو زهير فلم يفهم مقصد الشاعر ولا تذوق شعره ومن ثم لا يجد بداً من أن يسأل الناقد عن السبب الذي يجعله لا يجد لذة في شعر الجاهليين مثل تلك التي يجدها حين يقرأ شعر المحدثين.. فيجيب الناقد واصفاً حاله بالترجمان ما بين الشاعر والقارئ، آخذاً بأداء عمله مفسراً ومحللاً ومعبراً، مفيداً القارئ موصلاً إليه جماليات لم يكن ليعرفها من دونه كناقد.
وما يمرره طه حسين من أفكار في محاوراته الافتراضية هذه سببها هو أنّ الناقد كائن ليس له سلطان على القارئ سوى سلطته المعرفية فلا هو بالناهر ولا المنفر ولا الموبخ ولا المسفه ولا المؤاخذ، ولهذا أكثر من استعمال عبارات المودة والاحترام التي بها يتقرب من قارئه، من قبيل مخاطبته بـ»يا سيدي/ اظنك تلاحظ يا سيدي/ ولعلك توافقني/ لا بأس عليك/ وأنت يا سيدي مخطئ أشد الخطأ حين تظهر ما تظهر من الضجر/ انظر معي الى هذه الصور../ أني قد أجملت وأسرفت في الإجمال/ وأني قد تجنبت التفصيل/ أظنك قد لاحظت هذا»، حتى إذا انتهى الناقد من نقد/ ترجمة الشعر أوصل قارئه إلى الفهم فاعترف له الأخير بالتميز قائلا: «ما أحرصك على الفوز وعلى تسجيل الظفر لنفسك» ــ حديث الاربعاء ص48.
قوة النقد إذن هي في قوة الذي يمارسه، والنقد ترجمان متى ما كان الناقد قادراً فعلاً على الترجمة وليس التعقيد والتعصي أو الاكتفاء بالعرض والتلخيص فذلك كله ليس من النقد. وما مشكلتنا في النقد سوى أننا نعمم أحكامنا ونطلقها إطلاقاً بلا اعتبارات لمستويات النقاد ومعايير العمل النقدي التي بها تتباين القدرات في أداء الوظيفة النقدية التي تتغير بتغير الظروف والسياقات وتجدد الوسائل والأدوات فما لا يقنع الناقد اليوم كان بالأمس يقنعه، ومن يعمل بمنهجية واحدة سيعمل غدا بمنهجيات. والقصد هو الوقوف على مزيد من مواطن الجمال في النص واستخلاص أغراض شاملة تسمو بعمل الناقد سواء في تحليل الشعر أو السرد من دون أن ينسى العصر وطبيعة الفن.
وهذه هي لذة النقد، وهذه هي صعوبته معا، يقول طه حسين: «إن النقد صناعة ليست باللذيذة ولا المحببة إلى النفس فهي تكلف الناقد ضروبا من المكروه وألوانا من الألم قد كان يستطيع أن يستغني عنها لو صرفه الله عن هذه الصناعة ولكنها مع ذلك صناعة نافعة أو قل لازمة أو قل لا حياة للأدب بدونها ولا قوام له من غيرها» ــ حديث الأربعاء، ص643.
ولا ينبع الفعل النقدي إلا عن حاجة طبيعية بها يكون الحراك المعرفي حراً وإرادياً فيشحن دينامية الحياة بالعلمية والأدبية والفنية. وبخلاف ذلك لا نفع في النقد ولا خير فيه.
وما تمنى طه حسين حصوله هو وجود الناقد المنقر أي الباحث الدارس الذي يجعل الناس يفهمون النقد على حقيقته وليس كما يشاع عنه بفهمين متناقضين تناقضاً شديداً وكلاهما خاطئ سيء الأثر، «فمنهم من يفهم من النقد حمداً خالصاً وثناءً طيباً وتقريظاً من غير تحفظ والنقد عند هؤلاء ضرب من المدح يقصد منه ترويج الكتاب.. ومنهم من يفهم النقد على أنه طعن وقدح وتجريح ودلالة على السيئات.. وفي الحق أن الصلة بين النقاد والمؤلفين دقيقة بطبعها لا تخلو من الحرج.. ولكن شيئاً ينقصنا مع هذا وهو أن نقدر العلم حق قدره ونؤمن بأن لا قوام للعلم بغير النقد ولا أكاد أفهم أن رجلا يستحق أن يوصف بأنه عالم أو أديب أو من طلاب العلم والأدب إذا لم يكن يقدِّر النقد وحاجة العلم والأدب إليه» ــ حديث الأربعاء، ص649.
ولا ناقد أدبياً سوى من كان حراً طليقاً في توظيف أدواته وانتقاء نصوصه والتأشير عليها مقترباً بالحرية من الحقيقة التي هي بغية النقد ومطلبه. وهي ليست بدعة من البدع الأخلاقية ولا ضرباً من ضروب التقويم والمجاملة والتربية الاجتماعية والسياسية، فذلك ما لا تحتمله صناعة النقد ولا ترتضيه، لا في زمن طه حسين، ولا في زمن ادوارد سعيد، ولا في زمننا الذي فيه الناقد ما زال ترجمان الأدب فلا هو بالسلطان يحمل صولجانه ولا هو بالحكيم صاحب الناموس يعتلي به عرش العرفان، بل هو حياة الأدب وروحها ومظهر من مظاهرها. وبالنقد يتمكن من تحويل ما فيها من جهل وعتمة وضعف وإسفاف إلى علم وجمال وتشارك وقوة ونماء.
* كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عصام:

    لست اديبا، ولا اتقن الشعر واصنافه. لكن النقد العقلي للقيم يهدمها ولا يبني بديلها. والمحصلة هي معاناة النظام العام والجنس البشري.

  2. يقول القارئ:

    بالنسبة لخلاصة النص:
    [ولا ناقد أدبياً سوى من كان حراً طليقاً في توظيف أدواته وانتقاء نصوصه والتأشير عليها مقترباً بالحرية من الحقيقة التي هي بغية النقد ومطلبه]… انتهى الاقتباس
    بالعكس تماما، يا عزيزتي نادية هناوي، الناقد الأدبي الحقيقي، إن كانت ثَمَّةَ حاجة علمية لوجوده في عالم الأدب على الإطلاق، هو الذي عليه أن يبتعد كل الابتعاد عن صفة «الانتقائية» بأي من معانيها القريبة والبعيدة، وهو الذي عليه أن يتوخى كل التوخي، في المقابل، كل صفات «الموضوعية» و«البنائية» في الصدق والنزاهة واللاتحيُّز وشرف الكتابة، قبل كل شيء !!!؟؟

    1. يقول القارئ:

      وبالنسبة للعبارة الأهم في مقدمة النص:
      [بل أن الذين يمارسونه أناس لم يؤدوا ما ينبغي عليهم تأديته، وأخفقوا في تأكيد دورهم الذي نجح السابقون من النقاد في تأديته]… انتهى الاقتباس
      هناك العديد ممن يسمون أنفسهم الآن «نقاد أدبيين» كانوا، في المقام الأول، قد فشلوا في بواكير محاولاتهم الأدبية، على اختلاف أجناسها، فتحولوا بسبب من هذا الفشل إلى «نقاد أدبيين» بمثابة إجراء نفسي تعويضي في صنعة الكتابة ؛ وخير مثال على ذلك الكاتب الصحافي في هذه الجريد، صبحي حديدي، الذي اعترف بعظمة لسانه في أكثر من مناسبة بأنه حاول في بداياته الأدبية في كتابة الشعر ولكنه سرعان ما تيقن بأنه ليس أهلا لهذه الصنعة – وهذا، لعمري، اعتراف نبيل فضيل في حد ذاته !!!؟؟

  3. يقول S.S.Abdullah:

    هل هناك علاقة بين مهنة (السّاخر)، ومهنة النّاقِد، في أي مجال، بداية من إقتصاد الدولة، في أجواء سوق العولمة، أو ثقافة النحن كأسرة إنسانية، بالذات،

    هو أول ما خطر لي عند قراءة عنوان (النقد ترجمان.. فلا تظلموه)، والأهم هو لماذا؟!

    لأن بيت الحكمة، تم تأسيسه في العصر العباسي، في بغداد يا (د نادية هناوي) من أجل (تدوين) مهنة الترجمة بين اللغات، والألسن بالذات،

    والإعلامي (مالك التريكي) من تونس، وعن موضوع مشاكل (أهل الفلسفة) الأخلاقية،

    نشر مقال تحت عنوان (إدوارد سعيد وقصة ترحيل فوكو من تونس) بينما في نفس اليوم موقع جريدة القدس العربي عن نفس الموضوع،

    نشرت عنوان (مجلة فرنسية: هذا مضمون ورقة ماكرون في امتحان الفلسفة للباكالوريا.. وهذه العلامة التي حصل عليها)، تحت مفهوم (كذبة أبريل)، ولكن السؤال بالنسبة لي،

    هل الزواج من أهل التمثيل ومادة تدريسه، له علاقة بفلسفة التمثيل، التي لا تمثل الحقيقة الفلسفية، بالنسبة (لمانويل ماكرون)، مثل (ميتران)، أم لا؟!

  4. يقول S.S.Abdullah:

    لأن بعد فشل الإتحاد السوفيياتي، الاقتصادي، ظهر فشل الإتحاد اليوغسلافي، وبدأت عملية تقسيمه، فكان أن تسرعت أوربا بالاعتراف بالدول الجديدة، قبل التدقيق، بماهية هذه الدول،

    وحالما تم اكتشاف، دولة إسلامية، أعلن (ميتران) بشكل علني موقفه السلبي، من هذه الدول الإسلامية، وعلى ضوء ذلك بدأت الحرب في دول البلقان،

    ولم يهدأ بال فرنسا بالذات، حتى تم إلغاء، أي مفهوم كدولة إسلامية داخل أوربا، وهو السبب لعدم قبول (تركيا) عضو، أصلاً،

    كحقيقة (فلسفة) بسبب الأخلاق، لأن، فرنسا ومسؤولي قناة السويس، منذ التأسيس، وحتى يختلفون عن مسؤولي مطار بيروت، أو بقية نقاط أي حدود تتبع وزارة النقل، في أي دولة من دولنا، يا زياد؟!

    انتبه إلى معلومات (عبدالله الشريف)، في الرابط التالي

    https://youtu.be/08O8QZroWJc

    أو ما ورد فيما جمعه (محمد باكوس)، من زاوية أخرى

    https://youtu.be/YdExHti66A0

    ولا حول ولا قوة إلّا بالله، على مستوى الأفراد، فكيف على مستوى الدول، بمعنى هل الكيان الصهيوني أو لبنان، في موضوع العيش على المساعدات الخارجية، يختلف عن الأردن منذ مائة عام، عند تأسيس دول كيانات سايكس وبيكو؟!

    هو أول ما خطر لي على ما ورد تحت عنوان (الأردن دولة محورية في الشرق الأوسط تعتمد إلى حد كبير على المساعدات الخارجية)، ولكن الأهم إلى متى، وعلى حساب من؟!

  5. يقول S.S.Abdullah:

    لأن الفشل، في عام كورونا، والآن الفشل، في الوصول إلى إتفاق في موضوع اللقاحات، إن كان على مستوى الإنتاج أو التوزيع، لا يمكن تغطيته، في إعلان، هناك محاولة إنقلاب؟!

    عقلية الخُبث، في أن أتغدى به قبل أن يتعشى بي، لا تنفع مع الشفافية، واللا مركزية، والحوكمة الرشيدة بالذات،

    كشروط صندوق النقد والبنك الدولي وأخيراً معهد الحوكمة الكندي ومؤتمره الدولي في بغداد يومي 24 و 25/1/2018،

    وتكملة شروطهم الخمس كخلاصة الحكمة الانسانية، في الوصول إلى الدولة السعيدة، على أرض الواقع.??
    ??????

اشترك في قائمتنا البريدية