الهوية: من الفكري إلى حل المشكلات

نحتاج لتطوير مفهوم الهوية السردية كما نظرنا له انطلاقًا من التوتر بين التصور (التطلع) والتحقق أن نعمق أسئلة ما زالت معلقة، ويتصل الأمر بمعرفة ما إذا كان الفرد متطلعًا فحسب؟ وهل يُحدد بما يحققه من تطلع وما لا يحققه؟
ويقود هذان السؤالان إلى سؤال ثالث: من هو الإنسان؟ وكيف يُحدد الفرد انطلاقًا من انتمائه إلى هذه المقولة الإجناسية؟ وحتى نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي عدم حصرها في مجال الفلسفة، كما حُددت تقليديا، من خلال حصرها في مجالها المعرفي الخالص؛ أي من طريق محاولة فهم كيف تُمارس الحقول الأخرى السؤال الفلسفي وفق وسائلها الخاصة، خاصة في حقل الأدب، وفي مقدمة هذا السرد.
ما هيمن في تحديد الإنسان في العصر الحديث هو ربطه بالفكر وآلياته. وتحضر هنا دعوى ديكارت «أنا أفكر إذن أنا موجود» كما هي واردة في كتابه «التأملات» الجزء الثاني، سواء أفي التشيع لها من قِبَل من أتى بعده أم في نفيها. لكن ينبغي عدم إغفال كون ديكارت قد أقام هذا التحديد أيضًا على الإرادة (vouloir) أو عدمها، وعلى الخيال (imagination) والحس.
وإذا كان الفكر يُعَد فعلا بدروه فهو مرتبط بالإرادة؛ فقبْل التفكير تَرِدُ الإرادة فيه. وهذه الإرادة هي تطلع (تصور)، وكل تطلع هو في حاجة إلى تأويل يجعله مفهومًا في ضوء باعث أعلى؛ وما هذا الباعث سوى البقاء وتحسينه داخل ممكنات التحقق المرتبطة بالقدرة والوسائل من جهة، وبما يعترف به المجتمع من تنصيبات رمزية للأفراد داخله من طريق ثنائية (الشرعي/ غير الشرعي) من جهة ثانية. هذا ما يهدف السرد إلى معالجته وتمثيل صيرورته تخييلًا. ومن ثمة ينبغي تعميق مفهوم الإرادة الأنطولوجي والظاهراتي في علاقته بالكينونة – التي هي نتاج توتر بين لازمنيتها ولا تاريخيتها التي تُشكل أولانيتها الأولى (الرحم: الاكتفاء الذاتي) والصيرورة المتصلة بالوجود الزماني- المكاني الذي هو مغالبة النقص وعدم الكفاية- ولا يتيسر تصور هذا التعميق إلا في إطار سؤال المشكلة (ليس بالمفهوم الغولدماني) بوصفها مفهمة للأزمة في السرد. وقبْل هذا نحتاج إلى نقد البعد الفكراني الذي أعطي للوجود؛ فليس ما يُحدد الهوية الإنسانية هو الفكر بوصفه ما يدوم في الفرد على الرغم من التغيرات (ضدا على باسكال ومونييه في الإجابة عما هي الأنا moi)، وإنما شيء آخر مختلف يحل محل «أنا أفكر إذن أنا موجود».
لقد أثبتت الدراسات العلمية المعاصرة أن الحيوان يستطيع تعرف نفسه، وأنه له قدْر من التفكير أيضًا، لا الذكاء فحسب. كما أن مسألة الشك ليست حكرًا على الإنسان؛ فالحيوان يرتاب أيضًا، خاصة في الأشياء التي لم يسبق له تعرفها. وما هذا الشيء المختلف سوى القدرة على حل المشكلات واصطناعها في إطار مغالبة نقص العالم، وتجويد البقاء بفهمه وجعله طيعًا لنا. ولا ينفلت الفكر- هنا- من هذا التحديد؛ فهو مجرد قدرة على حل المشكلات واصطناعها؛ وينبغي ربط القدرة- هنا- بمفهوم الإرادة (التطلع). وليست الهوية في نهاية المطاف سوى التحققات التامة على هذا المستوى؛ أي ما يُستطاع من حلول في صدد مشكلات تُصادف الإنسان في ترويض نقص العالم بغاية تحسين البقاء؛ بما في هذا مشكلة تعرف العالم المحيط به، وما يُثيره من التباسات في تعاطيه وفهمه.
إن الذات تتعرف قدراتِها في حلها المشكلات وتبصر أسبابها واختيار الوسائل الفعالة لفعل ذلك؛ ومن ثمة تتعرف هويتها التي تتجلى أكثر في ما يُمْكِن أن تُضيفه إلى العالم من طريق اصطناعها الحلول، وتحديدها تبعًا لهذا ما ينبغي إعادة النظر فيه من عادات في الحياة، وفي النظر إلى الأشياء والموضوعات. وتتحدد الذات في الوقت ذاته – وفق التجديل بين الإثبات والنفي- في ما لم تستطعه من حلول، وما تتركه للزمان المستقبلي بغاية حله، كما تتحدد في إعادة النظر في الحلول والوسائل التي كانت تنتهجها في القديم في صدد المشكلات عينها.
وينبغي إعادة النظر في هذا النطاق في مقدمة بول ريكور التي ينطلق منها في تحديد الهوية السردية، التي مُفادها أن ما يحكيه الإنسان عن حياته هو ما يُحدده، ويجيب عن سؤال «من هو؟». فما هو محدد سرديًا في الحكي هو الانقلاب في الحياة (سيسيل دو ريكيل- فريديريك دولْوِيغ) أي الانتقال من وضع إلى آخر (الحبكة المركبة)، ومن ثمة فإن الأمر يتصل- في هذا الصدد- بوضع الأزمة سردًا، والمشكلة بوصفها مفهمة له. وهذا ما يُميز حياة الأفراد عن بعضهم بعضا. وما أن نصل إلى هذا التحديد النظري يرتفع كل حكي ينصب على الحياة العادية للأفراد التي تُعَد داخلة في باب المشترك بين الجميع، ولا تتوفر على شرط «الاستثنائي» الذي هو نتاج تضافر الأزمة (المشكلة) وإرادة مميزة لحلها؛ فليس حكي الحياة هو ما يُحدد الفرد، بل الحياة المنقلبة التي تجعله في مواجهة مشكلات ينبغي تجاوزها بحلها أو التكيف مع ما تصطحبه معها من إكراهات. وينبغي في هذا الإطار استبعاد كل العادات التي هي مرتبطة بالفعل المستجيب، الذي لا يتأسس على التمعن، وتقليب النظر في نتائجه أو يَغلُب عليه الطابع الغريزي. كما أن التاريخ الشخصي لا يكُون دالا على الهوية إلا بما يتميز به من أزمات (مشكلات) وحلول؛ فهذان الأخيران هما ما يمنحان المشتت والمضطرب وبقايا الذكريات طابع الانتظام، ومن ثمة تختلف الهويات الفردية باختلاف انتظامها الناجم عن نوعية الانقلابات التي ميزت الحياة الشخصية لكل ذات مفردة.
وما يجعل من مقدمة بول ريكور في حاجة إلى إعادة النظر أيضًا، أن ما يحكيه الأفراد عن حياتهم الخاصة ليس صافيًا إلى الدرجة التي يُمْكِن عده كافيًا في تحديد الهوية؛ إذ غالبًا ما يُخفي بعضهم عناصر مهمة من حياتهم الخاصة؛ وقد تكُون لهذا المخفي المسكوت عنه أهمية أكثر مما هو ظاهر محكي؛ والتحليل النفسي يُعلمنا الشيء الكثير في هذا النطاق. إذن ليس ما يحكيه الأفراد عن حياتهم هو ما يُحددهم وحسب، بل أيضًا ما لا يحكونه من عناصر بفعل دوافع نفسية مانعة. وينبغي ألا نتجاهل ما يُضفيه الأفراد من طابع خيالي على بعض أفعالهم من طريق الادعاء الذي يُجانب الحقيقة؛ ومن ثمة يُعَد صنيعٌ من هذا القبيل دليلًا على أن الهوية هي أيضًا نتاج الآمال غير المتحققة في الواقع، ونتاج تعويض الخيبات بما يضادها على مستوى التخييل. ومن الأكيد أن هذا التعويض الخيالي للخيبات هو شكل من الحلول لمشكلات حادثة في الواقع. ويبقى هناك سؤال مهم: هل السرود التي تدمر الحبكة لا تندرج في هذا الإطار؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في المقال المقبل.

٭ أكاديمي وأديب مغربي

الهوية: من الفكري إلى حل المشكلات

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول حمودان عبدالواحد/ كاتب عربي واكاديمي من فرنسا:

    شكرًا للكاتب المحترم!
    موضوع الهوية من أخدع المواضيع التي جرّت الانسان الى تخيل أشياء عن نفسه وذاته ليست لها أية علاقة بالجوهر الفعلي لوجوده ! وكلمة الهوية، مع تسليمنا بأنها موضوعة اي انها نتاج الوضع كما هو شان كل الفاظ الكلام الإنساني، هي في حد ذاتها حيلة وخدعة ليس الا. هذا مع العلم ان بعضهم يرجعها الى ضرورة اقامة الانسان في اللغة تعويضا له لعجزه عن السكن في العالم الطبيعي. يعرف الانسان بكل ما أوتيت قواه العقلية والحدسية والشعرية والروحية انه غير قادر على ان يسكن في روح الأشياء الطبيعية او يفهمها فهمًا تاما الى درجة الاصغاء اليها او التكلم معها او الاتحاد بها والالتحام معها. لهذا لجأ الى وسيلة رمزية تتمثل في اللغة، بألفاظها وبنياتها، قصد التواصل مع أشياء وكائنات العالم بما في ذلك الانسان نفسه. لكن هذه الوسيلة الرمزية الهادفة لقراءة العالم وفهم الحياة هي محاولة تقريبية لا توافق ادواتُها تماما عين الواقع الموضوعي والطبيعي المكون لحقيقة الأشياء في كينونتها الوجودية.
    ومن الطبيعي إذن ان لا توفي كل سرود الحكي في اللغة وحبكاتها الأدبية والثقافية بما تتطلبه ما يُسمّى هوية الكاتب او الراوي او الشخصية الرئيسية. والغريب في الكلام عن الهوية هو السعي الى تعريفها، ودائما بإلصاق أوصاف ونعوت وخصائص الى الشيء او الظاهرة او الحيوان او الانسان المتوخى تحديد هويته. كيف يمكن للاوصاف وهي تحيل الى ما هو عرضي وحدثي وخارجي ان تعرف وتحدد هوية الأشياء او الانسان التي تعني الكنه الوجودي واقعيا ومكانيا، وموضوعيا وطبيعيا؟
    المفارقة اللافتة في محاولات القول والكتابة عن هوية الانسان انها، على اعترافاتها بحقيقة الواقع المتغير المستمر للاحساس والتفكير والخيال والارادة عند الانسان، تصِرّ على التثبت بالكلام عن الانسان المالك لهوية او هويات. الشيء الذي يجعلها تنزلق الى فضاءات ضيقة وعوالم منغلقة على نفسها ومقطوعة عن عوالم الحياة الاخرى. الانسان له هوية واحدة ان صح التعبير وهي انه إنسان،
    وبما انه لا وجود لقوانين تثبت عليها الحياة، فان هوية الانسان كما هو فكره او حسه، وكما هو الماء، يتلون بلون الاناء الذي يوجد فيه. لا شيء في العالم يستمر على ذات الحال او يستقر في نفس الهيئة. فما الانسان إذن أكان كاتبا ام سياسيا ام كائنا اجتماعيا عاديا، وهو يتمثل بالطبيعة والثقافة العالمٓ تحت تاثيرات التحولات الدائمة له؟

  2. يقول عبد الرحيم جيران:

    شكرا الصديق العزيز حمودان عبد الواحد على جميل التفاعل؛ ولطيف الإضافة، ولننطلق من كون النفي لا يعني عدم وجود الشيء، وإنما هو مكون له أيضا؛ ويهذا فإننا بنفي الهوية نثبت وجودها من حيث هي على الأقل شيء ننفيه، إننا لا ننفي غير الموجود، بل الموجود، وعلى العموم فإن ما طرجتَه يكتسي أهمية قصوى، وقد ُأثير فلسفيا من خلال تصورات إشكالية، وفي مقدمتها المستمر والمتغير، كيف نحدد هوية الأنا إذا كان من الصعب القبض عليها، وكانت التغيرات تطول الكائن؛ وبخاصة مظهره الخرجي وعلاقاته وعاداته؟ هذا نقاش نجده واردا بكل قوة عند باسكال، ومونييه، كما أنه ورد تقريبا عند جل الفلاسفة، كلٌّ وفق تصوره النظري. لكن ما يهم هنا هو تعرف الكائن، وتمييزه من غيره، بما يعنيه هذا من فواصل حادة (من الحد limite)، وإلا صار الوجود واحدا، وصار الأسد هو الشجرة وهو الإنسان. وتتضمن اللغة في صلبها هذه الفواصل التي تمكننا من التواصل والاتفاق على تعاطي العالم وتأويله. وتُثار في هذا الإطار مسألة الاقتراب والابتعاد من الحد- الهوية، بما يعنيه هذا من انتماء، ومن فروق. لكن كيف يحدث التحديد الهوياتي وفق مسألة التعرف المذكورة داخل مجال السرد، مع ضبط هذا التحديد، لا من خارج أسئلة السرد، بل من داخلها؟ هذا ما كان وراء جل المقالات التي نشرناها تباعا حول الهوية السردية، ومن ضمنها هذا المقال. مودتي

اشترك في قائمتنا البريدية