فتاة تحمل العلم الإيراني خلال احتجاج ضد المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، في بيروت، لبنان، 10 نيسان/أبريل 2026 (رويترز)
تسفي برئيل
قد يحسم لبنان اليوم مصير وقف إطلاق النار مع إيران. وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، المرشح لرئاسة الوفد الإيراني في محادثات السلام، قد حذر، الخميس، من أن “لبنان وكل محور المقاومة، جزء لا يتجزأ من وقف إطلاق النار”، وأن أي خرق لوقف إطلاق النار، بما في ذلك في لبنان “سيؤدي إلى ردود فعل شديدة”. ومع ذلك، خلافاً لتصريحاته وتلميحاته السابقة، لم يصرح قاليباف بشكل قاطع أن إيران لن تشارك في لقاء إسلام آباد إذا لم يتوقف إطلاق النار في لبنان.
قاليباف (66 سنة)، الذي كان في السابق رئيس بلدية طهران وقائد سلاح الجو التابع للحرس الثوري ورئيس الشرطة، والحاصل على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، سيجد صعوبة في تفويت هذه الفرصة التاريخية لقيادة إيران من “النصر العسكري” إلى النصر السياسي الذي سيحدد مكانتها الإقليمية والدولية بعد الحرب. بالنسبة له تعتبر المفاوضات، إذا جرت، جبهة أخرى لا تنفصل عن الجبهة العسكرية، وهو ينوي كسبها على مراحل؛ أولاً، ترسيخ وقف إطلاق النار وفقاً للشروط التي تمليها إيران، وبعد ذلك صياغة اتفاق شامل.
لذلك، فإن لبنان ليس مجرد قضية تتعلق بمستقبل حزب الله ومكانته في “حلقة النار” أو امتحان لولاء إيران لحلفائها، الذي قد يكون لنتائجه تداعيات على مستقبل المليشيات الشيعية في العراق، ونفوذ إيران في هذه الدولة. هذا امتحان لقدرة إيران على الصمود أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، وسيقاس من خلاله حجم قوتها في المراحل القادمة من المفاوضات مع الولايات المتحدة.
في مواجهة الرؤية الاستراتيجية لإيران، تصور إسرائيل بدعم ترامب، الساحة اللبنانية كجبهة تكتيكية منفصلة ومستقلة، وكأنها لا تمت لإيران بصلة. وترى إسرائيل أن الحرب التي تُشن ضد حزب الله تهدف إلى ضمان أمن سكان الشمال. تكمن المفارقة في أن إسرائيل خلال سنوات وجود حزب الله قالت وبحق إنه منظمة إيرانية، وجزء لا يتجزأ من النظام، وإنه يشكل تهديداً وجودياً على إسرائيل باعتباره الحلقة الأقوى في حلقة النار. انطلاقاً من ذلك، استنتجت إسرائيل بأن انهيار النظام في إيران هو وحده الكفيل بانهيار شبكة حلفاء حزب الله، وبالتالي، القضاء على مكانته كتهديد رئيسي.
خلافاً لتوقعات إسرائيل الوهمية، فالنظام الإيراني لم يسقط؛ فهي دولة مستقرة وفعالة، وفي نظر ترامب أصبحت طرفاً شرعياً في الحوار. لذلك، اقتنع الرئيس بإدراج طلب قطع علاقة إيران مع حلفائها في خطته التي تتكون من 15 بنداً. بكلمات أخرى، إذا لم تكن هناك إمكانية أو رغبة في إسقاط النظام، فلا بد من السعي إلى تقليص نفوذه الإقليمي، الذي لا يهدد إسرائيل فقط، بل دول المنطقة وممرات الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر. قد يحقق استمرار الحرب في لبنان بعض الإنجازات التكتيكية التي يمكن التفاخر بها، مثل اغتيال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، أو تدمير مستودع للسلاح أو منصة أخرى لإطلاق الصواريخ، ولكن إيران على الصعيد الاستراتيجي حولت لبنان إلى جبهتها الرئيسية، ما يهدد خطة عمل ترامب الآن.
نظرياً، وضعت إيران ترامب على مفترق طرق: هل سيلتزم بدعم إسرائيل ومواصلة حربها على حزب الله ويخاطر بانهيار المفاوضات مع إيران قبل أن تبدأ، أم سيفضل “الجائزة الكبرى” التي يأمل في حصدها من الحوار مع النظام نفسه الذي سعى إلى إسقاطه؟ لقد تلاشت أمس هذه المعضلة النظرية، بل يمكن القول “تلاشت كما هو متوقع”. استمر تأكيد ترامب على أن لبنان جبهة منفصلة، وأن وقف إطلاق النار لا يشمله لمدة 24 ساعة، وهي مدة طويلة نسبياً لرئيس يغير مواقفه كل ربع ساعة، ويبني واقعاً من شظايا أحلام. هذه المرة لم يكن القرار صعباً، وهو ما يشير إلى درجة انزلاق المنحدر الذي تدير فيه إسرائيل علاقاتها مع الإدارة الأمريكية. لقد طلب ترامب من نتنياهو خفض الهجمات في لبنان، ثم أعلن نتنياهو بأنه “أصدر تعليمات” للبدء في مفاوضات مباشرة مع الحكومة اللبنانية لمناقشة نزع سلاح حزب الله والتوصل إلى تسوية سلمية بين الدولتين.
لم يعد ضرورياً الآن الخوض في تفاصيل خطاب فارغ وعدائي لرئيس الحكومة ووزير دفاعه، اللذين وعدا بـ “حرب حتى النهاية” ونزع سلاح حزب الله وسحق تهديده للبلدات في الشمال. لكن من غير الضروري اتهام الحكومة بفشل دبلوماسي ذريع وعدم فهمها لدوافع تحركات ترامب وإيران الدبلوماسية، وتفويت الفرصة السانحة من الحكومة اللبنانية قبل الحرب، عندما عرضت عليها إجراء مفاوضات دبلوماسية مباشرة معها. لم تشاهد إسرائيل إلا ضعف الجيش اللبناني وعجزه عن نزع سلاح حزب الله. لذلك، قررت تولي المهمة. ولكن الجيش الإسرائيلي نفسه أعلن بأن نزع سلاح الحزب بالكامل مهمة غير واقعية، وأن الحل السياسي وحده كفيل بتقليص حجم الخطر.
كانت الحكومة اللبنانية مستعدة بالفعل لحل سياسي. لم تنتظر المفاوضات مع إسرائيل لعرض نزع سلاح حزب الله مقابل اتفاق. لقد بدأت رحلتها قبل سنة وربع تقريباً بإعلان مبادئ ينص على وجوب خضوع كل السلاح في البلاد لسيطرة الدولة، وعدم السماح لأي هيئة أو منظمة أو فرع بحمل السلاح. عملياً، نفى هذا الإعلان، الذي استند إلى أوسع دعم سياسي وشعبي، شرعية حزب الله العسكرية بشكل صارخ وغير مسبوق. في الصيف الماضي، أضافت الحكومة سلسلة من التوجيهات العملية، شملت نشر الجيش اللبناني في جنوب الدولة ومصادرة سلاح حزب الله والاستيلاء على المستودعات والقواعد التي يستخدمها. ومؤخراً، أمرت الجيش باعتقال أي شخص يخالف هذا الأمر ويمتلك سلاحاً غير مصرح به.
لم تكن النتائج مرضية، فقد واصل حزب الله ترسيخ وجوده في جنوب لبنان. وكما نشر ينيف كوفوفيتش هنا، فقد عاد للعمل بهيكلية عسكرية شبه كاملة، مع تسلسل هرمي قيادي منظم ومنسق. ورغم تراجع قدراته العسكرية فإنه شن حرب استنزاف فعالة ضد الجيش الإسرائيلي، الذي أصبح جنوده هدفاً سهلاً، وضد البلدات داخل إسرائيل. كان رد إسرائيل مقتبساً من كتاب تعليمات تشغيل غزة، الذي يتمثل في توسيع الشريط الأمني بمسافة 8 – 10 كم داخل أراضي لبنان، باعتباره الجدار الواقي الأخير. تعاملت إسرائيل مع الحكومة اللبنانية مثلما تتعامل مع السلطة الفلسطينية، واعتبرت الجهود الدولية التي تهدف إلى التوصل إلى حل سياسي، عائقاً أمام تقدمها العسكري.
صحيح أن الاتفاق مع الحكومة اللبنانية، الذي ربما تمت مناقشته بالفعل وربما سيتم التوقيع عليه بناء على توجيهات نتنياهو، لن يقضي على سلاح حزب الله في يوم واحد، وربما لن يقضي عليه بالكامل، ولكن مثل هذا الاتفاق قد يرسخ تنسيقاً أمنياً بين إسرائيل ولبنان، بما في ذلك التعاون الاستخباري ضد حزب الله وإيران، وتطوير جيش لبناني فعال بمساعدة الولايات المتحدة والدول الأوروبية وإنشاء مرافق رقابة مشتركة على الحدود، وربما حتى نشاطات عسكرية مشتركة، مثلما كانت الحال بين إسرائيل ومصر في الحرب ضد التنظيمات الإرهابية الإسلامية في شبه جزيرة سيناء، أو مثلما هي الحال في النموذج القائم بين إسرائيل والأردن.
مع تحول الحملة بين الولايات المتحدة وإيران من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي، تتغير الأولويات، وتبدأ “لعبة نتيجتها صفر”، حيث يعتبر أي إنجاز سياسي لإيران خسارة للولايات المتحدة وإسرائيل. وفيما يتعلق بلبنان، كانت إيران الأولى التي استغلت الفرصة التي تتيحها الحرب في لبنان، وسارعت إلى استثمار زخم المفاوضات مع الولايات المتحدة لتترأس دور الداعم والممول “نيابة عن لبنان” لاستمرار الحرب. وقد صرح الرئيس الإيراني أمس: “لن نتخلى عن إخواننا وأخواتنا في لبنان”. لم يكن يقصد حزب الله والطائفة الشيعية فقط، بل إن إيران تعتبر لبنان مثل مضيق هرمز. فإذا كانت إيران قد سمحت لوكلائها بحرية اتخاذ القرارات السياسية “وفقاً للظروف السائدة في كل دولة يعملون فيها”، مثلما قال خامنئي الأكبر، فطهران الآن تعمل على أن تصبح الراعية المباشرة للبنان، والمنقذة له من إسرائيل. وقد أدرك رئيس لبنان جوزاف عون جيداً تحرك إيران، وصرح بغضب أن “الحكومة اللبنانية وحدها هي التي ستقرر بشأن المفاوضات وليس طرفاً آخر”. مع ذلك، لم يكن لديه حتى أمس شريكاً إسرائيلياً يوقف معه محاولة إيران استعادة السيطرة.
مع ذلك، يجب النظر بعين الريبة إلى التراجع القسري الذي فرض على نتنياهو. فالتجربة معه تظهر أن فجوة كبيرة تفصل بين تصريحاته وتطبيقها. وكالعادة، على هذا الصعيد أيضاً، ستعتمد النتيجة على درجة تصميم ترامب على تحويل لبنان إلى انتصار آخر على إيران.
هآرتس 10/4/2026