السفير الأمريكي في فرنسا، تشارلز كوشنر
باريس- “القدس العربي”:
ما زالت قضية مقتل الشاب الفرنسي اليميني المتطرف كوينتان ديرانك قبل أيام، تثير الجدل في فرنسا، مع تجاوزها لطابعها الجنائي لتتحول إلى محور سجال حول العنف السياسي وتصاعد الاستقطاب الأيديولوجي في أوروبا والولايات المتحدة، وتثير سجالات دبلوماسية متعددة الأطراف.
فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن استدعاء السفير الأمريكي تشارلز كوشنر إلى مقر وزارة الخارجية احتجاجاً على بيان صادر عن السفارة الأمريكية في باريس عبر منصة “إكس” تناول قضية وفاة الشاب اليميني المتطرف الفرنسي إثر تعرضه للضرب قبل أيام في مدينة ليون.
وأكد بارو أن التعليق الأمريكي يتناول “مأساة تمسّ المجتمع الوطني الفرنسي”، معتبراً أن من غير المقبول أن تُستغل حادثة داخلية لإطلاق مواقف سياسية من الخارج.
وأضاف أن فرنسا “ليست في موقع تلقي الدروس” في ما يتعلق بمكافحة العنف أو التطرف، في إشارة واضحة إلى ما وصفه بـ”الأممية الرجعية”.
وشدد الوزير الفرنسي على أن بلاده ترفض أي محاولة لتسييس القضية أو توظيفها في سياقات أيديولوجية، مؤكداً أن القضاء الفرنسي وحده المخوّل بالتحقيق في ملابسات الحادث ومحاسبة المسؤولين عنه.
جاء التحرك الفرنسي أيضا بعد بيان رسمي صادر عن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبرت فيه أن “التطرف اليساري العنيف في ازدياد”، وأن دوره في مقتل ديرانك يُظهر التهديد الذي يشكله على الأمن العام.
وكتبت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للدبلوماسية العامة Sarah Rogers، في منشور عبر منصة “إكس”، أنه “عندما يُقتل أشخاص بسبب آرائهم بدلاً من إقناعهم، فإن ذلك يضع الفاعلين خارج إطار الحضارة”، مضيفة أن الولايات المتحدة تتابع القضية “عن كثب” وتدعو إلى تقديم المسؤولين إلى العدالة.
وقد عكس منشورها هذا ثم منشور السفارة الأمريكية في باريس، بحسب مراقبين ومحللين، توجهاً واضحاً لإدارة دونالد ترامب لربط الجريمة بسياق أوسع يتعلق بالعنف السياسي المنسوب إلى تيارات يسارية متشددة، وهو توصيف أثار تحفظاً في الأوساط الرسمية الفرنسية.
التوتر لم يقتصر على العلاقة الفرنسية- الأمريكية، بل سبق ذلك سجال في فرنسا وإيطاليا حول القضية ذاتها، بعدما دخلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على خط الجدل حول مقتل الشاب اليميني المتطرف الفرنسي.
نشرت ميلوني تعليقاً عبر منصة “إكس” اعتبرت فيه أن مقتل شاب في مقتبل العمر “على يد مجموعات مرتبطة بالتطرف اليساري في مناخ من الكراهية الأيديولوجية” يمثل “جرحاً لأوروبا بأسرها”.
ولم تصريحاتها دون رد من باريس، حيث دعاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التوقف عن “التعليق على ما يجري لدى الآخرين”، مشيراً بلهجة ساخرة إلى أن من يرفعون لواء القومية والسيادة الوطنية هم غالباً أول من يتدخل في شؤون الدول الأخرى.
من جهتها، نفت ميلوني أي نية للتدخل في الشأن الداخلي الفرنسي، معتبرة أن التعبير عن التضامن مع الشعب الفرنسي لا يمكن اعتباره “تدخلاً”. وأكدت أنها ترى “مناخاً مقلقاً” في عدد من الدول الغربية، من بينها إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة.
كما استعادت رئيسة الوزراء الإيطالية تجربة “سنوات الرصاص” التي شهدتها بلادها بين عامي 1969 و1980، في إشارة إلى مرحلة العنف السياسي التي ارتبطت بهجمات نفذتها تنظيمات يسارية متطرفة، إضافة إلى مجموعات من اليمين المتطرف. وذكّرت بأن بعض عناصر تلك التنظيمات وجدوا ملاذاً في فرنسا في تلك الفترة، في تلميح أثار بدوره جدلاً سياسياً.
للتذكير، كان كونتين ديرانك، البالغ من العمر 23 عاماً والناشط في أوساط يمينية قومية، قد توفي متأثراً بإصاباته عقب اعتداء تعرض له في مدينة ليون. وأثارت الحادثة صدمة واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية، في ظل اتهامات متبادلة حول خلفياتها الأيديولوجية.
ووفق المعطيات القضائية الأولية، تم توقيف عدد من المشتبه بهم، وجرى وضع بعضهم قيد الحبس الاحتياطي، بينما تتواصل التحقيقات لتحديد المسؤوليات والدوافع بدقة. وتشير السلطات إلى أن الملف ما يزال في عهدة القضاء، وأن من السابق لأوانه الجزم بالطابع السياسي للجريمة قبل استكمال التحقيقات، في وقت تحولت فيه هذه القضية الجنائية إلى أزمة سياسية تجاوزت حدود فرنسا.