نابلس- “القدس العربي”: مع دخول الحصار المفروض على مدينة نابلس يومه التاسع، ومع تزايد تهديدات جيش الاحتلال بالاستمرار في فرض الحصار الخانق، تصاعدت حملات ودعوات فك الحصار الشعبية والرسمية عن المدينة التي يصفها الفلسطينيون بـ”دمشق الصغرى”.
رويدا رويدا، بدأ الفلسطينيون في تشكيل حالة شعبية تضامنية مع المدينة المحاصرة. واستخرج الفلسطينيون من قاموسهم كلمات البلاغة والثناء والمديح بحق المدينة ونضالها، فهي العروس المدللة في شمال الضفة الغربية، كما أنها “مدينة البطولة والفداء، ومهلكة الظلمة، وجبلاها جملاها، وماؤها لا يغور، وظالمها لا يدوم” بحسب الحكواتي والباحث الشعبي حمزة عقرباوي.
واستحضر الدكتور والمثقف إيهاب بسيسو أغنية “كبروا الصغار يا جبل النار” من كلمات الراحل محمد أمين، وألحان الراحل فؤاد عواد معتبرا أغنية ثمانينات القرن الماضي خلال سنوات الانتفاضة الشعبية الأولى، أنها “تختصر ملامحنا من جديد”.
ويرى أن هذه الأغنية الوطنية التحمت بوعي الفلسطيني العفوي، لتصبح مرادفاً من مرادفات حياته اليومية، وما زالت “تؤنس ذاكرتنا الفلسطينية والعربية”.
وتابع بسيسو: “هذه الأغنية الموجهة لنابلس- جبل النار تختصر معنا ملامح الخارطة الفلسطينية وتقدمها بشكل مكثف لتعبر عن فلسطين وعن انتفاضة فلسطين الشعبية، فالأغنية تسترد إيقاعها اليوم ولحنها الخالد وكلماتها المُلهِمة وبراعة الدلالة وحضور فلسطين المستمر جيلاً بعد جيل، لتكون مجدداً عنواناً من عناوين المشهد اليومي في فلسطين النضال والصمود”.
وختم قائلا: “لم تهرَم الأغنية، لم يهزمها النسيان، لم تغب في متاهات الفوضى والحيرة والارتباك السياسي بل ظلت كما عرفناها منذ أكثر من ثلاثين عاماً مشبعة بكل الحيوية والكبرياء، أغنية، كأنها تولد اليوم من جديد، بنفس المعنى والحضور الملهم لنابلس التي تختصر مشهد فلسطين، وفلسطين المكثفة في مشهد نابلس، أغنية تولد مع جيل جديد، كما لو أنها عنقاء لا تعرف الهزيمة”.
ويطال العقاب الجماعي المفروض على المدينة ومحيطها ما يقرب من 425 ألف مواطن بحسب الناشط الحقوقي غسان دغلس، وهي تتكون من 55 قرية و4 مخيمات وفيها ما يقرب من 26 ألف طالب جامعي ينتظمون في جامعة النجاح الوطنية.
وتواصل قوات الاحتلال إغلاق حاجز حوارة جنوب نابلس للخارجين منها، كما تواصل إغلاق حاجز دير شرف غربا بالسواتر الترابية والمكعبات الاسمنتية. كما شهدت حواجز صرة، والمربعة، وبيت فوريك والحمرا شرق وشمال نابلس، وعورتا جنوبا منذ ساعات الصباح أزمة سير خانقة، بسبب عمليات التفتيش والتدقيق بهويات المواطنين، الذين يمرون عبر هذه الحواجز.
وبحسب دغلس، فإن حصار نابلس لا يؤثر عليها وحدها، إنما يطال أربعة مدن أخرى وهي جنين وطوباس وطولكرم وقلقيلية شمالي الضفة الغربية.
وتتصاعد منذ أيام المواقف الشعبية التي تجلت بإطلاق هاشتاغ: “بالمال ولا بالرجال” (ويقصد بالرجال مقاتلي عرين الأسود) حيث تمارس سلطات الاحتلال سياسة العقاب الجماعي على المدينة لكونها تحتضنهم.
وقامت وسائل إعلام محلية بإنتاج فيديوهات ومقابلات صحافية مع مواطنين في المدينة، جلّها تعكس الموقف الشعبي خلف مجموعات “العرين”، فيما علق بعضهم على أن مصالح كبار التجار وحاملي بطاقات BMC (تمنح لكبار التجار الفلسطينيين وتتيح لهم حرية الحركة على الحواجز الإسرائيلية ودخول المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948) ليسوا أهم من مقاومي مجموعات العرين.
الدعوات الشعبية تركزت على مركزية زيارة المدينة والشراء منها من أجل دعم اقتصادها، كما طرح ناشطون أهمية أن يكون التحرك جماعيا.
ورأي أحد الناشطين أن “حصار نابلس يجب كسره، وذلك لا يحدث إلا بطريقة واحدة فقط، وهي أن يخرج سكان كل مدينة ومخيم وقرية فلسطينية بسياراتهم وباصاتهم ويتجهوا إلى مدخل المدينة.. في المقابل يخرج أهل نابلس كلهم بسياراتهم إلى مداخل المدينة، وهناك يطلق العنان لأبواق السيارات بصوت واحد ومتواصل”.
واعتبر ناشطون أن البديل عن الخروج الجماهيري والعفوي، هو أن تتعود المدينة وتتكيف مع الحصار، واعتبروا مسألة تنسيق العبور للمعلمين والأطباء في ساعات معينة بمثابة تدجين.
وقال ناشط آخر: “الخيارات محدودة.. إما أن نكسر الحواجز والحصار، أو نتحمل لعيون الرجال”.
وانتقد ناشطون حالة التسليم بحصار المدينة، معتبرين أن هذه حالة لا تليق بالواقع النضالي الجديد في الضفة الغربية، وطالبوا بوجوب تحول حصار نابلس إلى قضية البلد كلها في سبيل قلب المعادلة التي يحاول أن يفرضها الاحتلال والتي تتمثل في أن المقاومة تجلب الدمار.
فصائليا وجّهت “لجنة التنسيق الفصائلي” في نابلس نداءً لإطلاق حملة واسعة بهدف كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على المحافظة. وطالبت اللجنة أبناء الضفة الغربية وأهالي الخط الأخضر بتسيير حافلات شعبية لكسر الحصار الذي يفرضه جنود جيش الاحتلال ومستوطنوه على المحافظة.
ودعت اللجنة أهالي نابلس ومحيطها للتصدي للحصار الإسرائيلي، وعدم القبول بالأمر الواقع الذي يحاول المحتل فرضه. كما دعت رئيس الوزراء والحكومة الفلسطينية لتحمل مسؤولياتهم اتجاه الشعب الفلسطيني وعقد جلسة حكومية طارئة تحت عنوان “كسر الحصار عن محافظه نابلس”.
كما أكّدت حركة “فتح”، أنّ استمرار حصار محافظة نابلس من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ما هو إلا إمعانٌ في سياسة العقاب الجماعي التي يُمارسها بحقّ شعبنا، ولن تزيده إلا إصرارا على مقاومة الاحتلال ومستوطنيه، وحماية مشروعه الوطنيّ، المتمثّل بإقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس”.
وأضافت “فتح”، في بيان أنّ الحصار الذي تتعرّض له نابلس، سواء عبر إغلاق المنافذ إليها، أو تفتيش المواطنين ومركباتهم، وغيرها من الإجراءات التي تُمارس بحقّ الشعب الفلسطيني في محاولة لكسر إرادته، لن تُحقّق للاحتلال مراده في شرعنة وجوده”.
وأكدت أنّ الحركة وكوادرها ومناضليها سيواصلون نضالهم التحرُّري، وصولًا إلى انتزاع حقوق شعبنا المشروعة.
بدورها رفعت جامعة النجاح الوطنية، هاشتاغ #حاصر_حصاركن وأطلقت حملة لكسر الحصار عن المدينة عبر عودة التعليم الوجاهي الأسبوع المقبل، وتمكين الطلاب من الوصول إلى المدينة، وحثهم للعودة الى سكناتهم في المدينة للحفاظ على ديمومة الحياة الاقتصادية والمعيشية، بما يشمل أيضا توجيههم للمحال التجارية التي تضررت بفعل الإغلاق.
وينظر الباحث أنس أبو عرقوب إلى سياسة الاحتلال تجاه مجموعات “عرين الأسود” عبر تكريس حصار المدينة بأنها وصلت مرحلة “دق الإسفين”.
ويرى أن “مبدأ دق الإسفين” الذي تفتّقت عنه عقول مُنظّري الحرب في “إسرائيل” لمواجهة المنظمات الفلسطينية بالإجراء الذي يهدف لـ”تركيع العدو” الذي يعيش في وسط المدنيين. أي بمعنى إيجاد فرق في المصلحة بين الجانبين.
ويرى أبو عرقوب أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لجيش الاحتلال غير محدّثة ولا تتطرق أصلا لمثل ظاهرة “عرين الأسود”. حيث تقوم تلك العقيدة على تصنيف التهديدات طبقا لاحتمالات حدوثها وخطورتها: اجتياح جيوش نظامية تهدف للاحتلال أو الإبادة، أو “عمليات إرهابية” ينفّذها متسللون،. ولمجابهة هذه التحديات هناك ثلاثة مركّبات حيوية للعقيدة الأمنية الرامية لمواجهة تلك التهديدات وهي: “الردع” عبر إلغاء أو إضعاف إرادة العدو، و”الإنذار” لمعرفة نوايا العدو، و”الحسم” بإحراز نصر واضح وسريع.
أما “مبدأ دق الإسفين” بحسب أبو عرقوب فهو الذي تفتّقت عنه عقول مُنظّري الحرب في “إسرائيل” لمواجهة المنظمات، وهو الخيار المتاح والمعتمد حاليًا في مواجهة “عرين الأسود”.
وختم: “أعلن وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي بيني غانتس عن حرمان أقارب عناصر التنظيم من تصاريح العمل داخل الخط الأخضر، كما تم فرض المزيد من الحواجز في محيط نابلس ومحاصرتها”.
وبحسب الناشط في المقاومة الشعبية خالد منصور، فإن سياسة الاحتلال تريد تحقيق أمر تركيع المدينة بعد أن تيقن له أنها مصدر قلق وخوف ومقاومة.
وأضاف في حديث صحافي: “يعتقد الاحتلال أن الحصار سلاح ناجح، لكنه نسي أن هذا الأسلوب ليس حديثا وتعودت عليه المدينة في الانتفاضة الأولى والثانية، لقد منع الدخول الحر للمدينة طوال 7 سنوات خلال الانتفاضة الثانية”.
ويرى منصور أن الاحتلال يستخدم أسلوبا مفضوحا في فتح جانب من الحاجز في حوارة مثلا، بحيث لا يقوم بإغلاقه بشكل كامل لكونه يتعمد إذلال الناس وجعل الدخول والعبور بطيئا جدا إمعانا في الإذلال.
ويرفض منصور إجراء البحث عن طرق بديلة لكون كسر الحصار وفتح الحواجز هو الأمر الذي يجب ان نعمل عليه، وطالب بأن تكون الفعاليات الوطنية على الحواجز ومداخل المدن بحيث تغلق مسار الحاجز المفتوح ليحدث التكدس وحالة الفوضى التي تعتبر شكلا من أشكال المقاومة الشعبية حيث تتعطل إمكانية مرور السيارات ومن بينها سيارات المستوطنين، وهو أمر يؤسس لخلق واقع جديد على الحاجز إنها “انتفاضة الحواجز والاشتباك مع الجيش” من جديد.