برهان العسل الرواية الأولي لسلوي النعيمي: الجنس الصادم يحتاج إلي وسيط
ناظم السيد برهان العسل الرواية الأولي لسلوي النعيمي: الجنس الصادم يحتاج إلي وسيطتغطي الجرأة رواية برهان العسل الصادرة في دار رياض الريس للكتب والنشر للشاعرة السورية المقيمة في باريس سلوي النعيمي. الجرأة هنا ليست مدخلاً للرواية فحسب، وإنما هي مدخلُ الكتابة وذريعتها. إنها أداة وغاية. من دونها ما كانت الكاتبة ستقدم علي هذا العمل. بدا هذا الأمر واضحاً من الجملة الأولي للرواية: هناك من يستحضر الأرواح، أنا أستحضر الأجساد .إذاً، تظهر النعيمي منذ الكلمات الأولي صريحة أمام القارئ. إنها تكتب رواية عن الجنس بلا مواربة. لا حب ولا عشق. مجرد جسد جامح يسرد علاقاته ونزواته وحكاياته مع الرجال، ولا سيما العلاقة الأكثر شهوانية مع المفكر الذي اكتشفت البطلة من خلاله جسدها. وهنا تكمن ثيمة الرواية الأساسية: الجسد في حاجة دائماً إلي آخر. هكذا يغدو الآخر ليس مرآة فقط، بل حقل اختبار ووسيلة معرفية.تقوم الرواية بين حدين: التراث والحاضر. لتسرد الكاتبة وقائع جسدها تعود إلي التاريخ الجنسي العربي الذي درسته وحفظته وابتلعته سراً. هكذا تخرج من أناها المفردة إلي التاريخ المنسي فيها وفي مجتمع التقية كما تسميه. وللخروج هذا ذريعة أخري، وهي محاضرة كانت ستلقيها ضمن ندوة عن الجنس في نيويورك. مرة أخري ثمة وسيط يأخذ بيد الكاتبة إلي داخلها. والوسيط هنا، أي نيويورك مضافاً إليه وسيط آخر هو العيش في باريس، يشبه الدور الذي لعبه المفكر . بقصد أو من دون قصد، كانت النعيمي تؤكد الفكرة القديمة عن قصور المرأة واستتباعها. المرأة لا تقوي علي البوح وحدها. إنها تحتاج إلي رجل ومدينتين. الرجل ليس عادياً. إنه مفكر. المدينتان ليستا شرقيتين ـ بعكس مصادر التراث في الرواية ـ بل غربيتين. كأن نيويورك وباريس مفكر آخر في الرواية. كأن التراث الجنسي العربي امرأة مقموعة. هذا هو عصب الرواية التي تجري أحداثها (ذكريات البطلة) في باريس. وعليه، بدت المؤلفـــــــة، وهي تفخر بالانفتاح الجنسي عند العرب قبل عصور الظــــــلام، تمتدح الغرب الذي لولاه لما استطاعت بطلة الرواية إقامة علاقات متحـــــررة بعدما كانت قراءاتها الجنسية الكثيرة سرية، لولا العاصمة الفرنسية. من جــديد، بدت هذه القراءات الســــــرية التي حدثت في الماضي نوعاً من التــــــاريخ المكبوت في الجسد تماماً كالتاريخ الجنسي العربي المكبوت في المجتمع. والتاريخان احتاجا إلي محرّك خارجي يعيدهما إلي السطح المعلن والصريح.بدت الرواية الممتلئة بمقتطفات من كتب التراث الجنسي العربي (النفزاوي، التيفاشي، الطوسي، الجاحظ، التيجاني، الاحاديث النبوية…) ذات مستويين في التعبير. الجرأة الصادمة كانت هناك: في كتب التراث. الاستشهادات التراثية كانت صريحة ومباشرة في تسمية كل شيء: الأعضاء الجنسية، أنواع الممارسات، الشذوذ، طرق التهييج وغير ذلك. في المقابل، بدت تجارب البطلة التي يظهر أنها الكاتبة نفسها (من خلال الأحداث وصيغة المتكلم والأمكنة والوقائع) عادية ومواربة ومتقشفة في التصريح. لنقل إن جرأة الرواية تحيل علي التاريخ لا علي الواقع. التاريخ مسألة منجزة ولا تؤدي إلي الفضيحة. الراهن مسألة قائمة في الحاضر ولا تتحمّل الإعلان والإظهار. لهذا ما كانت هذه الجرأة فاعلة لولا التاريخ القصي. ثم إن البوح بتاريخ الآخرين (التراث) إلي كونه سهلاً هو حيادي وغير شخصي. أما التاريخ الخاص، تاريخ البطلة أو المؤلفة فهو حقيقي ومباشر وحي. لهذا كانت الكاتبة تخفي تاريخها الخاص بالتاريخ العام. تبحث عن ذرائع عامة لتجاربها الذاتية. بمعني آخر، أرادت النعيمي تمويه الجسد المضارع بطبقة سميكة تدعي التراث.والحال، فإن طبقتي هذا الأدب المكشوف، طبقة السيرة الشخصية وطبقة السيرة التاريخية، جعلتا الرواية نفسها ذات مستويين في السرد. إنها رواية بلا سرد. ثمة أنا واحدة تتكلم عن نفسها وعن الآخرين وعن التاريخ. ليس هناك بناء للشخصيات. ليست هناك شخصيات مستقلة عن الكاتبة. الشخصيات تحضر بطريقة وظيفية. إنها أسماء تتوالي علي مسرح الرواية لتؤدي غرضاً واحداً: إخبار حادثة جنسية أو فكرة جنسية. شخصيات يتم استغلالها لتوكيد فكرة العمل الفني الأساسية: الإعلاء من الجنس الصافي. وعليه، بدت الاستشهادات التراثية نوعاً من الاستعراض. مجرد عناوين كبيرة يتم إلصاقها في هذه الصفحة أو تلك. لهذا بدا السرد متقطعاً بجملة للنفزاوي أو بحديث نبوي. بطريقة مباشرة، هذا عمل فني يتأرجح مدوّخاً بين الرواية والبحث الأكاديمي. بالطبع، لا يحتاج القارئ كي يكتشف هذه البنية إلي مناسبة الكتاب، أي إلقاء محاضرة عن التراث الجنسي عند العرب في نيويورك، المحاضرة التي تم إلغاؤها بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) . وهذا تحديداً ما جعل السرد أشبه بأخبار متفرقة وحكايات ناقصة تصل بينها أفكارٌ عن الجنس وتأملاتٌ في أحوال الجسد. شاعر من لبنانَQMK0