صوّت البرلمان البريطاني بالتعبير الصوتي يوم الأربعاء الماضي على مشروع قرار تقدمت به وزيرة الداخلية البريطانية باتيل، يوم الجمعة 19 نوفمبر الحالي، يطالب بتصنيف حركة المقاومة الفلسطينية «حماس» حركة إرهابية. والقرار، سيمر على مجلس اللوردات لاعتماده، وهو أمر مؤكد، حيث يصبح قانونا رسميا يحظر أي نشاط جماهيري أو سياسي أو مالي أو إعلامي لأنصار الحركة في بريطانيا، تحت طائلة العقوبات التي قد تصل بالشخص إلى السجن لمدة 14 سنة.
نجحت بريتي باتيل نائبة رئيس لجنة أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، في اعتماد القرار في البرلمان المحكوم بغالبية 80 عضوا من حزب المحافظين. وقد أبدى رئيس حزب العمال في جلسة البرلمان تأييده لمشروع القرار، ولكنه أبدى بعض المخاوف حول التعامل مع المنظمات الإنسانية. أسلوب بريطاني قديم. يلحقون بك الأذى ثم يثيرون بعض التعاطف اللفظي.
والغريب في الأمر أن وزير الدولة روبرت جينيرك، الذي دافع عن القرار المعادي للفلسطينيين والمتزوج من إسرائيلية، لم يتمكن من الإجابة عن سؤال حول ما إذا قامت حماس بأي عمل إرهابي في بريطانيا؟ ولكنه قال في جملة تبريراته: إن الذي نفذ عملية القدس الأخيرة (المعلم فادي أبو شخيدم) هو من الجناح السياسي لحماس، وهذا يثبت ألا فرق بين الجناحين السياسي والعسكري. والأغرب من هذا التبرير قال إنه زار البحرين أخيرا وقالوا له إنهم يؤيدون قرار تصنيف حماس كحركة إرهابية، مشيرين إلى وثيقة تأسيس حركة حماس، من دون الإشارة إلى مراجعة حماس لبرنامجها التأسيسي الذي صدر في أول مايو 2017. وللعلم فالوزيرة باتيل، ذات الأصول الهندية، تذكرني بنيكي هيلي سفيرة ترامب في الأمم المتحدة، التي حاولت أن تستصدر قرارا يدين حماس لكنها فشلت. وقد لا يضير هذا القرار حركة حماس في شيء، فليس لها وجود رسمي أو مؤسسات تعمل لصالحها في بريطانيا، لكن المقصود هو مقاومة الشعب الفلسطيني ونضالاته في الساحات العالمية، الذي بدأ يخترق الحواجز وينهي السيطرة الصهيونية، خاصة على مستوى الجماهير العريضة.
بريطانيا والعداوة المستحكمة للشعب الفلسطيني
ليس جديدا على بريطانيا «التي كانت عظمى» أن تطعن الشعب الفلسطيني في خاصرته. وهذه الجريمة البريطانية تضاف إلى سلسلة جرائمها التي تمتد لأكثر من قرن. فسجلها دامٍ وطويل منذ اتفاقية سايكس بيكو، وإصدار وعد بلفور وانتداب فلسطين وإرسال صهيوني متطرف اسمه هربرت صموئيل لتنفيذ وعد بلفور، الذي فتح بوابات فلسطين كافة للهجرة اليهودية. كانت بريطانيا تعاقب الفلسطيني الذي يحمل السلاح بالإعدام، وفي الوقت نفسه تسهل للصهاينة حمل السلاح والتدريب وتخزين الأسلحة وجمع التبرعات والتحايل للاستيلاء على الأرض الفلسطينية. لقد أوصت بعثة بريطانية برئاسة روبرت بيل عام 1937 بتقسيم فلسطين، ثم سمحت فعلا بتقسيمها وحولت كل ممتلكاتها وقواعدها العسكرية إلى الكيان الناشئ، ثم صوتت بـ»امتناع» على قرار التقسيم 181 عام 1947 لتوهم المجتمع الدولي بأنها محايدة. منذ تلك الأيام وحتي يومنا هذا لم يمض يوم من دون أن تظهر بريطانيا عداوتها للفلسطينيين والعرب الشرفاء. لقد دعت بريطانيا وفرنسا إسرائيل للانضمام إلى العدوان على مصر عام 1956. وفي حرب يونيو 1967 أوكل أمر صياغة قرار حل النزاع العربي الإسرائيلي في مجلس الأمن للورد كارادون، فخرج بصيغة القرار اللئيم والغامض 242 بتاريخ 22 نوفمبر 1967. فقد ورد في البند الأول من القرار الفقرة «أ»: «انسحاب القوات الإسرائيلية من أراض احتلت في النزاع الأخير». أما في النصوص الفرنسية والروسية والإسبانية والصينية فقد دخلت «أل» التعريف على كلمة أراض بحيث لم يعد هناك أي غموض. وزيادة في الوضوح فقد تحدث عدد من مندوبي الدول، مثل فرنسا والاتحاد السوفييتي ومالي والهند ونيجيريا قبل التصويت على القرار، مؤكدين أن حكوماتهم تفهم هذه الفقرة بأنها تعني انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتلت عام 1967. وقد أضاف كارادون مكافأتين إضافيتين لإسرائيل، فقد تجاهل أي ذكر للفلسطينيين، ولكنه أشار إلى «تحقيق تسوية عاجلة لمشكلة اللاجئين» ولا نعرف من هم هؤلاء اللاجئون؟ ثم «إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب واحترام واعتراف بسيادة وحدة أراضي كل دولة في المنطقة واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد وأعمال القوة». لأول مرة يتم الاعتراف بحدود إسرائيل، كما هي في ذلك الوقت، لا كما نص عليها قرار التقسيم، أي الإقرار بأن 20% احتلت في حرب عام 1948 أصبحت جزءا من إسرائيل.
قرار ينتهك القانون الدولي
يظل هذا القرار سياسة بريطانية، وليس قانونا دوليا، لكنه بالتأكيد سيثير العديد من الآثار، وقد يشجع دولا عديدة أخرى على اللحاق بقاطرة الدول المنصاعة لإملاءات الكيان الصهيوني. ونود أن نشير إلى ثلاث مسائل قانونية:
أولا: لا يوجد تعريف واحد للإرهاب، مسألة تعريف الإرهاب ليست حكرا على الولايات المتحدة وحليفتها المتشبثة بكونها دولة عظمى: لقد بقيت مسألة تعريف الإرهاب موضع خلاف بين دول المعسكر الغربي والدول النامية، خاصة تلك التي عاشت تجارب الاستعمار والاحتلال. وكان الخلاف يدور حول ثلاث نقاط رئيسية أثارتها الدول النامية:
– يجب أن يشمل التعريف إضافة إلى إرهاب الجماعات والتنظيمات والأفراد إرهاب الدولة.
على الشعب الفلسطيني مواجهة القرار البريطاني لا بالمناشدات والبيانات، بل بالعمل على إنهاء الانشقاق والالتفاف حول برنامج وطني شامل وتصعيد المقاومة
– يجب أن يشمل أي تعريف جذور الإرهاب والبيئة التي ينمو فيها، خاصة الظلم والقهر والفقر والاضطهاد المحلي والاحتلال الأجنبي.
– يجب أن يشمل التعريف إشارة واضحة تفرق بين الإرهاب والنضال المشروع ضد الإستعمار والاحتلال الأجنبي.
وعندما فشلت المجموعات على الاتفاق حول تعريف موحد للإرهاب، تم ترحيل الموضوع من الجمعية العامة إلى مجلس الأمن، الذي ينصاع لإملاءات الدول الكبرى، وهناك جرى فرض تعريف للإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 من قبل الولايات المتحدة، ينص على «قتل الأبرياء وزرع الرعب في مجموعات بشرية من أجل هدف سياسي، أو تحقيق تغيير في مسلك دولة أو جماعة أو قوة سياسية».
ثانيا: حق تقرير المصير للشعوب الخاضعة للاستعمار والاحتلال الأجنبي
لقد أقرت الجمعية العامة الحق في منح الاستقلال، وممارسة حق تقرير المصير للشعوب الرازحة تحت الاستعمار، والاحتلال الأجنبي عندما اعتمدت القرار 1514 (د -15) المؤرخ في 14 ديسمبر 1960. وقد نص القرار على أن الجمعية العامة ترفض إخضاع الشعوب للاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله، ما يشكل إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويعيق قضية السلم والتعاون العالميين. إذن حق تقرير المصير استقر كقاعدة قانونية ثابتة في القانون الدولي، وقد أُعطيت الشعوب الحق في الحصول على ذلك الحق من خلال الوسائل السلمية، فإن لم تجد تلك الوسائل فمن حقها استخدام القوة. وقد غدت المقاومة لتحرير الأوطان استثناء ثالثا لمبدأ عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية كما نص عليه الميثاق، إضافة إلى الاستثنائين الآخرين وهما: الدفاع الشرعي، وقرارات مجلس الأمن المستندة إلى أحكام الفصل السابع التي تخول استعمال القوة.
ثالثا ـ حق الفلسطينيين بالمقاومة
تناولت الجمعية العامة بعد انتعاش العمل العربي المشترك بعد حرب أكتوبر 1973 المجيدة، فاعتمدت القرار 3236 (22 نوفمبر 1974) المتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني وحددها بوضوح. فقد نص القرار على أن تلك الحقوق تشمل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، من دون تدخل خارجي، وحقه في الاستقلال والسيادة الوطنيين وحقه غير القابل للتصرف، في العودة إلى دياره وممتلكاته التي شرد منها. والأهم من ذلك ما جاء في البند الخامس من القرار، الذي ينص على: «وتعترف الجمعية العامة كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لميثاق ومبادئ الأمم المتحدة». إذن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والنضال من أجل تحقيقه أمر لا مجال لإنكاره، أو التلاعب فيه وقد أعادت التأكيد عليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري حول الجدار العنصري بتاريخ 9 يوليو 2004. كما ظل قرار حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني قرارا ثابتا في الجمعية العامة، يتم التصويت عليه بغالبية ساحقة كل سنة كان آخرها يوم الجمعة 6 نوفمبر 2021 حيث جددت الجمعية العامة المصادقة على قرار حق تقرير المصير بأغلبية 158 دولة، مقابل 6 أصوات سلبية (إسرائيل، جزر المارشال، ميكرونيزيا، ناورو، الولايات المتحدة، بالاو) وامتناع 10 دول عن التصويت.»..
الشعب الفلسطيني الآن مدعو لمواجهة هذا القرار لا بالمناشدات والبيانات، بل بالعمل على ثلاثة أشياء: إنهاء الانشقاق وقيام قيادة إنقاذ تستند إلى الحق التاريخي للشعب الفلسطيني، والالتفاف حول برنامج وطني شامل يشكل القاسم المشترك لجميع الألوان السياسة الفلسطينية، وتصعيد المقاومة بأشكالها كافة، القانونية والشرعية التي يضمنها القانون الدولي. بهذه الخطوات يصبح القرار البريطاني لا يساوي الحبر الذي كتب به. فقد ظلت مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان متمسكين بالاعتراف بحكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا واعتبار المؤتمر الوطني الأفريقي منظمة إرهابية وانظر إلى أين انتهى ذلك الموقف؟
محاضر في مركز دراسات الشرق اوسط بجامعة رتغرز بنيوجيرسي
كما انكم على دراية بالمثل العامي الذي يقول:
“عندما تقع البقره، يكثروا ذباحينها ”
وجهات كثيره ادت الى تعثر البقره ووقوعها.