بطل في سرداب!

حجم الخط
31

مرت صورة البطل بتحولات كبيرة في الأسِاطير والأديان والتواريخ والحكايات الشعبية، وكلما انتقلت البشرية من طور إلى طور، طورت صور أبطالها مع كل مرحلة، وكلما تضخمت صورة البطل عكست إما محاولات للتعويض عن هزيمة مُرّة على يد عدو قاهر تحاول الصورة أن تخفف من وقعها، أو محاولة لاشعورية لترهيب ذلك العدو، وفي الحالين تكون الصورة المضخمة للبطل غير حقيقية وغير واقعية، إذ يحدث أن يلجأ الإنسان للخيال الواسع للإفلات من الواقع الضيّق، وأن تولّد الهزائمُ صوراً أسطورية لأبطال افتراضيين.
وكما تختلف صورة البطل من أسطورة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى غيرها فإنها تختلف من شعب إلى آخر، فالأمم التي عاشت حالة من ازدهار المخيال الأسطوري أخرجت أبطالها في صور خارقة يستعصون على الموت ويدمرون الأعداء، بل ويحاربون الآلهة ويتمردون عليها، كما نرى في الملاحم اليونانية والرومانية والفارسية وغيرها من منتجات ثقافات أواسط آسيا وأوروبا القديمة التي أسقطت الحواجز بين أبطالها وآلهتها.
ومع التقدم في التاريخ، والانتقال عبر الجغرافيا تتغير ملامح «الأبطال» فأبطال العرب قبل الإسلام ظهروا في صور أقل أسطورية وأكثر حضوراً في التاريخ، ذلك أن العرب لم يكن لهم نصيب وافر من مقومات الخيال الملحمي كما لدى غيرهم من الأمم والشعوب، لأن الصحارى والبوادي التي عاشوا لم تكن بيئة مناسبة لنشأة ذلك النوع من الخيال الذي يبني أبطاله الأسطوريين، وإن كان الشعر الجاهلي قد حفل بصور لأبطال كثر كانوا أقرب إلى النماذج الواقعية منهم إلى أبطال الملاحم الأسطورية.
وقد عرف العرب الكثير من الأبطال الذين برزوا في ثياب قبلية أو دينية أو قومية مثل عنترة بن شداد والمهلهل بن ربيعة وعمرو بن معديكرب الزبيدي وخالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وصلاح الدين الأيوبي وأبطال حروب التحرر العربية من الاستعمار الغربي مثل عمر المختار وأحمد عرابي وعبدالكريم الخطابي ويوسف العظمة وجمال عبدالناصر وغيرهم، وكانت صور البطولة لهؤلاء الأبطال تنحو منحى إبراز ملامحهم التي تتسم بالمواجهة الواضحة والالتحام الجماهيري.
لكن تلك الصورة التقليدية للبطل العربي الملتحم مباشرة بالجماهير بدأت تتلاشى مؤخراً من المشهد لصالح صورة أخرى لأبطال يعيشون بعيدين عن الأنظار ولا يلتقون بالجمهور بشكل مباشر، ولا يراهم أنصارهم إلا عبر أدوات وسيطة تقوم بإعادة إنتاج صورهم للجمهور الذي لا يطالعهم إلا من خلال شاشة تلفزيون صغيرة في المنازل، أو شاشة سينما كبيرة في الشوارع والساحات.
هذه الصورة للبطل الأقرب إلى سينما هوليود بدأت تنتشر مع توسع التكتيكات الإيرانية في إنتاج أبطال الشاشات الصغيرة والكبيرة، هذه التكتيكات التي تتفق وغريزتي الخوف على الحياة والرغبة في الظهور على حدّ سواء، فإخفاء البطل في أماكن سرية يتناسب وغريزة الخوف لدى هذا البطل، وإظهاره عبر الشاشة يتناسب وحبه للظهور، وبذا تكون تلك التكتيكات قد أشبعت لدى البطل رغبته في الظهور عبر الشاشة، وطمأنت غريزة الخوف لديه، بإخفائه في سراديب سرية.
هذه النماذج من الأبطال هي في الحقيقة أقرب إلى الصور التقليدية للوردات الحروب، أو رجال العصابات في أفلام السينما الغربية منها إلى صورة البطل الجماهيري التقليدي في المخيال الشعبي العربي، إذ يصعب إقناع التصور العربي ببطولة رجل لا يستطيع أن يخاطب جمهوره إلا من وراء شاشة، ولا يقدر على الظهور علناً في الساحات والميادين العامة أمام جمهوره وفي المناطق التي يسيطر عليها.

بعد أن كرست آلات الإنتاج الفني الإيرانية صورة «بطل السرداب» في لبنان لدى شرائح شعبوية بعينها عملت تلك الآلات على إعادة إنتاج نسخ كربونية لهذا البطل في بلدان أخرى كالعراق واليمن

وقد استهلت آلة الدعاية الإيرانية هذه الصور الممنتجة بصورة لزعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله الذي تصوره عدسة الإنتاج على هيئة البطل الذي لا يهاب الأعداء، في مفارقة عجيبة بين الصورة التي لا تهاب مواجهة الأعداء المتربصين والأصل الذي يخشى مواجهة الأنصار المخلصين بشكلٍ مباشر، وفي مربعاته الأمنية الأكثر تحصيناً.
وبعد أن كرست آلات الإنتاج الفني الإيرانية صورة «بطل السرداب» في لبنان لدى شرائح شعبوية بعينها عملت تلك الآلات على إعادة إنتاج نسخ كربونية في بلدان عربية أخرى للبطل السينمائي ذاته، وأصبح لدينا «أبطال سراديب» آخرون في كل من العراق واليمن، حيث تنتشر الشاشات والجداريات واليافطات والشعارات التي تريد أن تقنع الجمهور ببطولة أشخاص يقبعون في سراديب سرية، ولا يجرؤون على مواجهة جمهورهم إلا من وراء شاشة، وذلك لأجل إخفاء مظاهر ضعفهم وإضفاء المزيد من الغموض حول شخصياتهم، ذلك أن السرية وأجواء الغموض تهيئ لتوسيع التصور المساعد على أسطرة الأشخاص ومحو مظاهر ضعفهم، وإطلاق العنان للمخيال الشعبوي لتصورهم على كل صور البطولة الممكنة.
ومن هنا لا يخاطب هؤلاء «الأبطال» جمهورهم غالباً إلا بخطابات معدة سلفاً ومن أماكن غير معروفة وعبر شاشات وسيطة، إمعاناً في نشر حالة من الغموض حولهم بالقدر الذي يتيح أسطرتهم في مخيال البسطاء من الجمهور، إذ أن رؤية الشخصيات بشكل مباشر ينزع عنها ما يراد لها من مواصفات أسطورية خارقة يسعى من خلالها منتجو هذه الشخصيات لتدجين الجمهور عن طريق صورة البطل الممنتجة لا شخصيته الحقيقية، بالإضافة إلى استعمال تكتيكات أخرى مثل الشعارات والهتافات والجداريات الضخمة لهؤلاء الأبطال الافتراضيين الذين تعلق صورهم في الشوارع العامة والمؤسسات الرسمية للدولة التي تتحكم بها ميليشيا هذا «البطل» أو ذاك.
والواقع أن الذائقة العربية التي تعشق الأبطال الواقعيين لا تستطيع تصور بطل لا يجرؤ على الظهور إلا عبر شاشة وسيطة، خوفاً من الاغتيال، وهو ما يشير إلى أن تلك الصور نتاج مخيال غير عربي، وهذا المخيال هو ذاته الذي أعاد إنتاج الحسين بن علي بمواصفات وملامح بعيدة عن الشخصية العربية الحقيقية التي عاشت في بيئة عربية بسيطة، وذلك في محاولات لتغريب هذه الشخصية عن بيئتها العربية، عبر تكتيكات ضاربة في المخيال الفارسي المعروف بأسطرته للشخصيات والأحداث، وذلك لغرض تسييس صورة الحسين الممنتجة والبعيدة عن بيئتها العربية لخدمة السياسات التي حولت الحسين إلى وسيلة تكسب سياسي لمشروع بات معروفاً أنه ضد تطلعات الشعوب العربية وآمالها.
هذه التكتيكات الفنية هي ذاتها التي سعت إلى أسطرة شخصية علي بن أبي طالب، وهو رجل عربي أعيد إنتاج ملامح شخصيته بمواصفات غير عربية، بل وفوق بشرية، بعد أن تم تصويره بقدرات إلهية، «تنزل المطر وتسير السحاب وتتحكم في ذرات الكون». ومما لا شك فيه أن رفع شخصية الإمام علي إلى هذا المستوى لم يكن فعلاً اعتباطياً، ولم يكن فعلاً عربياً كذلك، ذلك أن المخيال العربي الحقيقي لا يستطيع تصور الإنسان/الإله، ولكن تلك الصورة الإلهية للإمام علي تضرب بجذورها في عمق مخيال فارسي خصب، أعاد إنتاجها لخدمة الأغراض ذاتها التي أعيد لأجلها إنتاج أشخاص عاديين اليوم على هيئات أسطورية، ليتسنى لهؤلاء الأشخاص التحكم في الجمهور لا خدمته، والسيطرة على الدولة لا بناؤها، خدمةً لمشروع الهيمنة الإيراني الذي بات واضحاً أنه يستعمل «التشيع السياسي» بكل أدواته الدينية والفنية والسياسية والعسكرية لخدمة دولة «ولي أمر المسلمين، الولي الفقيه العادل علي خامنئي» حسب تعبير حسن نصر الله، زعيم حزب الله في لبنان.

كاتب يمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول وليم:

    وللاسف عقول الانصار مازالت مخدوعة بهذه الشخصية الدنكشوتية. البطل والشجاع والمخلص ووو. من وراء شاشة البلازما مع الانصار.. ماذا يفعل اذن مع الاعداء… ثم يخاف من الاغتيال…. كحال كسرى وحال عمر بن الخطاب انذاك… املات البلد عدلا حتى تخاف على نفسك ام زرعت الحقد والبغضاء… حتى تخاف من الانتقام.. ثم من نفذ من عدالة السماء اين سينجو من عدالة السماء… للاسف هو مشروع ايراني صرف وليس للعرب في ايه ناقة او جمل. وانما كنا نامل ان يخرج بطلا قوميا لنصرة المستضعفين العرب في الارض ولكن هيهات.

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    بصراحة يا دكتور :
    أصبحت لا أثق مطلقاً بهؤلاء الذين يتخذون التقية ديناً !
    كم كنا مغشوشين بمقاومتهم قبل قتلهم للشعب السوري !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    شعارات هؤلاء كذب بكذب , والغاية عندهم تبرر الوسيلة !
    هل تتذكر يا دكتور فضيحة إيران غيت المخزية لهؤلاء ؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. يقول محمود:

    محمد جميح لا استطيع تجاهل مقالاته خاصة في موضوع الاديان ..لديه قدرة تحليلية رائعة وأسلوب سلس ممتع..اعتبره افضل كاتب مقال في أسرة القدس العربي مع التأكيد على إعجابي ببقيةالكتاب ايضا

  5. يقول اثير الشيخلي - العراق:

    1…
    المآساة الاخطر من ذلك و التي خدعت اجيالاً و ما تزال تخدع هي أسطورة ما يسمى بالإمام المهدي الغائب او صاحب الزمان كما يطلق عليه ، فإن كانت الأمثلة التي ذكرت في المقال حول الشخصيات السردابية هي أمثلة لأناس حقيقيين عاشوا و يعيشون و ولدوا و ماتوا و سيموتون بالفعل ، الا ان أسطورة ما يسمى بالمهدي او المخلص فهي كما اثبتت بحوث رصينة استندت إلى دراسات تاريخية عميقة أن لا وجود لهكذا شخصية و لن يكون لها وجود في الحاضر و المستقبل ، سواء بالصيغة الشيعية ( التي تقول انه ولد ثم اختفى في سرداب في مدينة سامراء في العراق ) او بالصيغة السنية ( التي تقول انه سيلد من نسل السيدة فاطمة و سيحمل اسم النبي صلى الله عليه و سلّم اي محمد بن عبدالله) ثم تتفق بعد ذلك الصيغتان من انه سيظهر ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا
    و في انتظار هذا البطل الاسطورة عاشت أجيال و أجيال و لا تزال ، مخدرة في انتظار هذا المخلص ، حياة شديدة الاتكالية و وسط تهويمات و خيالات و غيبيات مخيفة استهلكت الجهود و الاموال و الأوقات و تسببت بالكثير من التخلف و الهزائم و الفتن …و لا تزال !

  6. يقول اثير الشيخلي - العراق:

    2…
    هل يعقل عقلا و منطقا أن هكذا امر عقدي و ديني كوني سيغير من حياة البشرية لا يوجد له اي ذكر في القرآن الكريم ( الذي أشار إلى أمور غيبية كثيرة أقل أهمية من هكذا امر ) و لا اي ذكر له في السنة النبوية الصحيحة البتة !
    و مع ذلك هناك الملايين تنشأ و تتربى أن هذه عقيدة ملزمة و من لا يؤمن بها فكأنما لا يؤمن بشهادة التوحيد
    و من ثم يقيم كل حياته و سلوكياته و إيمانه على هذا المعتقد غير الثابت لا قرأنا و لا حديثا ، و لا وجود لأي ذكر له
    وهناك من يتاجر بهذا المعتقد و يساهم في ترسيخه و إخراج من لا يؤمن به من الملة لأنه الخطر الأكبر على تجارة تدر ملايين السحت على ثلة من تجار الدين هؤلاء !
    و أشهر هؤلاء التجار هم أبطال السراديب الذين ذكرهم المقال !

  7. يقول جواد:

    ” و هو ما يشير إلى أن تلك الصور نتاج مخيال غير عربي..”
    امور كثيره غير الصورة تجدها اليوم في العرب و صانعها من فارس.. من ذلك شعار الحزب نفسه .
    ليس هناك في تاريخ العرب جماعة او فرقة تنسب نفسها الى الله جل و علا مباشرة و ليس الى دينه او نبيه كما هو الشأن عند السنة و حتى عند الشعة العرب قديما ، فحزب الله ، و انصار الله ، و انتقام الله تسميات لا اصل لها و لا سالف في العرب و انما هي من وضع صانع هذه الاحزاب و الجماعات في وقتنا هذا و الفكر الاعجمي فيه واضح ، فهي تسميات تنطوي على تزكية مطلقة للحزب و افعاله و قادته ، و هذا لا تعرفه الساحة السنية حتى غير العربية .

    اما عن الشاشة ، فهي دليل آخر على التمويه ، اذ لو كان البث مباشرا فسبكون مكشوفا و موقعه معلوما و استهدافه في المتناول ، اما أن كان تسجيلا فلا احد يعلم و في هذا تدليس ، اضافة على انطباع كون القائد و روحه ازكى و ارفع من ارواح و حياة اتباعه ..

  8. يقول تيسير خرما:

    ليست العبرة كون قائد عربي هاشمي فقادة داعش وإيران وأذنابها كذلك لكنهم ضلوا وأرهقوا كل الطوائف والمذاهب وأوقعوا الإقليم بفتن كبرى، وليس كل هاشمي صالح فقد كفر عم النبي أبو لهب ولم يخرج أبو طالب عن دين قومه الوثني ولم يسلم العباس إلا بفتح مكة، فالعبرة بفهم القائد روح دين الإسلام السمح ونهج محمد (ص) بأول دولة مدنية بالعالم أقامها بالمدينة تحترم مكونات وتحمي نفس وعقل ومال وعرض ونساء وأطفال وأسرة ومجتمع وعدالة ومكارم أخلاق والأقرب لذلك دول الخليج ومصر إضافة للمغرب والأردن ولكل منهما قائد هاشمي صالح.

  9. يقول سيف كرار... السودان:

    اعتقد عندما يكون هنالك بطلا سردابيا ومخفي نهائيا عن الأنظار، فإن هذا يدل علي أن هنالك إخطار، ومخالفات عظيمه، في كل الاتجاهات… وكيف وماهي الحلول إذا؟ لست أدري! لاحوله ولاقوه إلا بالله…

  10. يقول ريام الكنعاني:

    بطل في سرداب؟ فمن هو البطل؟ منْ في السرداب، ام السرداب ؟ والبطل هو السرداب لانه يحمي البطل وليس العكس.لكن المثير ان وجود ذلك ( البطل ) في سرداب فيه اشارة الى المهدي المنتظر الذي دخل في سرداب الغيبة الكبرى..ولم يخرج منه الى الآن؟ فاصبح الامل المنتظر للشيعة في العالم.فهل سيكون بطلنا اليوم الامل الجديد؟ رغم انني مقتنعة ان حسن نصر الله لا يعيش في سرداب.فهذه رواية ودعاية اسرائيل ضده.بل يعيش في منزل ( اعتيادي ) هو سكن ومكتب له..كما كان اسامة بن لادن يعيش في منزل بباكستان.المهم ان المنزل لا يُكتشف.ولا شك هناك اكثر من منزل للتمويه.ويقينا انه ليس في الضاحية الجنوبية ببيروت.بل في ( سرداب ) هنالك، قريب بعيد.وهذه خاصية في ( ابو هادي ): قريب بعيد في آن.تحبه وتكره معا.فيه الأمل والياس.نصفه عربي الاب ونصفه فارسي الام.فهو مثل ثنائي إله الخير والشر الفارسي : اهورا ومزدا واهريمان.لو قرأت كتاب ( الآفستا / جاثاس ) دستور الزرادشتية لعرفت أن بطل السرداب هو زرادشت الجديد بعمامة وقفطان ونظارة طبية من احد محلات شارع كورنيش المزرعة ببيروت.

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية