بين مصر السيسي وعراق الطوائف

حجم الخط
1

لم يكن هدف الكاتب والإعلامي المصري إبراهيم عيسى، من قوله خلال ندوة في معرض الكتاب في العراق، أن لا ديمقراطية في ظل وجود قوى دينية، العراق بحد ذاته، بل الهدف مصر، بعد استبعاد جماعة الإخوان من الحكم، وترسيخ نظام استبدادي عسكري. عيسى، بات أقرب إلى المبشر بنموذج السيسوية، ينتقل من بلد إلى آخر ليسوّق له، بطرق غير مباشرة. وأحد عناصر هذا النموذج، إقصاء الإسلاميين، حتى لو جاؤوا للحكم عبر صناديق الاقتراع. وبالنسبة للعراق، فهو، اختبار جيد، لهذا التبشير، حيث الأحزاب الدينية تملك الأذرع العسكرية وتتمدد في الدولة، وتفرض أمرا واقعا، وبالتالي، أي معنى للديمقراطية في هذا البلد؟

وإذ يخيل لنا أن خصوم عيسى، هم الإسلاميون، يتبدى، بقليل من التدقيق، أن أولويته المجتمع نفسه، الذي يراد محوه تماما، وإلغاء أي ديناميكيات وعمليات انتخاب لتمثيل مصالح وحساسيات مجتمعية، قد تتضمن الطوائف والعشائر والإثنيات. في العراق، لا يوجد مجتمع سياسي حديث، إذ لا يتشكل الرأي العام بناء على المصالح والتعدد والمؤسسات، ثمة مجتمع طوائف وعشائر وإثنيات، ينعكس على الأحزاب، ويترجم انتخابياً. هذه العملية، ليست بسيطة، فمنها يمر الفساد والزبائنية والسلاح والتدخل الخارجي، بمعنى أن المجتمع، خلال عملية تمثيل نفسه في الانتخابات، يمرّ أيضاً عبر شروط تمتلك السلطة قدرة كبيرة على التحكم بها.

المجتمع الذي يعبر عن نفسه نسبياً، في العراق، ضمن تركيبة معقدة ومشوبة بالعيوب، يتم محوه بشكل تام في مصر عبر إلغاء تمثيله السياسي، وتعديل الدستور

لكن في المحصلة، المجتمع ينعكس بشكل أو بآخر، على صندوق الاقتراع، سواء كان مجتمعا غير حديث، وبمكوناته التقليدية، أو مرتبطا بشروط تتحكم بها الطبقة السياسية الحاكمة، والارتباط هذا ليس دائما لصالح القوى السياسية، فالأخيرة، صحيح أنها، تستخدم الزبائنية والتعبئة الطائفية، وأدوات أخرى، لشد قطعات من المجتمع لها، لكن المجتمع كذلك، يملك هامش التأثير عبر صناديق الاقتراع. بدليل أن الانتخابات الأخيرة، أفرزت كتلة من المستقلين، وشخصيات محسوبة على ثورة أكتوبر/تشرين الأول، فضلا عن، هزيمة القوى الشيعية الموالية لإيران. هناك حركة مدّ وجذر، بين المجتمع السلطة، تظهر نتائجها بوضوح عبر الانتخابات. أساس النقاش، تركيبة المجتمع الطائفية والعشائرية والإثنية، وما أفرزته من طبقة سياسية تستفيد من هذا التركيبة وترسخها عبر نظام له أدوات مختلفة، أكثرها فاعلية، الزبائنية. الديمقراطية بهذا المعنى، تشتغل، ضمن التعقيد المذكور، فتتبدى، مليئة بالنواقص والفجوات. واشتغال الديمقراطية الناقص هذا، ليس مثل إلغائها تماما، كما في حالة مصر السيسي التي يروج لها الكاتب إبراهيم عيسى، مستخدما العراق، كدليل، على صواب نموذجه. المجتمع الذي يعبر عن نفسه نسبياً، في العراق، ضمن تركيبة معقدة ومشوبة بالعيوب، يتم محوه بشكل تام في مصر، عبر إلغاء تمثيله السياسي، وإنتاج برلمان معلب، وتعديل الدستور، بما يضمن بقاء الرئيس الحالي حتى عام 2030. وعيسى يقرّ تقريبا بهذا الإلغاء للمجتمع، في معرض انتقاده للإسلاميين، ورفض استخدام الديمقراطية لوصولهم للحكم، إذ يعتبر أن الحل، هو في الإصلاح الديني والتقدم وعدم ممانعة الحضارة الغربية، بمعنى آخر يجب أن يبقى تمثيل المجتمع معطل لحين تحضيره للديمقراطية. مع أن الإصلاح والتقدم والارتباط بالغرب، يصعب تحققها إلا ضمن شرط ديمقراطي يوفر ديناميكيات وظروفا تختلف عن الوضع الحالي في مصر. خصوم عيسى ليسوا الإسلاميين، فهؤلاء غالبا ما يحتذون بأي ديكتاتور ويقومون بتعطيل المجتمع، في ما لو وصلوا إلى الحكم، عبر محاولة «أسلمة الدولة» وفرض تصورات محددة على الناس، وهنا يصبح الخلاف سياسيا، بين عيسى والإسلاميين، وليس على أساس شكل الدولة، التي حتى لو كانت، غير دينية، ذاك أن مجتمعها سيبقى ساكنا يفتقر لشروط التمثيل السياسي. وعليه، فإن ديمقراطية العراق الناقصة، لو تمت مقارنتها بلا ديمقراطية مصر، سيظهر أنها تعكس أوضاعا سيئة، سواء في السياسة أو الاجتماع، بينما الثانية، تعطل أي آلية لتمثيل الناس بصرف النظر عن تركيبتهم وميولهم، هو الفارق بين ما هو ناقص ومشوب بالعيوب، وما هو غير موجود أصلا، بمعنى آخر الفارق بين ديمقراطية كآلية فقط، ورفض الآلية نفسها، علما أن في حالة الأولى، ثمة فرصة لظهور قوى مدنية، ولو بنسب قليلة، فيما الثانية تبقى ساكنة تمدد للمستبد سنوات حكمه.
كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    لو كان للإخوان بمصر ميليشيات عسكرية, ما تجرأ العسكر عليهم!
    كما هو وضع الميليشيات بالعراق الآن!! ولا حول ولا قوة الا بالله

اشترك في قائمتنا البريدية