إذا كان كل الرؤساء الأمريكيين منذ هاري تورمان، الذي كان أول زعيم عالمي يعترف بإسرائيل، فور إعلان بن غوريون عن قيامها 1948، يؤمنون قولا وممارسة بشعار، أمن إسرائيل مصلحة أمريكية، وبعقلانية توازن بين الطموح والممكن، فإن ترامب يتبنى رؤية نتنياهو على علاتها ويتعامل مع سعيه المتطرف بتفاعل فريق العمل الواحد، وكأن الاثنين يرضعان من ثدي أم واحدة هو اليمين المسيحي المتصهين والمتعاشق مع اليمين الإسرائيلي الأيديولوجي بتوراتيته ودوغمائيته، فتبادل الأدوار واضح، والتبريرية الفاقعة لنهج نتنياهو وحكومته المتطرفة والمثيرة للشغب الداخلي والخارجي، تجسيد للتكامل والاتساق معها في الرؤية والتطبيق، وترامب لا يرى تناقضا بين التماهي مع متطلبات نتنياهو، التي تشكل عبئا مضاعفا على أمريكا وبين شعار أمريكا أولا، فهو يجد أن إسرائيل متأصلة في تلافيف الماهية الأمريكية، بالنسبة له هي مدغمة بالمصلحة الأمريكية ومن منطلقات ما ورائية تتجاوز الجيوبولتيك واستراتيجيات المصالح الحيوية.
جو بايدن مثلا ومن قبله باراك اوباما وبيل كلينتون وبوش ورونالد ريغان كانوا ينظرون لإسرائيل ووجودها بمعزل عمن يحكمها، يسارا أو يمينا، لأنهم يتعاملون مع ثوابت تدعم وجودها وتعززه وقد يكونون صهاينة بالفطرة، كما صرح بايدن وفي أكثر من مناسبة، لكنهم لا ينساقون لكامل غرائزها، هم حريصون عليها من تورماتها الداخلية، التي قد تهلكها، لذلك كانوا يفلترون اندفاعاتها ويجنحون لمواءمة مسارها، الذي قد يشط عن دور الترسخ الطبيعي، ضمن سياقات مقبولة دوليا وإقليميا، ومن هذه المنطلقات لم يتجرأ أي رئيس أمريكي على نقل السفارة الأمريكية للقدس، كاعتراف بها عاصمة أبدية لإسرائيل سوى ترامب، ولم يعترف بضم الجولان إلا هو، ولم يتجاسر رئيس أمريكي بالتصريح، بحق إسرائيل بالتوسع سوى ترامب، عندما لمح هو وفريقه إلى أن مساحة إسرائيل صغيرة، وأن حدود سايكس بيكو باتت عبئا على المنطقة، وذلك في إشارة خبيثة لمشروع إسرائيل الكاملة أو الكبرى.
لنتمعن بحرفية في تصريحات توم برّاك، وطريقة تعاطيه مع الملف السوري واللبناني، ثم بمقابلات ومواقف مايك هاكابي سفير ترامب لدى إسرائيل، وكذا الحال بالنسبة لستيف ويتكوف، وكوشنر، وماركو روبيو، سنجدها جميعا مع مسالك رون دريمر ونتنياهو وترامب وأقوالهم وأفعالهم، يشكلون فريق عمل متكاملا، يمثل لحمة بين الرؤية والممارسة الأمريكية الإسرائيلية، لكل قضايا الشرق الأوسط، من باكستان حتى طنجة مرورا بإيران وتركيا والخليج، وفي القلب منه قضية فلسطين، حيث السعي الحثيث لتصفيتها، بكل الطرق بما فيها الإبادة الجماعية والتهجير القسري.
صفقة العمر
لا تجد الترامبية تحقيقا لذاتها، إلا بالدمج المادي والروحي بين فكرة تخليد عظمة أمريكا وعظمة إسرائيل، وحتى يتم ذلك، لا بد من الاستثمار في الإنجيلية المتصهينة، التي تشكل قوة لا يستهان بها في الداخل الأمريكي المشدود لإسرائيل التوراتية، إسرائيل الكبرى ذات البعد الأمريكي الباحث عن كمال الازدواج المادي والروحي، والمقترب بعنفوانه للربوبية الموعودة، كسيدة للمكان عبر الزمن، هي صفقة تجد فيها الترامبية ضالتها برؤية نتنياهو وقدرته على تنغيم هذا الإيقاع وصقله ليشكل معزوفة يمكن أن يغنيها المتدين التوراتي وكذا المتعلمن، وكل المتصهينين من غير اليهود، لترقصهم جميعا على أشلاء الأغيار. وبما أن وفرة فوائد فائض المال المسال، وسطوة القوة الفائقة تغري بالتبعية للتصهين الأمريكي ذي الروح الإسرائيلية، فإن إقامة الهيكل الثالث هي صفقة العمر لترامب ليشفي غليل نرجسيته، بتقمص دور الملك المنقذ، بالتلازم مع ملك إسرائيل نتنياهو، ومن هنا سيتمسك نتنياهو بالبقاء زعيما لإسرائيل، وسيعمل ترامب على تجديد عمر ولايته بصفقة العمر.
فلسطين أولا
مئة عام والشعب الفلسطيني يصارع المشروع الصهيوني المدعوم من الغرب، الذي يفوق العرب تطورا في كل المجالات، استطاعت خلالها مقاومة الفلسطينيين عرقلة تحقيق كامل أهداف المشروع المتمدد نحو مجمل المحيط العربي، وكانت وما زالت شعوبنا العربية تقف بكل جوارحها مع النضال الفلسطيني، كونه مصدا لها، وخندقها المتقدم في موجهة هجمات الغزاة والمستعمرين والمستوطنين، لكن ضعف الكيانات العربية وتبعيتها وفرقتها، ساهم في استفراد الكيان الصهيوني بالمقاومة الفلسطينية، ولعب بعض هذه الكيانات دورا سلبيا في مسيرة الصراع العربي الصهيوني، ما أدى لتحجيم تلك المقاومة، وتغول القوى الغاشمة للصهاينة وحلفائهم الغربيين، الذين عملوا على تجريد العرب وكياناتهم من كل أسباب القوة، في محاولة لمصادرة إرادتهم وجعلهم تحت رحمة إسرائيل.
واليوم يتعرض الشعب الفلسطيني لأقوى هجمة إسرائيلية أمريكية لإبادته وتصفية قضيته، في الوقت ذاته الذي يتمدد فيه الكيان الصهيوني على حساب بلدان الطوق، ويتنمر على دول الخليج ويبتز سيادتها، ما يحتم إعادة النظر بما يحسبه العرب خيرا لهم وهو الشر المستطير!
نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه!
مقدمات تنفيذ مشروع ترامب نتنياهو كانت قد بدأت منذ الولاية الأولى لترامب، وهي تتواتر حاليا، حتى وصلت للذروة في حرب الإبادة الجماعية على غزة، وحرب الضم والاجتثاث في القدس والضفة الغربية، وفي حروب نزع سلاح لبنان وسوريا، والحروب الخفية لتفتيت وشرذمة الكيانات العربية، وإضعاف دور مصر والأردن والتحكم غير المباشر بمصائر كل العرب من المحيط إلى الخليج، وتوجت أخيرا بالاعتداء السافرعلى دولة قطر التي تلعب دورا نزيها في تذليل العقبات، للوصول الى صفقة تنهي الحرب الإبادية على غزة، وتنقذ أكثر من مليوني فلسطيني من التجويع الإسرائيلي القاتل، مقابل إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، لقد طفح الكيل، ولم يعد لسياسة المهادنة معنى غير التخاذل والتقهقر، والمطلوب هو أفعال لا اقوال، أقلها إيقاف كل أشكال التطبيع، وتجميد قنوات التعاون والتنسيق مع إسرائيل، وسحب السفراء، ودعم المقاطعة العربية للمنتجات الإسرائيلية والشركات الداعمة لها.
كاتب عراقي