ستة أسابيع من الحرب قد تبدو قليلة في تقاويم الحروب الكونية. وبالكاد هناك فاصلة صغيرة بين معركتين، أو رقم عابر في تقرير عسكري، أو هامش في أرشيف سيحمله مؤرخ متعب بعد سنوات. لكنها في عالمنا، هذا العالم الذي يتحرك بالسكرول والإكسبلور، تبدو زمناً طويلاً إلى حد نسيان بدايتها: لماذا اندلعت هذه الحرب؟ من أطلق القذيفة الأولى؟ من كذب أولاً؟ ومن صدق الكذبة لأنها كانت مريحة له أكثر من الحقيقة؟
في الهدنة، التي لسبب ما يصرون على تسميتها «الهدنة الهشة»، كأنهم يريدونها أن تبقى كذلك، يدرك المرء أن الحرب ليست حدثاً ينتهي حين تسكت المدافع. الحرب عند اللاعبين الكبار واحدة من أفضل هواياتهم. أولئك الذين يفضلون الصواريخ على الألعاب النارية، والخرائط على الوجوه، والبيانات على وجوه الأمهات والحبيبات الحزينات، وأسعار النفط المتحركة على قلوب العائدين من الملاجئ.
في هذه الهدنة الخجولة، يخرج الإنسان من معتكفه ليتفقد عالمه قبل الحرب، فيكتشف أن الحياة قبل الثامن والعشرين من فبراير الماضي ليست هي نفسها بعد ذلك التاريخ. ستة أسابيع من ضياع الحقيقة، أولى ضحايا الحروب كانت كافية لتغيير الأصدقاء، أو بالأحرى تغيير الخطوط التي كانوا يقفون عندها. لم يعد الناس الذين نعرفهم كما كانوا. بعضهم صار أكثر قسوة في الدفاع عن الطرف الذي لا يعرف لماذا هو معه بالضبط، وبعضهم صار أكثر صمتاً، وبعضهم انحاز إلى خوفه وسماه موقفاً.
ومرة غبتُ فترة عن مدينة أحببتها، مدينة كانت تشبه فضاء حرية آمناً ومريحاً. عدت إليها بلهفة قديمة خبأتها في حقائب العودة، فوجدت المقهى الأليف الذي كنت أكتب فيه أجزاء من روايتي وبعض مقالاتي قد أغلق لأسباب مالية. صديقتي المقربة أجرت عملية لعينيها وتخلت عن نظارتيها. والصديقة المشتركة بيننا خضعت لعمليات تجميل. هكذا، دفعة واحدة، اختفت الأشياء الثلاثة التي كانت تشكل لي ملامح تلك المدينة: المقهى، والنظارتان، والوجه القديم.
النهر لا يعرف نفسه بعد أن نبني عليه سداً، والغيمة لا تتذكر صورتها بعد أن تبعثرها الريح إلى نتف باهتة متفرقة، وحياتنا هي تدفق نهر أيامنا الذي يجري من دون أن نعيره انتباهاً جدياً. هكذا أخاف أن أستأنف حياتي بعد اعتكاف الحرب، فأجد كل ما أتلهف لرؤيته قد تخلّى عن نظارتيه الطبيتين ليراني بوضوح شديد، بينما أنا لا أعرفه.
الزمن الذي لا نحن فيه يتخطانا، ويؤسس حضارات سريعة الزوال من خامات مختلفة. هكذا تراقب الأجيال بعضها وتقول بحسرة وألم: حقاً لقد تغير الزمن. كنا نعتقد أن الزمن أفقي، نعوم فيه مثل أسماك ضالة، أو سماء فسيحة نقطعها مثل طيور مهاجرة لا تتذكر من أين انطلقت ولا إلى أين تذهب، لكن الهجرة غريزتها الأبدية. ثم علمتنا الحياة أن الزمن ليس طريقاً، هو «تايم لاين» آخر، يستعرض لقطات حياتنا أمام الذين نعرفهم ويعرفوننا، وكذلك أمام الذين نجهلهم ويجهلوننا.
في البحث عن الزمن الضائع، يقول مارسيل بروست إن الذاكرة الحقيقية لا تأتي حين نستدعيها، بل حين تفاجئنا. قطعة كعك، أو رائحة شاي، أو ضوء على جدار، أو مقعد قديم في مقهى. لكن ماذا لو أتت الذاكرة ولم تجد مكانها؟ ماذا لو عاد الإنسان إلى مدينته مثل بطل بروست، باحثاً عن زمنه، فوجد أن المقهى الذي كان يحفظ صوته صار صيدلية، وأن الشارع الذي كان يعرف خطاه صار واجهة زجاجية لصالون تجميل، وأن الوجوه التي أحبها صارت نسخاً مطورة عن نفسها، أكثر شباباً وأقل صدقاً؟!
كتب بروست: «الزمن الذي ضاع لا يُستعاد إلا في الذاكرة». لكن الذاكرة نفسها، في زمن الحروب، تصير جبهة قتال. كل طرف يريد أن يطبع فيها روايته، وكل بيان يريد أن يحتل الحقيقة، وكل صورة تريد أن تصير دليلاً، وكل «خوارزمية» تريد أن تقرر لنا من هو الضحية ومن القاتل.
في خفة الكائن التي لا تحتمل، جعل ميلان كونديرا الحياة معلقة بين الثقل والخفة. الحرب أول من تفعل ذلك؛ تجعل الموت ثقيلاً، والحياة خفيفة إلى حد مهين. فجأة تصبح الأشياء التي كنا نعدّها أساسية ترفاً: كوب قهوة في زاوية من مقهى آمن، مكالمة طويلة بلا حذر، ونوم عادي من دون تنبيهات عاجلة، وصباح لا يبدأ بعدد الصواريخ والمسيّرات.
في الحرب لا يتغير العالم لأنه ينهار، يتغير لأنه يواصل الحياة من دونك، وهذه هي الخيانة الكبرى؛ أن تخرج من الخوف لتجد أن المحلات فتحت، وأن الناس اشتروا ثياباً جديدة، وأن أحدهم تزوج، وأن آخر بدّل صورته الشخصية، وأن من كنت تنتظر منه شوقاً ولهفة صار يكتب عن العناية بالبشرة. ليس لأنهم عديمو الإحساس، بل لأن الحياة، مثلما قال كامو في معنى قريب، لا تنتظر إذناً من المأساة كي تستمر.
استمرار الحياة نفسها ليس دائماً علامة شفاء، أحياناً هو شكل آخر من أشكال الهروب. نعود إلى الشوارع المألوفة ليس لأننا اطمأننا، بل لأن البقاء في الداخل صار شبهاً بالتواري البطيء عن الوجود. نفتح النوافذ ونمني النفس بأن الهواء صار نقياً، لكن رائحة الخوف في الغرف المعتمة لا تطاق. نرتدي ملابسنا ونخرج، ونقول لأنفسنا إن «الهدنة» بدأت، بينما نعرف في أعماقنا أن الحرب لم تغادر، بل غيرت ملابسها هي الأخرى، وجلست تنظرنا في الداخل تحت السقف أو في الخارج تحت السماء.
ستة أسابيع ليست زمناً طويلاً في التقويم، لكنها كافية لأن تجعل الإنسان غريباً عن بيته، كافية لأن تغير ضجيج المدن ومساحات الصمت وترتيب الأولويات، كافية لأن نكتشف أن العالم القديم لم يكن قوياً كما ظننا، وأنه كان مثبتاً بعلامات متحركة: المقهى، نظارة صديقتي، وجه الصديقة الثالثة، وعادة يومية، وجملة نكررها دون انتباه، وطريق إلى البيت.
وحين تنتهي الحرب، أو تدعي أنها انتهت، لا نعود كما كنا؛ نعود مثل من عبر نهراً ثم التفت فلم يجد الضفة التي جاء منها، نعود محملين بسؤال واحد: هل تغير العالم فعلاً، أم أننا نحن الذين أصبحنا نراه أخيراً بلا نظارات صديقتي التي تخلت عنها دون أن تحترم ذاكرتنا المألوفة عنها، والتي تم انتزاعها عنا عنوة لنهوي معاً في بئر الغربة؟ كيف نرى الأشياء بلا نظارات كنا نعرفها أكثر من الحقيقة نفسها! إن كل تلك الوجوه الغريبة التي كنا نألفها هي رديف منتجات الحرب كما لم نعرفها من قبل.
{مرة غبتُ فترة عن مدينة أحببتها، كانت تشبه فضاء حرية آمناً ومريحاً. عدت إليها بلهفة قديمة خبأتها في حقائب العودة، فوجدت المقهى الذي كنت أكتب فيه أجزاء من روايتي وبعض مقالاتي قد أغلق لأسباب مالية} اهـ
عزيزتي شهد .. أفضل لك بكثير أن يُغلق ذلك المقهى .. ورُب ضارّةٍ نافعة كما يقول المثل
كتب بروست: «الزمن الذي ضاع لا يُستعاد إلا في الذاكرة». …
كان أفضل بكثير وأنجع تنويرا وإفادةً حقا كتابةُ شيء من قراءة جادّة لجزء من أجزاء رواية مارسيل بروست الهائلة، بدلا من الاكتفاء بذكر قول من أقواله تتواجد على الإنترنت العديد من أمثاله !! مع الشكر والتقدير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تجميل وجه الحرب، الحروب لعنة، لن يتمكن الإنسان من تجميل الحروب مهما فعل وحاول أن يجعلها جميلة. أنا حضرت حربًا ومشيت على قدميَّ مصائب ثلاثة وعشرين يومًا بدون أكل وشرب، وأمل مفقود من الوصول، وعندما وصلت خليج السويس رأيت ما أغضبني في كل شيء، في أسلوب الأوامر من رتب بملابس نظيفة وعنجهية المنتصر، ونحن مهزومون هزيمة نكراء، وقدمي منتفخة، وعندما طلبت منه دكتورًا رفض أن يسمعني ونظر لي: «اخش يا عسكري»، ولم أتحمل هذه الكلمة، وصرخت في وجهه وهو لواء، ولم يصدق نفسه أني بشر، ومن حقي أن أطلب دكتورًا، ومن حقي أن أعترض، ومن حقي أن أتألم، ولم أنفذ ما طلبه مني، ووقفت أمامه وهو يصرخ: «اسمع الكلام يا عسكري»، ولم أسمع ولم أنفذ، وفورًا تم اتهامي أني مجنون، وعندما سمعت أني مجنون لم أشعر بنفسي، نحن مفروض نجن من ما شفنا، ثلاثة وعشرين يومًا بقدم مصابة، والدود ماشي في قدمي، وجميع الرتب التي حوله يقولون: «العسكري ده مجنون يا فندم»، وفورًا حضر دكتور وبعض الممرضين عندما عرف أني مجنون، وتم إعطائي حقنة، وتم فتح الجرح، ولم يصدق الدكتور من منظر الجرح، وتم عمل اللازم كوني مجنون، والسؤال: لو كنت عاقلًا ماذا كانوا سيفعلون بي؟ على السجن الحربي؟ وبعد ما تم كل شيء لي لمدة ( 1 )
ساعة ونصف وأكثر، قال لي الأطباء: أنت محظوظ، لو تم ما تم الآن من علاج بعد أسبوع كان من الممكن أن تتعرض لبتر قدمك، الحمد لله عدت إلى أهلي مرة أخرى، كل شيء عبارة عن سواد بعد رؤية طلاء منزلنا باللون الأسود، وأمي لبست الأسود، وأبي في بكاء أربع وعشرين ساعة مع أمي، والذين أخطأوا في وادٍ ونحن في وادٍ، أين الجمال في كل هذا؟ وجلست في المنزل ثلاثة شهور، الخروج للشديد القوي ومع اثنين من الإخوة، وكل شيء ببكاء من الصدمة، وعندما أتكلم أبكي، وعندما أضحك أبكي، وليلة رجوعي أمي التي حمّمتني لعدم مقدرتي، شاب في حدود خمسة وعشرين عامًا غير قادر على أن يستحم وحده، وأمه وأبوه يبكون عليه من منظري، وأنا في بكاء مستمر، وعندما أتذكر الجثث طول الطريق أبكي، أين الجمال؟ حسبي الله ونعم الوكيل، هذا المقال أرجعني إلى 1967، هذه الحرب التي أصبحت تعيش مع كل من عاشها، والكبار الذين أخطأوا لم يُحاسب أحد منهم على ما فعلوه، ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾، محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9 / 10 / 1971. ( 2 )
ومن قال لك أن وجه الحرب كان قبيحا؟ أن أجمل وجه هو وجه الحرب.. لأنها ( تقشر) الوجه القديم المعتل للأمة ثم تأتي بالوجه الجديد الجميل.. بعد التخلص من الشواءب وترهات الماضي المترهل.. فالحرب رجيم رشاقة وهي وجه المستقبل المشرق.
ليس هناك في الواقع شخص بكامل قواه العقلية..
يشجّع على الحرب بهذا الحماس وبهذه الحمية..
بحجة أن الحرب “تقشر” الوجه القديم المعتل للأمة..
ثم تأتي بالوجه الجميل.. بعد التخلص من شوائب الماضي المترهل..
وبحجة أن الحرب ريجيم رشاقة وهي وجه المستقبل المشرق..
حتى مجرمو الحرب الفعليون يسخرون من هذه الخزعبلات !!
الحرب هي نقطة الصفر لبدء أي نهضة جديدة نحو المستقبل. وأوربا التي تراها نتاج الحرب العالمية الثانية.
من لم يمشِ على قدميه بين الجثث، ولم يرَ أمه تبكي وأباه ينهار، لا يرى في الحرب إلا كلمات جميلة، أما من عاشها فيعرف أنها ليست وجهًا جميلاً بل جرحًا لا يندمل، الحرب لا تُجمّل الإنسان بل تكشف وجعه، ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9 / 10
اتفق مع آدم وحواء على مضمون تعليقه. أنا كنت عسكريا وشاركت بثلاثة حروب.. وفي كل مرة كانت شخصيتي تزداد شكيمة وتجددا. فثناءية قابيل وهابيل جزء من النسيج الحقيقي في الإنسان.
أتفق كليا مع الخبير الحربي، من الخطل اعتبار الحرب شرطا لنهضة الأمم، حتى لو بدت عاملا محركا للتقدم – ولكنه “تقدم” بالنسبة لبعض الأمم “المنتصرة” يقابله تراجع وخراب بالنسبة للأمم الخاسرة. ضرورة الحرب إذن تتجلى من منظور الدفاع عن النفس أو التصدي للعدوان لضمان بقاء الأمة وحسب. ومن طرف آخر، الحرب هي عائق حتمي للنهضة لأنها تدمر البنية التحتية كليا وتستنزف الموارد البشرية والاقتصادية التي يجب استثمارها في النهوض. فمن يقول إن “الحرب نقطة الصفر لبدء أي نهضة جديدة”، ومن يتفق معه، إنما ينظر لها من طرف واحد ولا يعي ما يقول حين يأتي الكلام عن الطرف الآخر!.
وأنا أضمّ صوتي متفقةً مع الأخ الخبير الحربي والأخ أحمد بلي محمد..
نتمنى أن تنتهي المناكفات السلبية بين المعلقين.ففي
كل يوم تظهر تعليقات وتعليقات مضادة غير مفيدة. أبو زمن.