“تحالف ترامب يتصدع”.. إيران وإسرائيل قضيتان تحدثان شرخا في حركة “ماغا” وتهددان حظوظ  الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي

حجم الخط
0

لندن ـ “القدس العربي”:

 نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعده إيان وورد قال فيه إن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران باتت تمثل عامل ضغط على تحالف ترامب المعروف بـ”لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (ماغا)، فعندما ادلت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، بشهادتها أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء، كان هدفها الرئيسي الدفاع هو عن قرار الرئيس دونالد ترامب شن حرب غير شعبية على إيران، لكن بعيدا عن هذا الهدف المحدد، حملت شهادة غابارد، وهي ديمقراطية سابقة دفعها معارضتها الطويلة الأمد للتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط إلى دعم ترامب في انتخابات 2024،  دلالة أعمق: فقد كانت اختبارا لمدى قدرة التحالف السياسي غير التقليدي الذي يقوده ترامب على التماسك رغم تزايد انقساماته حول قضايا بارزة.

وقالت المجلة إن حرب إيران أثارت عددا من الصراعات الداخلية داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب، وهو صراع انفجر علنا يوم الثلاثاء عندما استقال جو كينت، أحد كبار مساعدي  السابقين، فجأة من منصبه، مبررا ذلك باعتراضاته على تصرفات الإدارة في إيران.

لكن إيران ليست القضية الوحيدة التي تقسم تحالف ترامب: فنظرة فاحصة لهذا التحالف تكشف عن انقسامات دقيقة عديدة حول قضايا تتراوح بين الهجرة والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وصولا إلى مسائل جوهرية تتعلق بالهوية الأمريكية.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، غذت هذه الانقسامات التكهنات باحتمالية حدوث انشقاق جماعي من ناخبي “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى (ماغا) عن الحزب الجمهوري في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

لكن هذا ليس التهديد الرئيسي الذي يواجه تحالف ترامب: إذ تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن من يعرفون أنفسهم بـ”جمهوريي ماغا” يقفون بحزم إلى جانب ترامب في الحرب ومجموعة من القضايا الخلافية الأخرى، مما يؤكد حقيقة راسخة، عبر عنها ترامب بإيجاز، “شعار ماغا هو أنا”.

وكما أشار العديد من المعلقين المحافظين في الفترة الأخيرة، لم يفز ترامب بإعادة انتخابه في عام 2024 بمجرد دعم ناخبي ماغا، فقد جمع تحالفه الفائز بين قاعدته الانتخابية الأساسية من مؤيديه ومجموعة أوسع من الدوائر الانتخابية الجمهورية غير التقليدية الأخرى،  من بينهم الديمقراطيون المحبطون وتحالف”لنجعل أمريكا صحية مرة أخرى” وبودكاست “عالم الرجال” .

ولكن التحالف الترامبي الأوسع نطاقا، وليس القاعدة الأساسية لأنصار شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” هو ما يخشى أن يكون مهددا بسبب خياراته السياسية. وكما قال الناشط المحافظ مايك سيرنوفيتش هذا الأسبوع: “تحالف أجيال أُهدر”.

وتعتبر إيران، من أهم القضايا المثيرة للخلاف، فالعمليات العسكرية الجارية هناك، أدت إلى ردود فعل سلبية من العديد من الشخصيات المعروفة في اليمين المناهض للتدخل، بقيادة شخصيات مثل تاكر كارلسون وميغان كيلي والنائبة السابقة مارجوري تايلور غرين.

لكن الحرب دفعت أيضا إلى بعض الانشقاقات المثيرة للدهشة، ففي يوم الاثنين، أعلن ستيوارت رودس، مؤسس ميليشيا “حماة القسم” اليمينية المتطرفة، والذي خفف ترامب إدانته لدوره في أحداث الشغب التي وقعت في 6 كانون الثاني/ يناير، أنه “لم يعد من أنصار شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، وعبر عن معارضته للحرب.

وفي غضون ذلك، قال جو روغان، الصوت الأبرز للفصيل المؤيد لترامب في أوساط برامج البودكاست، بأن مؤيدي ترامب يشعرون بـ”الخيانة” بسبب إيران.

وقد بدأت بعض بوادر الخلافات داخل الحزب الجمهوري تظهر في استطلاعات الرأي أيضا. فمع أن أكثر من 90% ممن يعرفون أنفسهم بـ”جمهوريي ماغا” ما زالوا يؤيدون الحرب، فإن ما يقارب 25% من الجمهوريين عموما، ونحو 40% من “الجمهوريين غير المؤيدين لترامب”، يعارضونها. وتزداد حدة معارضة الحرب بين المستقلين، الذين يعارضونها بنسبة 70% مقابل 30% في المتوسط. كما أن هؤلاء الناخبين أكثر ميلا إلى اعتبار “القدرة على تحمل التكاليف المعيشية” الهاجس الأهم، وهو ما يشكل مأزقا سياسيا للإدارة، إذ تؤدي الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود وتهدد بزيادة معدلات التضخم.

أما القضية الثانية التي نتجت عن حرب إيران، فهي العلاقة مع إسرائيل ومدى تسامح حركة ماغا مع الانتقادات الموجهة للدولة اليهودية والتي يعتبرها الكثيرون معادية للسامية. ومنذ بداية الحرب، زعم بعض المعارضين من اليمين أن ترامب انجر إلى الحرب بتحريض من إسرائيل، مستغلين الاعتقاد السائد لدى بعض أطياف اليمين بأن إسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها في الولايات المتحدة تمارس نفوذا خبيثا على السياسة الخارجية للحزب الجمهوري. فعلى سبيل المثال، زعم كينت في رسالة استقالته من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية أن الولايات المتحدة “بدأت هذه الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها”، وليس لأنها تخدم مصالح أمريكية حيوية.

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، غذت الانقسامات التكهنات باحتمالية حدوث انشقاق جماعي من ناخبي “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى (ماغا) عن الحزب الجمهوري في نوفمبر المقبل.

 في الوقت نفسه، يرى بعض المحافظين المؤيدين لإسرائيل أن هذه الانتقادات للحرب هي  جزء من حملة أوسع لإجبار المحافظين اليهود على الخروج من تحالف “ماغا” من خلال تأجيج المشاعر المعادية للسامية بين قاعدة الحزب الجمهوري. ويبدو أن الجدل الدائر حول الحرب قد زاد من نفوذ الشخصيات المعادية للسامية علنا في اليمين، بمن فيهم المعلق القومي الأبيض نيك فوينتيس، ومقدمة البودكاست المناهضة لإسرائيل كانديس أوينز، إذ حققت برامجهما رواجا كبيرا في الأسابيع الأخيرة.

 وإلى جانب إسرائيل وإيران، يختلف معسكر ماغا بشأن موضوع  الهجرة.

فقد بلغ نهج الإدارة المتشدد في تطبيق قوانين الهجرة ذروته في مينيابوليس مطلع هذا العام، عندما أطلق عملاء فدراليون النار على مواطنين أمريكيين اثنين وقتلوهما. وقد أجبر رد الفعل العنيف الذي أعقب ذلك الإدارة إلى إعادة النظر في نهجها، حيث اختار البيت الأبيض تغيير القيادة في وزارة الأمن الداخلي، وتراجع بهدوء عن بعض خطاباته الأكثر حدة بشأن عمليات الترحيل الجماعي. ومع ذلك، لم يلق تخفيف الإدارة لنهجها تجاه أجندة الهجرة استحسان جميع أعضاء التحالف، مما زاد من حدة الخلاف بين المتشددين في قضايا الهجرة والحملة السياسية لترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي. وفي الأسبوع الماضي، أطلقت مجموعة من الجماعات المناهضة للهجرة تحالفا جديدا للضغط على الإدارة الأمريكية للاستمرار في نهجها، محذرة من أن الرئيس يخاطر بتنفير قاعدته الشعبية أكثر إذا تراجع عن وعده بترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين.

وفي الوقت نفسه، تتعرض الإدارة لضغوط من قادة الأعمال المتحالفين معها ونواب الحزب الجمهوري الذين يحذرون من أن تشديد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة قد يضر بقطاعات رئيسية وينفر شرائح مهمة من الناخبين في الانتخابات النصفية بالخريف، بمن فيهم الناخبون من أصول لاتينية. وحتى هذا الجناح من الحزب منقسم فيما بينه حول كيفية حل المشكلة، إذ يرى البعض ضرورة تغيير سياسة الإدارة بشكل جوهري، بينما يدعو آخرون إلى خطاب محدد، يركز على الاعتقالات الجنائية والأمن العام ونجاح ترامب في إغلاق الحدود الجنوبية.

 وهناك “ملفات إبيستين” المتحرش الجنسي الذي قتل نفسه عام 2019 بسجن في نيويورك. ففي مؤشر على أن هذه القضية لن تغيب عن أذهان الجمهوريين قريبا، استدعى رئيس لجنة الرقابة في مجلس النواب، جيمس كومر، هذا الأسبوع، المدعية العامة بام بوندي للإدلاء بشهادتها أمام اللجنة بشأن الملفات، وذلك بعد انضمام ستة جمهوريين إلى الديمقراطيين في دعم اقتراح استدعاء بوندي للإدلاء بشهادتها. ويبدو أن فضيحة إبستين ستلعب دورا محوريا في الانتخابات التمهيدية الجمهورية البارزة في ولاية كنتاكي، حيث يواجه النائب توماس ماسي، الذي قاد الجهود في الكونغرس لإجبار الإدارة على نشر المزيد من الملفات، منافسًا مدعوما من ترامب.

ثم هناك صدوع بارزة بين ماغا وحركة روبرت إف. كيندي  الإبن “لنجعل أمريكا صحية مرة اخرى” (ماها)، والذي كان من أبرز التحالفات السياسية في دورة انتخابات 2024، وبلغ ذروته بترقية روبرت ف. كينيدي الابن، التي كانت تبدو غير متوقعة، إلى منصب وزير الصحة والخدمات الإنسانية. ويواجه االتحالف ضغوطا من إدارة ترامب ومن كيندي الإبن، ففي  شباط/ فبراير، أشعل كينيدي الإبن تمردا صغيرا في داخل “ماها” عندما أيد توجيه ترامب بزيادة إنتاج مبيد أعشاب كيميائي كان قد ادعى سابقا أنه “يعرض الأمريكيين للخطر” بسبب خصائصه المسرطنة المحتملة.  وقد أدى كل هذا إلى ظهور شرخٍ بين الجمهوريين وأنصار حركة ماها، وهو شرخ يحاول بعض الديمقراطيين استغلاله قبل انتخابات عام 2026 عبر رسائل جديدة تلعب على مخاوف الحركة.

هذا إلى جانب الخلافات حول  الذكاء الاصطناعي، حيث يدور نقاش غير واضح داخل الحزب الجمهوري حول نهج ترامب تجاه الذكاء الاصطناعي. فحتى الآن، انتهجت إدارة ترامب نهجا متساهلا نسبيا ومؤيدا للصناعة في هذا المجال. ومررت أمرا تنفيذيا مثيرا للجدل يلغي لوائح الذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات وأقامت علاقات سياسية وثيقة مع كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. لكن جمهوريين  آخرين أبدوا تفاؤلا أقل بشأن هذه التقنية، وعبروا عن  مخاوفهم علنا من انتشارها الواسع. ففي فلوريدا، يضغط الحاكم الجمهوري رون ديسانتيس بقوة لفرض قيود على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مجادلا بأن الذكاء الاصطناعي قد يحدث اضطرابا هائلا في سوق العمل ويؤدي إلى “أزمة وجودية”.

يضاف إلى هذا خيبة أمل العديد من الشابات من رؤية الحزب للهوية الجنسية، فبعد عام 2016 انضمت شريحة كبيرة منهن إلى حركة ماغا وهروبا مما رأينه لييرالية خانقة، وهن الآن، منزعجات مما يرينه تمييزا جنسيا متزايدا وواضحا. وأخيرا ينقسم تيار ماغا حول ما يشكل الهوية الأمريكية، فقد تبنى جناح مهم في الحركة تعريفا عنصريا متجذرا في الهوية البيضاء المسيحية، فيما تبنى آخرون من اليمين مفهوم “أمريكا التراثية”، وهو مفهوم أكثر غموضا، مفاده أن الهوية الأمريكية متجذرة في ثقافة المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة الأصلية ذات الأغلبية الأنغلو-بروتستانتية، وبالتالي فإن “الأمريكيين التراثيين”، أو الأشخاص الذين يمكنهم تتبع نسبهم إلى تلك المجموعة، لهم حق مميز في الهوية الأمريكية.  ومع ذلك، قوبلت هذه الفكرة بمقاومة من بعض المحافظين، الذين يسعون إلى إعادة تأكيد الأسس العقائدية لأمريكا.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية