بدأ العقد الجديد بداية درامية غير متوقعة مع تفشي وباء كورونا، الذي استطاع تجميد حركة البضائع والبشر والمعاملات لأشهر طويلة، ما أثّر في الاقتصاد العالمي، وعلى رأسه الاقتصادات الأوروبية، التي كانت تعاني قبل ذلك من تراجع أدى لظهور تساؤلات عن جدوى السوق المشتركة والاتحاد.
لم تكن محنة كورونا هي كل ما واجه دول الاتحاد الأوروبي من مصاعب، فما كادت القارة تفتح أبوابها من جديد محاولة تعويض بعض خسائر العامين الماضيين، حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت ترتيب الأوليات، ودفعت مجددا لرصد مزيد من الميزانيات للدفاع، والقبول بالشروط الأمريكية المطالبة بمزيد من المساهمات من أجل تعزيز دور حلف شمال الأطلسي.
مثل ما حدث مع فيروس كورونا، كانت تقديرات المواقف الأوروبية خاطئة. في الحالتين كانت الدراسات تؤكد أن الأزمة لن تستمر طويلاً، وإن كان بالإمكان تفهم أن الوباء كان جديداً، ولم يكن من السهل التكهن بمساره، فإنه يصعب إيجاد عذر للسياسة الأوروبية التي كانت تطمئن مواطنيها بأن اندلاع الحرب على الخاصرة الأوروبية أمر مستبعد. مع الضغط الاقتصادي وأزمة الطاقة، إضافة إلى التهديد الذي يعود لاقتراب روسيا من الحدود الهشة للاتحاد الأوروبي، تعالت الأصوات الناقدة، التي كانت تعتبر أن أوروبا لم تحسن إدارة الأزمة حين دخلت في تحدٍ مع الروس. أبرز هذه الأصوات هو صوت رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي قال إنه كان من اللازم إتاحة فرص أوسع للحوار والتفاوض، بدل الاتكاء على مقولة إن روسيا لن تجرؤ على تنفيذ الهجوم. لم يكتف أوربان بهذا، بل شرعت حكومته هذا الشهر في تعاقد جديد مع شركة «غازبروم» لتأمين احتياجات البلاد من الغاز. كثيراً ما كان يتم التقليل من أوربان ومن قراءته للأزمة، وتبرير ذلك بأنه ممثل لدولة استبدادية حليفة لروسيا، لكن الجديد هو أن الضيق من السياسة المتعنتة التي تبنتها أوروبا استناداً إلى رهانها الخاطئ لم يعد يقتصر على المجر، بل امتد الأمر ليشمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تحدث في لقاء جمعه بسفراء بلاده عن أهمية الحوار مع روسيا، متسائلاً عن المستفيد الحقيقي من الحرب التي قد تقود لانقسام أوروبا. الرهان الأوروبي تمحور حول موضوع العقوبات وحول أن روسيا لن تكون قادرة على القيام بهذه المخاطرة، التي سوف تعرض اقتصادها المهتز، بسبب عقوبات سابقة، للانهيار. الآن بدأ كثيرون يطرحون تساؤلا وحيدا بصوت عال: «هل تعمل العقوبات؟». هذا السؤال الذي يدخل في فلك المسكوت عنه، بسبب اعتبار الأوروبيين أن المسألة أخلاقية بالأساس وتستحق العناء، وضعته مجلة «إيكونومست» على غلافها وهي تحاول إيجاد إجابات عن مدى نجاعة مخطط العقوبات في الضغط على الروس.
في الواقع فإن المرء لا يحتاج للاطلاع على تفاصيل ما أوردته المجلة، فالسؤال تبدو إجابته شديدة الوضوح، فالعقوبات، التي لم تؤثر في كثير من دول العالم الثالث تأثيراً يدفعها لتغيير سياستها تغييراً كبيراً، لا يتوقع أن تكون مؤثرة في حالة بلد يحتل المرتبة الحادية عشرة في التصنيف الاقتصادي العالمي. اليوم، وبعد وضع الآلاف من الشركات والأفراد الروس تحت طائلة العقوبات وتجميد الاحتياطي النقدي وقطع البنوك الروسية عن النظام المالي العالمي، ما يزال لا يوجد أي مؤشر على تراجع روسي. من جهة أخرى فإن إشارات ماكرون غير المباشرة للولايات المتحدة، واعتبار أنها أوقعت بطريقة ما الدول الأوروبية في فخ صراع كان يمكن تجنبه، لا يمكن التقليل من شأنها، وإن كان من الصعب أن نفهم ما إذا كانت تمثل حالة تململ أوروبي جاد، ضد مساعي أمريكية لإضعاف الاتحاد الأوروبي، أو أنها مجرد رد فعل على ما ذكره الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من احتفاظه، من بين الوثائق الاستخباراتية التي اتهم بحيازتها، بملف للحياة الجنسية الصاخبة لإيمانويل ماكرون، ما يشير لاستهداف المخابرات الأمريكية للرئيس الفرنسي. التحدي الآني الذي تمخض عن هذه الحرب هو تحدي الغاز ومصادر الطاقة التي كانت روسيا هي مصدرها الأول، والتي أثبتت الدراسات صعوبة إيجاد بديل مناسب لها. تعود الصعوبات لأسباب منها ما هو تقني ومنها ما تعلق ببعد المسافة، أو ارتباط الدول المستهدفة بعقود مسبقة مع جهات أخرى، تجعل توفير الاحتياجات الأوروبية صعباً.
التحدي الذي تمخض عن الحرب الروسية، هو تحدي الغاز ومصادر الطاقة التي كانت روسيا مصدرها الأول، وأثبتت الدراسات صعوبة إيجاد بديل مناسب لها
ما لم يقله ماكرون صرّح به مسؤولون صينيون اتهموا الولايات المتحدة بتأجيج الصراع، ما حرم أوروبا من مصدر آمن للغاز والطاقة. ما كان واضحاً منذ البداية هو أنه، إذا تابعت أوروبا محاولاتها خنق الاقتصاد الروسي عبر مقاطعة النفط، ومنع الشركات من استيراد أي نوع من المعدات المهمة، والتضييق على حركة رجال الأعمال، فإن روسيا قد لا تستمر في تصدير غازها. مع وجود تصريحات إيجابية تدعو إلى الحوار، إلا أن الإجراءات الأوروبية التي كان آخرها اتفاق وزراء المالية على تحديد سعر الغاز والطاقة الروسية، لا تدفع بأي حال للتهدئة.
أغلب المواطنين الأوروبيين لم يعودوا يتساءلون اليوم عما إذا كانت العقوبات ناجحة في جعل الإنفاق الروسي على الحرب صعباً، وجعل قادة الكرملين يترددون في فتح جبهات جديدة للقتال في القريب، وهي المبررات الدعائية التي تستخدم للترويج لسياسة العقوبات والحظر. المواطنون، الذين بدؤوا يشعرون بالتضخم، والذين يحسون بأن الأزمة باتت أقرب إلى جيوبهم، يسألون أنفسهم عن تزايد أسعار الوقود والطاقة، وعما إذا ما كانوا سيحصلون على تدفئة في الشتاء المقبل، خاصة وهم يسمعون أنباء من قبيل تعليق خط «نورد ستريم1» الناقل الأساسي للغاز لأجل غير مسمى.
في هذه الأثناء عاد موضوع التغير المناخي والاحتباس الحراري مرة أخرى إلى الواجهة، فبالتزامن مع كوارث طبيعية عالمية كالسيول وظواهر فريدة كجفاف الأنهار في أوروبا والولايات المتحدة، لا يبدو الأوروبيون، الذين كانوا الأكثر اهتماماً بالموضوع، منشغلين بالمسألة. بسبب الظرف الخاص الذي تعيشه القارة هذه الأيام، تجد الدول الأوروبية نفسها مجبرة على السير في مناحي تقع تحت طائلة ما كانت تعتبره سابقاً إفساداً، كمحاولات الاستفادة من الوقود الصخري وإعادة تشغيل محطات الطاقة النووية. في خضم هذه التحديات يبرز تحدٍ اجتماعي آخر وهو المتمثل في ظهور التيارات اليمينية، التي ترى أن الأزمة الحقيقية هي وجود الملايين من المهاجرين الغريبين عن الثقافة الأوروبية داخل القارة. سوف يعمل هذا اليمين على استعادة الأدبيات النازية والعنصرية، كما سوف يعمل على اختلاق عدو متمثل في العالم الإسلامي واللاجئين القادمين منه، والذين هم في نظره خطرون، ليس فقط لأنهم سيحدثون تغييراً ثقافياً ويهددون «القيم» الأوروبية، ولكن لأنهم يتقاسمون مع المواطنين الأوروبيين الخبز والماء والطاقة النادرة. هذا التحدي لا يشكل خطورة على العرب والمسلمين الوافدين فقط، بل على الجميع، بما يشمل المجموعات التي تعتبر نفسها أصيلة أيضاً، فهذه القارة، إذا فقدت ما تميزت به من انفتاح وتسامح وسمحت للمتعصبين قصار النظر بقيادتها، فسوف تفقد كل ما كان يؤهلها لأن تكون في الطليعة، أو أن تكون وجهة للراغبين في حياة أفضل.
هذه التحديات ترتبط ببعضها وتتزامن بشكل يشكل ضغطًا على صناع القرار، ويجبرهم على إعادة تعريف الأجندات، بشكل قد لا يعطي الأولوية بالضرورة للقيم والأخلاق.
كاتب سوداني