تحية للطلاب

حجم الخط
3

يشرّفني أن أتحدث في حفل «تخرّج الشعب» هذا وأن أشارككم هذه اللحظة. من اللائق أن نجتمع هنا، في مكان اخترتموه أنتم، وحفل نظمتموه بأنفسكم، أنتم، الطلاب. هذا بعد أن منعت الجامعة عدداً منكم من الدخول إلى بناياتها، ومن الاشتراك في طقوس التخرّج الرسميّة، فنفتكم وأعلنت عدداً منكم رسمياً «أشخاصاً غير مرغوب بهم» وكأنكم تمثلون دولاً معادية! تفتخر هذه الجامعة في أدبياتها ودعايتها أنها «جامعة بلا جدران» وتسأل على موقعها الرسمي: «ما هو سحر جامعة نيويورك؟» وتأتي الإجابة بسرعة: «إن حرمنا الجامعي بلا جدران، ويعد الطلاب بتجربة فريدة ستوسّع آفاقهم وتريهم العالم. تزيل جامعة نيويورك الحدود بين قاعة الدرس والعالم الحقيقي».

يعلمنا الفلسطينيون، مثل كل الشعوب المناهضة للاستعمار، أن الألم العظيم يتحول إلى مقاومة ويُترْجم إلى صمود وتوق إلى الحرية إنهم يتشبّثون بالأمل وبالحياة التي يحبونها

كانت هذه الكلمات خاوية قبل بدء حرب الإبادة ضد غزّة، لكنها باتت مذّاك أكثر خواءً، فقد سقطت الأقنعة، لتكشف المزيد من الأقنعة. الأقنعة التي تسقط لتكشف الوجوه القبيحة، لبشر ومؤسسات، في كل مكان، لقد رأينا ها هنا في جامعة نيويورك الوجه القبيح لمؤسسة استعمارية، متورطة خطابياً ومادياً في آلة الحرب الأمريكية -الإسرائيلية. مؤسسة أكاديمية تمعن رئاستها و«قادتها» في محو حيوات الفلسطينيين خطابياً، بإنكار الإبادة التي نراها كل يوم، ويستمرون بدعم مشروع الاستعمار الصهيوني.
لقد تحوّلت الجامعة في الأشهر الأخيرة إلى فضاء مُعسْكر ومحتلّ، فامتدت يد قوات الأمن إلى المزيد من الأماكن داخل الحرم الجامعي، ورسمت حدوداً اعتباطية، وأقامت جدراناً وحواجز، وتلاعبت بالقوانين لقمع حرية التعبير والحركة والتجمّع. واستدعت الشرطة لمهاجمة الطلاب والأساتذة واعتقالهم، ولم تكتف رئاسة الجامعة بكل هذا، بل شوهّت سمعة الأساتذة والطلاب ببياناتها واتهاماتها الكاذبة بمعاداة السامية. لا يتضامن المسؤولون على جامعة أقيمت على أرض مسروقة، إلا مع مؤسسات أكاديمية أقيمت، هي الأخرى، على أرض مسلوبة وقرى مهدّمة. لقد دمّرت إسرائيل كل جامعات غزة، واغتالت العمداء والأساتذة والطلاب وحرمت الناجين من التعليم ومن مستقبلهم. ومع كل هذا لم تذكر البيانات والرسائل التي وجهتها رئيسة الجامعة طوال الأشهر الماضية كلمة واحدة عن تدمير البنية التحية الأكاديمية، أو عن آلاف الضحايا.. ولم يذكر العمداء ورؤساء الأقسام في الاجتماعات غزّة، أو طلابها وأساتذتها، بكلمة، واكتفوا باستخدام مفردات وتعابير هلامية، مكتفين بالحديث عن «الوضع الصعب» أو «الحرب في الشرق الأوسط». إن جامعة كهذه بحاجة إلى من يحرّرها وأنتم بدأتم بذلك. فقد حررتم أمكنة داخلها لفترات قصيرة، ولكنها مؤثرة. لقد أصررتم بشجاعة وإبداع على كشف آليات وطقوس التواطؤ وفضحتم التخاذل والتورط المؤسساتي في آلة الحرب، ووضعتم النقاط على الحروف، فعاقبتكم الإدارة بقسوة وفرضت عليكم كتابة نصوص تعبّرون فيها عن ندمكم وتقرّون بخطأ ما فعلتموه، لكن رئيسة الجامعة وزملاءها في بناية الإدارة هم الذين يجب أن يراجعوا أنفسهم، بل وأن يعاقبوا على أفعالهم اللاأخلاقية ومواقفهم المخزية. ربما يجب أن نعود إلى أساليب العقوبات التقليدية ونجبر رئيسة الجامعة، على أن تكتب على اللوح ألف مرة: لن أنكر الإبادة ثانية أبداً!
نجتمع هنا اليوم لنحتفل ونفرح بتخرجكم بالطبع، لكن من دون أن ننسى الآلاف الذين قتلتهم همجية إسرائيل، وأولئك الذين ما زالت جثثهم تحت الركام. تمر اليوم الذكرى السادسة والسبعين للنكبة، هذا الجرح الهائل الذي يغطّي غزّة اليوم، الرحمة لكل الذين ماتوا وسيموتون. أعرف أن زملائي يتفقون معي حين أقول لقد تعلّمنا الكثير منكم هذه السنة. فقد ألهمتمونا بشجاعتكم ونضجكم وثباتكم. سأعترف أنني ولسنين طويلة كنت أشعر بالاغتراب في الحيز الأكاديمي ولأسباب عديدة لا شك أنها واضحة لكم. لكن الحراك الطلابي أعاد لي شيئاً من الأمل وجعلني أشعر بالفخر أن أنتمي إليكم وأن أقف معكم. يعلمنا الفلسطينيون، مثل كل الشعوب المناهضة للاستعمار، أن الألم العظيم يتحول إلى مقاومة ويُترْجم إلى صمود وتوق إلى الحرية. إنهم يتشبّثون بالأمل وبالحياة التي يحبونها إذا استطاعوا إليها سبيلا، كما قال شاعرهم العظيم. ولعلّكم رأيتم صورة الفلسطيني الذي دافع عن أطروحة الماجستير في خيمة في غزّة. اليوم ينتهي فصل من رحلتكم، لكنكم ستبدأون رحلة أخرى. ستمضون وتنصبون خيمكم في أماكن أخرى. سترفعون اللافتات والأصوات. ستهتفون ولن تسكتوا عن الظلم والإجرام والتواطؤ. ستقرنون القول بالفعل. وستحاولون إسقاط الجدران وتشيدون عالماً جديداً.
سأختتم كلمتي بجملة من غسّان كنفاني، المثقف والمناضل الفلسطيني الذي اغتالته إسرائيل في بيروت عام 1972: «لك شيء في هذا العالم، فقم!»
لكم شيء في هذا العالم. وليكن عالماً تكون فيه فلسطين حرة من النهر إلى البحر.

كاتب عراقي وأستاذ في جامعة نيويورك
نص الكلمة التي ألقيت في حفل «تخرج الشعب» الذي نظمه طلاب جامعة نيويورك في مدينة نيويورك في 15 مايو 2024

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فريد:

    ربما هذا التعليق لن يقدم أي معلومة إضافية أكثر مما يكتب ويقال، لكنه فقط من أجل تقديم التحية لسكان غزة المرابطين وللطلاب الشجعان حول العالم.

  2. يقول هاني طالب:

    ألف تحية ومحبة للكاتب المبدع والإنسان المناضل سنان انطوان.
    وإن شاء الله ستعود فلسطين حرة من البحر إلى النهر.

  3. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي سنان أنطوان. لا أعرف لماذا يتم استعمال شعار فلسطين حرة من النهر إلى البحر! هل هو ردة فعل على خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة الذي ألغى فيه وجود فلسطين من الخارطة متحدياً الأمم المتحدة وكل أعضاءها! أم أن المقصود هو المقاومة حتى إنهيار الصهيونية جملة وتفصيلًا! في الحالة الأولى يبدو أن شعار مقاومة المحتل وغطرسته وهذا بالطبع صحيح وفي الحالة الثانية ماذا يعني؟

اشترك في قائمتنا البريدية