ترامب: رئيس خارج السياق في عالمٍ متغير السياقات

ليس من قبيل المبالغة القول إن العالم بأسره كان يترقب بين التشوق والخوف، حابساً أنفاسه، مقدم ترامب، العائد لينتقم، الذي أتى في غيمةٍ من البروق والرعود الهادرة الواعدة بتغيير كل شيءٍ، وهدم المعبد لإعادة بنائه، وفق ما يراها أسساً صحيحة، إلا أنني أزعم أن الرجل أثبت أنه أكثر مقدرةً على الإزعاج مما كان أي منا يتصور؛ ففي غضون أسابيع، وفي خطى متسارعة أقدم على قول وفعل (أو على الأقل محاولة ذلك) ما لم يجرؤ عليه أي رئيسٍ أمريكي آخر في التاريخ القريب، أو الذي يذكره أحد. ليس من شكٍ في أن ذلك يروق له، بتكوينه الشخصي والفكري، تماماً، فهو الممتلئ بنفسه حد الانفجار، المتوله عشقاً بذاته، الذي يرى تطابقاً أكيداً بين رؤاه ومصلحته الشخصية والصالح العام، وما يجب أن يكون، يتحرى دائماً في كل ما يفعل أن يثبت للمحيطين، بل للعالم أجمع تفرده وجرأته.
هو يشبه كثيراً أشخاصاً لا بد أن كثيراً منا صادفهم أو احتك بهم في الحياة العامة يرون في أنفسهم ذكاءً خارقاً، وفهماً لا يتوفر لغيرهم، ما يتيح لهم أن يحلوا المشاكل العالقة التي استعصت على كل سابقيهم وأقرانهم.
من هنا استحق ما وصفه به البعض من أنه خارج السياق المعتاد والمألوف والطبيعي للرؤساء الأمريكيين السابقين، وعلى الأغلب (ونتمنى!) اللاحقين، وليس أدل على ذلك في ما يخصناً تحديداً في الشرق الأوسط من تلك «التفنينة» أو الحل اللوذعي الذي أتى به، والذي يقتضي تهجير الفلسطينيين من أهل قطاع غزة إلى مصر والأردن، وتطوير القطاع عقارياً ليصبح كـ»الريفييرا»، أما في ما يخص العالم فحدث ولا حرج فقد تحرش بعددٍ لا بأس به من الدول وعلى رأسها جارتاه إلى الشمال والجنوب، كندا والمكسيك. لكن ترامب في نهاية المطاف مُنتخب، أي أن غالبيةً ما من مواطني هذا البلد، الذي لم يزل الاقتصاد الأكبر في العالم والقوة العسكرية الأولى بامتياز، ارتأوا فيه الشخص المناسب ليقود: هنا تكمن المشكلة وهذا ما ينبغي أن يكون محل التساؤل والبحث ومحاولة التفسير.

ثمة شرخٌ عميقٌ يزداد اتساعاً وعمقاً في المجتمع الأمريكي، بين قلة من الأغنياء وميسوري الحال، وغالبية من المواطنين تزداد حياتهم صعوبة وتتضاءل قدرتهم الشرائية عن توفير حاجياتهم

في رأيي أن السبب الأساسي يكمن في أن «السياق» برمته يتغير، داخلياً على المستوى الاجتماعي والاقتصادي في الولايات المتحدة وفي العالم. ثمة شرخٌ عميقٌ يزداد اتساعاً وعمقاً في المجتمع الأمريكي، بين قلة من الأغنياء وميسوري الحال، وغالبية من المواطنين تزداد حياتهم صعوبة وتتضاءل قدرتهم الشرائية عن توفير حاجياتهم، فهم ينزلون درجاتٍ في السلم الاجتماعي وتضيق بهم الحال، ويدركون ذلك؛ أضف إلى ذلك قضايا الهوية كالقناعات الدينية، التي تصل حد الهوس أحياناً كتهيئة المسرح مثلاً انتظاراً للعودة الثانية للسيد المسيح، بما يقتضي تحقق الشرط الأساسي المتمثل في عودة اليهود إلى فلسطين، وغير ذلك من المسائل العرقية التي تتمثل في خوف العرق الأبيض، الذي كان الأغلب فها هو تتراجع سيادته أمام الأعراق الأخرى وعلى رأسها «اللاتينيون» من سكان أمريكا الجنوبية؛ كل ذلك لا يتم في فراغ، بل في ظل ظرفٍ عالميٍ انتهت فيه الأحادية القطبية، وسيادة أمريكا غير المنازعة، التي كانت عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، وحيث لم تنهزم روسيا في الحرب، والأهم من ذلك صعود الصين المطرد، حيث ستصبح الاقتصاد الأكبر، بالإضافة إلى قدراتها العسكرية المتعاظمة، التي قد تنجح في سد الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة، بالإضافة إلى دولٍ أخرى كالهند والبرازيل، يتعاظم حجمها ودورها ونفوذها يوماً بعد يوم. لقد نبت ترامب في هذا الشرخ، فهو التعبير عن هذه الأزمة وذلك الشعور بالخوف والتهديد وتراجع الدور، بعنجهيته وتعاليه وعنصريته، فهو يمثل الناقمين على وضعهم الاقتصادي الحرج، والبيض المهددين اقتصادياً وعرقياً، والذين فقدوا وظائفهم من ذوي «الياقات الزرقاء» في ما يطلق عليه «حزام الصدأ» حيث أغلقت وهُجرت المصانع جراء نقل الصناعات إلى الصين، حيث العمالة الأرخص. لا شك أن الصورة أكثر تعقيداً ومتعددة الطبقات بما يتخطى مقدرة مقالٍ على إيجازها، إلا أنه يكفي للتدليل على التعقيد واختلاط الأوراق تأمل تلك المفارقة الصارخة المتمثلة في انتخاب هؤلاء الناقمين الساخطين لملياردير، رجلٍ ينتمي متأصلاً إلى الطبقة التي تسببت مباشرةً في وضعهم، والتي استثمرت في إفقارهم وتجهيلهم، وشجعت أو على الأقل هادنت واحتفت ببث الأفكار الدينية الخرافية الجاهلة المُجهلة.
لقد التقى شعور الطبقة الحاكمة الأمريكية بالتهديد والخوف على مصالحها، في ظل انحسار الدور الأمريكي، أو الإيذان بالتراجع، مع نقمة قطاعاتٍ عريضة تشعر بالتهديد من تدنى مستويات المعيشة وضجرها بالصوابية السياسية في قضايا يرونها لا تعنيهم، بل لعلهم يعادونها كالمثلية الجنسية وحرية العقيدة مثلاً. لقد خاطب ترامب هؤلاء فانتخبوه.. انتخبوه من جيوبهم وبصوت غضبهم وخوفهم من المستقبل.
كالوحش المهدد الذي يضرب بكل عزمه يميناً ويساراً لفرض الحضور والإرادة، أقدم ترامب على شيءٍ مماثل، بما يشمل ضرب مؤسسات الدولة التي يراها معرقلةً أو عديمة الجدوى في أحسن الافتراضات. من رحم تلك التركيبة السامة من تضافر شخصيته العجيبة الطافحة نرجسية، ومصالحه ومصالح الطبقة الحاكمة والإحساس بأن السياق العالمي المتغير يفرض حلولاً جديدة، لم يكن ليجرؤ أحدٌ على التفكير فيها سابقاً ناهيك من طرحها ولد ذلك الاقتراح البذيء والغبي بتهجير الفلسطينيين، في جملة الغباوات الصدامية الشبيهة.
لن يتوقف ترامب ومن حوله عن اقتراحاتهم ومحاولاتهم، فهي ليست عارضةً، بل ستستمر ما استمرت الأزمة والتمزق الضاربان في عمق المجتمع الأمريكي، وقد نرى ونسمع المزيد من الحماقات كلما غربت الشمس الأمريكية. في المقابل فإن ما ينبغي أن يشغلنا هو انعكاس ذلك على دولنا وما يمليه علينا ذلك الظرف في ضوء الخيارات الاستراتيجية والانحيازات طيلة عقود وهوما سأتناوله في مقالٍ قادم.
كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    ههه ،. فعلا فترامب المتصهين حتى النخاع سمسار البيت الأسود الصهيوني الأمريكي يا انريكي جاء في الوقت بدل الضائع فمن يشتري البضائع الكاسدة الأمريكية 😎😁

  2. يقول تيسير خرما:

    عبر الحرب الباردة كانت دول العالم عالة على إتحاد سوفياتي فسقط وانسحب من العالم وبدأت مرحلة عولمة وتجارة حرة وتحولوا جميعا مع روسيا والصين إلى عالة كاملة على اقتصاد أمريكا لدرجة استنزافه رغم ضخامته فنجح اتجاه امريكا أولاً وبدأت الضغط على كل من سبق أن دعمتهم بشكل كبير لأخذ مقابل بشكل أو بآخر فتريد أرض جرينلاند من أوروبا واسترجاع القناة من بنما وتحويل كندا لولاية 51 ونصف تريليون معادن نادرة من أوكرانيا وتريد أرض وشاطيء قطاع غزة من إسرائيل وتريد أرض مناسبة من كل دولة عربية دعمتها لإخلاء غزاويين لها.

  3. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    ترامب: رئيس خارج السياق في عالمٍ متغير السياقات.
    أستاذنا المحترم يحيى مصطفى كامل، جميع مقالات حضرتك تمتاز بالتحليل الرائع والدقيق، وجميعها ممتعة وتصلح لجميع مستويات القراء. سعيد بكتابتي لك أكثر من مرة في التعليقات، وأنتظر يوم السبت مقالك، رغم أنك لست متواجدًا كل سبت.
    رجائي أن تسمح لي ولـ جريدة القدس العربي بنشر تعليقي على نفس الشخص، ترامب، والذي تم نشره اليوم في القدس العربي مرة أخرى، نظرًا لأهميته لهذا المقال. ( 1 )

  4. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    ترامب: رئيس خارج السياق في عالمٍ متغير السياقات، همٌّ يُضحك وهمٌّ يُبكي. مجرد ما قرأتُ ما قاله البلطجي الكوميديان ترامب عن موقفه المتشدد تجاه غزة، تذكرتُ فورًا مقولة الممثل العظيم الذي لن يتكرر مرة أخرى في تاريخ السينما المصرية والعربية، ألف رحمة ونور عليه. ومع احترامي الشديد له، عبد الفتاح القصري، في فيلم من أفلامه مع زوجته، صاحبة الكلمة الأخيرة في البيت بصفة خاصة، وفي جميع شؤون الحياة بصفة عامة.
    كان يحاول أمام الناس أن يثبت أنه رجل قوي، وهو الحاكم الناهي في البيت، وعندما يصدر قرارًا لا يمكن التراجع عنه. يقف بعد أن أخذته الجلالة، وكل هذا أمام الناس، ويقول: “حنفي لما يقول كلمة، لا يمكن تنزل الأرض أبدًا!” ويمدّد في كل كلمة لكي يطمئن نفسه أنه سيرعب الزوجة. ولكن الزوجة المفترية تنظر له بغدر وتقول كلمة واحدة فقط: “حنفي!”. فورًا، حنفي سبع الليل يقول: “خلاص، نزلت!”
    هذا هو ترامب! حنفي يقول ما يشاء، وعلينا نحن العرب أن نفعل ما نشاء لحماية أولًا الشعب الفلسطيني. فإذا تمكنا من حماية الشعب الفلسطيني، تمكنا من حماية عالمنا العربي بالكامل. ( 2 )

  5. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    لماذا؟ لأن الشعب الفلسطيني هو مفتاح السيطرة على العالم العربي، وهذا واضح وضوح الشمس. وعلينا الوقوف وقفة رجل واحد. أقسم بالله، العالم العربي يملك أوراق ضغط وأدوات ضغط يُحسد عليها من قِبَل المجتمع الذي تمكن منا بالفتن، والخداع، والمؤامرات، والكذب، والحروب الصليبية التي لا تنتهي، وضرب كل دولة على حدة بحجج مختلفة: مرة الإرهاب، ومرة القاعدة (وهم صنيعتهم!)، ومرة حماس، ومرة الشيعة، ومرة امتلاك صدام لأسلحة قذرة، وهم يعلمون أنه لا يملكها. وإن كان يملك، فهم التاجر الذي باعها له!
    إذن، الحل في أيدينا! وإذا تخاذلنا الآن، بعدما أصبح اللعب على المكشوف من أمريكا والغرب ضدنا، فبلادنا سيتم احتلالها، وسيتم القضاء على القضية الفلسطينية، وإرسال الفلسطينيين إلى سيناء والأردن، وتقسيم بلادنا. وبعد عمر، وليس بعيدًا، سنذبح بعضنا البعض في سيناء والأردن.
    إذن، ماذا ننتظر بعد كل هذا؟ وإذا كنت متشائمًا، فليبلغني أحد أنني أراها سوداء، وهي بيضاء مثل اللبن الحليب ( 3 )

اشترك في قائمتنا البريدية