ترامب والخيارات الأردنية

كل من راهن على الرئيس الأمريكي المنتخب ترامب لحل القضية الفلسطينية حلا مرضيا في إدارته الثانية لعله اليوم يراجع حساباته. فالتعيينات التي أعلنها ترامب لإدارته والمتعلقة بالقضية الفلسطينية تعيينات ليست آخذة في التطرف لصالح إسرائيل فقط، بل يمكن وصفها بالتلمودية. كل التعيينات التي لها علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي من مستشار الأمن القومي لوزير الخارجية للمبعوث الخاص للشرق الأوسط للسفير الأمريكي في إسرائيل للسفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة سيشغلها أناس مغالون في ولائهم لإسرائيل وفي ازدرائهم للفلسطينيين. ولعل أوضح ما يعبر عن مواقف هؤلاء ما قاله ميك هاكابي حاكم ولاية أركنساس السابق والسفير الجديد المعين لدى إسرائيل، الذي صرح بأن أرض فلسطين أعطيت من الله للنبي إبراهيم ولذريته (اليهودية) من بعده، وأنه ليس من شعب يدعى بالفلسطينيين ولا بأرض تدعى بالضفة الغربية، بل هي يهودا والسامرة المفترض أن تكون أرض إسرائيل.
ماذا يعني هذا؟ ليس هناك إلا تفسير واحد لهذا الموقف، فبعد أن كنا نتخوف من ضم المنطقة ج في الضفة الغربية من قبل إسرائيل، خرج وزير المالية الإسرائيلي سموترتش ليعلن بعد ساعات من القمة العربية الإسلامية أن العام 2025 سيكون عام ضم الضفة الغربية لإسرائيل. ولا يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستعارض ذلك. بل إن صفقة القرن التي تدعو لدولة فلسطينية مجزوءة ومحاطة من إسرائيل من كافة الجوانب لم تعد مقبولة من إسرائيل، التي باتت تعتبر أي دولة فلسطينية «مكافأة للإرهاب». وحتى ترامب، صاحب فكرة «صفقة القرن» صرح مؤخرا بأنه لم يعد يؤمن بحل الدولتين، وأنه يعتقد أن حدود إسرائيل الحالية صغيرة.
خلاصة القول إن ضم الضفة الغربية لإسرائيل بات محتملا في ظل تناغم الإدارة الأمريكية الجديدة والحكومة الإسرائيلية المتطرفة. وبطبيعة الحل، لا تتحدث إسرائيل عن ضم الأرض والسكان، لأن ذلك يعظم عدد الفلسطينيين في دولة إسرائيل، فالحديث هنا عن ضم الأرض فقط. ماذا سيحل بالسكان عندئذ؟ يخشى الجانب الفلسطيني أن هدف إسرائيل هو طرد أكبر عدد من السكان وتفريغ الأرض الفلسطينية من أصحابها. ويخشى الأردن أيضا أن موضوع التهجير ومحاولة حل القضية على حسابه بات اليوم احتمالا قويا بعد أن كان يعتقد في الماضي أن معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية قد أنهت هذا السيناريو.

التعيينات التي أعلنها ترامب لإدارته والمتعلقة بالقضية الفلسطينية تعيينات ليست آخذة في التطرف لصالح إسرائيل فقط، بل يمكن وصفها بالتلمودية

ما هي الخيارات الأردنية اليوم لمجابهة هذه الاحتمالات؟ ندرك بالطبع أن الأردن لا يستطيع وحده مجابهة هذه المحاولات لتصفية القضية الفلسطينية، ولكن لا بد من خطة واضحة لفعل المستطاع.
أعتقد أن الخطوة الأولى تكمن في وضع الخلافات الداخلية بين مختلف مكونات المجتمع الأردني السياسية جانبا، وإدراك أن الهدف الأساسي اليوم هو مجابهة هذه السياسات الأمريكية والإسرائيلية بحصافة وتعقل وتوافق وطني. وهو ما يدعو لحوار وطني جاد ومعمق، وذلك لتوسيع دائرة التشاور لدى صانع القرار، ولإدراك كل مكونات المجتمع لعمق التحديات التي ستواجه الأردن والاتفاق على كيفية التعامل معها. ليس هناك من جهة تستطيع اليوم أن تدعي أنها تفهم التحولات الخطيرة التي تجري في المجتمع الأمريكي أو أن لديها كافة الأجوبة لكافة الأسئلة. هناك حاجة ملحة لتضافر كل الجهود من خلال حوار وطني بات ضرورة وليس ترفا.
من الضرورة بمكان اليوم اعتماد سياسة جديدة تعرف كيف تتعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وهذا ليس بالأمر الهين، فمعظم أركان هذه الإدارة جدد ولا يعرفهم الأردن جيدا. علينا تبيان مخاطر الضم ليس فقط على الجانب الفلسطيني، بل أيضا على الأردن. من أجل ذلك، يجب تكثيف الاتصالات مع أصدقاء الأردن وخاصة في الكونغرس ومراكز صنع القرار الأمريكي لشرح المخاوف الأردنية وأثر هذه السياسات المدمرة عليه. وإفهام الجميع بأن ضم الضفة الغربية يعني نظام فصل عنصري علني لن يقبل به العالم في النهاية. يعني ذلك تعزيز دور السفارة الأردنية في واشنطن التي سيترتب عليها جهد مضاعف للوصول إلى أكبر عدد من أركان الإدارة الجديدة والكونغرس من جمهوريين وديمقراطيين وأصدقاء الأردن داخل وخارج الإدارة.
صحيح أن ليس هناك موقف عربي موحد اليوم من القضية الفلسطينية، وصحيح أيضا أن الأولويات العربية تختلف اليوم باختلاف الدول العربية نفسها، لكن ذلك لا يجب أن يمنع، وبالرغم كل العقبات العلنية وغير العلنية، أن يكثف الأردن من اتصالاته مع عدد من الدول العربية التي قد تلعب أدوارا مهمة في المرحلة القادمة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والإمارات العربية المتحدة، إضافة بالطبع للسلطة الوطنية الفلسطينية. من الضروري بمكان محاولة الوصول لحد أدنى من التوافق لمواجهة أي سيناريو محتمل لضم إسرائيل للضفة الغربية، مع الإقرار بصعوبة ذلك.
يواجه الأردن اليوم كما يواجه الفلسطينيون تحديات وجودية. ولكن وبالرغم من صعوبة المشهد، لا يملك الأردن أن يقف متفرجا بينما تواصل إسرائيل سياسة ضمها للأراضي الفلسطينية وبمباركة أمريكية علنية. يتطلب ذلك سياسة حصيفة، وصفها جلالة الملك عبدالله الثاني خير وصف حين قال إن الأردن «دولة راسخة الهوية لا تغامر بمستقبلها» وفي الوقت نفسه إن «مستقبل الأردن لن يكون خاضعا لسياسات لا تلبي مصالحه أو تخرج عن مبادئه». إن التوفيق بين هذين الهدفين مسؤولية كافة الأردنيين والأردنيات اليوم، بما يعني الحاجة لانفتاح داخلي جاد ومستدام.

وزير الخارجية الأردني الأسبق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عماد غانم:

    الاسراءيليون مع “اتفاق إبراهيم” وضد “صفقة القرن” لأنهم يزعمون وجود وحق منذ آلاف السنين، في ندوة لخريجي الدبلوماسية اجمع كيسنجر وبيكر واولبرايت وكلينتون ان “باكستان وما حولها” الأكثر تعقيدا وجاء الشرق الأوسط ثالثا بعد “الصين واليابان والكوريتين”
    ترمب كرجل أعمال نجح في “ملاعب الغولف” وفشل في “كازينو” ومشروعه الانجح: اشترى مبنى تاريخي للبريد في العاصمة واشنطن وحوله لفندق، فالعاصمة التي يومها الدبلوماسيين والسياح افضل بفندق من بيع الطوابع البريدية، ولمبعوثه “ستيف ويتكوف” نجاح مماثل في نيويورك/ فكرة افضل وأنسب لنفس العقار
    السعودية والأمارات يشترطون دولة فلسطينية وتفكيك مستوطنات الضفة للمشاركة في أعادة الأعمار “للتذكير: تراجع نتنياهو عن ضم ثلث الضفة مقابل اتفاق إبراهيم” ، أضف لذلك: ترمب سيمضي قدما بوصل الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط/ لكبح الصين، وسينجز ذلك باسراءيل أو بدونها

  2. يقول عمر علي:

    مقال جيد وعلى الجميع وخاصة في الاردن وفلسطين وسوريا ولبنان ومصر السعي الجدي للوصول إلى الوحدة الوطنية ووضع استراتيجيات واضحة وقوية لمواجهة التحديات وخاصة تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية الى الاردن ومن غزة إلى مصر. ادعوا القادة العرب بألا يهنوا ولا يستهينوا بأنفسهم. لاتمتلك غزة جيوشاً نظامية ولكنهم لازالوا صامدين. اذكر الاردن بمعركة الكرامة التي هزم الجيش الاردني والمقاومة الفلسطينية القوات الإسرائيلية. هذه ليست دعوة للحرب ولكن لتعلم اسراءيل ومن يساندها بان الحل الأردني للقضية الفلسطينية كما يقول الاسرائيليون المتطرفون لن يتمّ وستخسر اسراءيل المعركة. لا يوجد سبب للخوف من المتطرفين في الادارة الامريكية القادمة لانه لا توجد ادارة امريكية كادارة جو بايدن التي قدمت السلاح الذي ادى إلى مقتل اربعة واربعين الف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال. وختاما ً اكرر الدعوة إلى موءتمر قمةً عربية لمواجهة التحديات الاسرائيلية القضية الفلسطينية.

  3. يقول محمد صالح:

    يجب عدم التقليل من حقيقة ان الدول الغربية زودت اسراءيل باحث الطائرات. يجب على الاردن ولبنان ومصر تقوية دفاعاتها الجوية استعداداً لاي حرب تشنها اسراءيل على الدول العربية.

  4. يقول احمد عبد ربه:

    في دوله تستورد %97 من القمح لرغيف الخبز
    %100 من الارز
    %100 من السكر
    %97 من الشعير
    %99 من الذره
    %100 من الصويا
    يعني %95 من مكونات انتاج الثروه الحيوانيه
    80% من الطاقه
    %50 من المياه
    99% من الذخائر و الاسلحه
    ميناء بحري واحد
    30 % من السكان تحت خط الفقر
    اعتماد كلي على الولايات المتحده لضمان سندتنا الدوليه
    اعتماد مزانيتنا على المساعدات الدوليه و صندوق النقد
    وعدم دعم او تنسيق عربي موحد سوا بعض الكلمات .
    يعني ان الخيارات محدوده جدا .

    منطق التفاوض مع اداره ترمب بلتخجيل كوننا حلافاء مرضي عليهم لن يجدي نفعا

    حان الوقت للتفكير خارج نطاق المألوف و لسوء الحظ هذا ليس تقليديا من قوه حكوماتنا او اجهزتنا .

  5. يقول جبارعبدالزهرة /كاتب من العراق:

    إقرأ مقالات يسام البدارين في نفس هذه الصحيفة هو يعارضك تماما في مسالة مؤتمر الحوار الوطني الذي يتوجب ان تنخرط فيه كل الاطياف السياسية الاردنية فالبدارين يقول ان الحوار الوطني لم يعد يجدي نفعا والاعتماد عليه قد يضيع الفرصة على استعداد الاردن العسكري والشعبي لمواجه اطماع تطرف بن غفير الذي قال في آخر تصريح له ان العام 2025 سيكون عام ضم الضفة الغربية وهذا يعني ان الاردن اصبح في الجيب الصهيوني

  6. يقول محمد سالم:

    ترامب رجل أعمال وهو ينظر للامور من ناحيه الربح والخسارة لذلك يلجأ إلى الصفقات win-win الاردن كان وما زال مهم لوجود اسرائيل فهو يحمي اكبر حدود لإسرائيل مع العرب ومع ما واجهته اسرائيل من مقاومه في غزه ولبنان تدرك اسرائيل ومعها امريكا ان تحول الاردن إلى دوله تتغلغل فيها المقاومه سيكون كابوس لإسرائيل لا تتحمله لذا فعليها عدم السماح باضعاف الدوله الاردنيه واي تهجير لسكان الضفه الغربيه للاردن سيؤدي إلى ظهور حركات مقاومه مسلحه في الاردن سيدعمها الشعب لانه سيرى ان وجوده مهدد ولن تصمد الدوله الاردنيه
    الاردن يحتاج إلى العمل على عده جهات اولها الاستغناء عن المساعدات ورفع الانتاج وتخفيض الاستهلاك, تغيير الفكر العسكري إلى الحرب الجديده فانفاق عشرات الملايين لشراء طائره بمواصفات اقل بكثير من الطائرات الإسرائيلية هو أنفاق عبثي ويجب التحول إلى سلاح الصواريخ بأنواعها
    الدول العربيه التي لها وزن كالسعوديه ومصر والإمارات أصبحت تبحث عن موازنه لعلاقاتها بأمريكا والاردن عليه أيضا ان يحطوا بهذا الاتجاه بالانفتاح اكثر على روسيا والصين وتركيا

  7. يقول بلال فياض:

    ماذا يعني الكاتب بالانفتاح الداخلي الجاد و المستدام؟! هل لدينا قرار و نستطيع فرضه على احد ام ان هناك قرارات لطرف ثالث وجب علينا الالتزام بتنفيذها؟!

  8. يقول خميس تونسي:

    حتى لا يصبح الاردن الجبهة الرسميه للمقاومة الفلسطينيه وتصبح اسرائيل تهدد الاردن لظبط وحراست حدوده لازم على الملك والشعب الاردني الاحتيط

اشترك في قائمتنا البريدية