لا يقدم الرئيس الأمريكي الأسبق، والمرشح الحالي دونالد ترامب وعودا انتخابية، فمن ناحية، يعتبر عودته إلى البيت الأبيض استئنافا للفترة الأولى التي وقفت توابع وباء الكوفيد ـ 19 حائلا دون استكمالها، وبطبيعة الحال، العديد من الأخطاء التي ارتكبها الرئيس، ويبدو أنه يسعى لتجاوزها، ومن ناحية أخرى، فطبيعته هي التفكير بصوت مرتفع واتخاذ وضعية الرجل الذي يقبض على السكين أمام الكعكة الكبيرة ليوزع الحصص على الحاضرين، ويقدر أن لكل حصة ثمنا يجب الحصول عليه عاجلا أو آجلا.
ما الذي يريده ترامب من المنطقة العربية؟ وما هي مداخله لتحقيق ذلك؟
الترامبية أصبحت توجها أمريكيا، سيصبح مع الوقت غير مرتبط بشخصية الرئيس وأسلوبه، وما سيقوله الأمريكيون للصناديق خلال أيام مهم للغاية، خاصة للمنطقة العربية
يخاطب ترامب الجالية اللبنانية مبشرا بالعودة إلى السلام، والخروج من التسويات التي تستمر لخمس أو عشر سنوات، وظهر تساؤل بعض المعلقين عن موقفه من فلسطين في هذه الحالة، مفتقرا للذكاء، فالكلام لك أيضا يا جارة، فترامب ما زال يرى السلام ممكنا بناء على الصفقة التي قدمها سابقا، والتي يمكن أن تتعرض لبعض التعديلات، ولكنها ستبقى قائمة على الفرضيات الأساسية نفسها وهي، وضع الشرق الأوسط برمته في المشروع الذي يسعى من خلاله، إلى فرض هيمنة تجارية أمريكية جديدة على العالم، ولذلك يتواصل ترامب بصورة نشيطة مع المسلمين والهندوس في الولايات المتحدة، ويستغل أيضا الأحداث الجارية في بنغلاديش، ليتحدث عن الهندوس المهملين في السياسة الخارجية الأمريكية، والذين تتجاهل خصوصيتهم السياسات المطبقة من الحزب الديمقراطي، بوصفهم ليسوا من مناصريه التقليديين. تتماهى هذه الرؤية مع خريطتين قدمهما نتنياهو في الأمم المتحدة في اجتماع الهيئة العامة الأخير، الأولى، عن الطريق التجاري الممتد من الهند إلى الخليج ومن ثم إسرائيل، ليصفه بالنعمة، والثانية، للنفوذ الإيراني الذي يحاوط المشروع ويصفه بالنقمة، وكأنه يضع العالم بين خيارين، بل ويجعل نفسه مكلفا، لم يكلفه ولم يطالبه أحد، بأن يؤدي دورا من أجل تحقيق الحلم الخاص بإحداث انقلاب على الصين ووضعها في الاقتصاد العالمي الذي أصبح محلا للتشكك، بعد وباء الكوفيد ـ 19 وأزمة الشحن وسلاسل التوريد، التي حدثت على إثره، وما زالت تشكل كابوسا لكثيرين يرون أن العالم يجب أن يعمل من أجل خدمتهم ورفاهيتهم، وليس مهما كم طفلا يموت في مناجم الكوبالت، أو تحت أشجار الكاكاو، وكم من الزنازين ستغلق على معارضين سياسيين يرون ثروات بلادهم تنهب بصورة غير عادلة من أجل تغذية الوحش الاستهلاكي في العالم المتقدم. ترامب يريد منطقة هادئة، لتمرير خط تجاري كبير يجعل الصين التي تعاني من مشكلات سكانية فادحة في وضعية تهديد مستمر، ويعيدها من جديد خيارا بين خيارات كثيرة أخرى، بعد أن تمكنت لعقدين من الزمان من الوقوف وحيدة بوصفها مصنع العالم، والهدوء يعني أن يتمكن من ترويض الطموحات الإيرانية، أو مكافأتها بطريقة أو بأخرى، لو طلبت إيران مقابلا معقولا.
وبداية خطته في تهدئة المنطقة ستكون من أوكرانيا التي تحدث ترامب عن إنهاء أزمتها خلال 24 ساعة، وسيمنح ذلك روسيا فرصة من أجل الاستمتاع بنطاق حيوي استراتيجي من غير منافسة أمريكية، في وسط آسيا وشرق أوروبا، وفي المقابل، ستسلم روسيا بالمنطقة فضاء خالصا للأمريكيين، وسيتبقى أمام ترامب وقتها، تركيا وإيران، والعلاقات بينه وبين البلدين ليست مثالية، فهو يراها قوى متنمرة، تطالب بنفوذ لا تستحقه ولا يمكن تمريره، ولكنه يمكن أن يناقش حصصا من الكعكة تبدو معقولة ليتحصلوا عليها. ما يراه ترامب وغيره أن الدولتين، وبغض النظر عن طبيعة النظام، من الصعب تجاهلهما في تأمين المصالح الأمريكية، وفي المقابل، فإنهما تريان أن عودة ترامب لو حدثت، تعني تغيرا جوهريا في الولايات المتحدة، يجب التعامل معه على المدى البعيد، لأن ذلك يعني أن رئاسته الأولى لم تكن فلتة أو جملة اعتراضية في السياسة الأمريكية، ولكن رؤية جديدة تفرض نفسها ويجب التعامل معها في المدى البعيد.
الترامبية أصبحت توجها أمريكيا، سيصبح مع الوقت غير مرتبط بشخصية الرئيس وأسلوبه، وما سيقوله الأمريكيون للصناديق خلال أيام مهم للغاية، خاصة للمنطقة العربية، التي يبدو أنها مرتبطة بالانتخابات الأمريكية كتعويض عن تغيب الفعل الديمقراطي، الذي يمثل خيارات هذه المنطقة ودولها ومجتمعاتها، ولكن من وجهة نظر ترامب، فالمنطقة تعتبر مشاعا كاملا، وهو يؤمن بعدم قدرتها على امتلاك عوامل وجود ذاتية، ولا قدرة على التعبير عن مصالحها بصورة مستقلة، فهي ستنتظر المتبقي بعد عملية التقاسم الكبرى، وبعد ما ستنتجه لعبة التوافق والتبادل السياسية التي ستناقش العوائد والتكاليف. الأداء السياسي العربي في المرحلة الرئاسية الأولى لترامب أدى إلى تعزيز قناعته تجاه الدول العربية، ليرى بوضوح افتقادها للعوامل الأساسية الضرورية لبناء سياسة مستقلة، ليصبح قادرا على الحديث عنها بوصفها المادة الخام القابلة للتشكيل وفقا لرؤيته، وبذلك، فهو يتقدم ليضع أمامه وجبته الأخيرة في نسخة جديدة من صفقة القرن، التي ستكون إسرائيل عاملا أساسيا داخلها، بوصفها ضامنة لإبقاء الوضع القائم في المنطقة لعقود من الزمن، وبطبيعة الحال، ستكون كثير من الأنظمة العربية في هذه الصفقة التعاقدية في مأمن من الهندسة السياسية التي أطلقها الديمقراطيون على هوامش الربيع العربي، ويبدو أن ذلك هو سقف الطموحات العربية والعامل الجوهري الذي يجعلها تتجاوب مع المشروع الأمريكي وتعتبره مدخلا لتحقيق حالة من الاستقرار، بغض النظر عن شكله وشروطه، وكونه في جوهره تأكيدا لحالة السلبية والتبعية التي تجعل ترامب يفترض أن العرب (الأثرياء من وجهة نظره) يمكن أن يعودوا بخفي حنين بعد ذلك كله، أو بأيد خاوية، في تعبير أقرب للثقافة الأمريكية.
ماذا لو استمر الديمقراطيون؟ لا يبدو الأمر مختلفا كثيرا في المضمون، فقط ستتغير الأطراف المستفيدة داخل الولايات المتحدة، وربما تتغير الحصص بين اللاعبين الرئيسيين الذين لم يعد العرب من بينهم.
كاتب أردني