كان قيام جو بايدن، المرشح الديمقراطي الرئاسي الأمريكي، بتعيين كامالا هاريس، نائبة له خطوة غاية في الذكاء السياسي، وضربة قوية أفقدت الرئيس دونالد ترامب صوابه، نظراً لأن هاريس ستستقطب أصواتاً كثيرة من القاعدة الانتخابية التي اعتمد عليها ترامب، وأوصلته إلى البيت الأبيض.
هذه المرأة الحديدية، في منتصف الخمسينيات من عمرها، متمرسة في السياسة والقانون، وسيرتها تشبه إلى حد ما سيرة الرئيس السابق باراك أوباما، من حيث النشأة والأصل.
وهي صاحبة شخصية طاغية، ولسان سليط، وسرعة بديهة، وحجة قوية، وحضور إعلامي أمام الكاميرات. وقد شغلت منصب وزيرة العدل في كاليفورنيا، أكبر ولاية أمريكية، ثم خاضت الانتخابات، عام 2016، وفازت بمقعد في مجلس الشيوخ الحالي. وبالتالي ستكون بالمرصاد للرئيس ترامب وإدارته.
هاريس سترجح كفة بايدن:
ولأن إستطلاعات الرأي تؤكد تقدم بايدن على ترامب، بفارق كبير، فقد جاء تعيين هاريس ليمنح الحملة الديمقراطية زخماً كبيراً، وليكون القشة التي ستقصم ظهر بعير ترامب.
هو، على المستوى الداخلي، يواجه متاعب وقضايا لا حصر لها أفقدته كثيراً من مؤيديه.
وما هي إلا سويعات قليلة حتى تفتق ذهن ترامب عن خطة لتغيير «الموضوع»، والهروب كعادته، فنقل الإهتمام إلى شأن آخر، في مكان آخر، إلى السياسة الخارجية.
ومن هنا أسرع في الإعلان بنفسه عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودولة الإمارات، لدرجة أن ذلك الإعلان شكل مفاجأة تامة للجانب الإسرائيلي، كما ورد في الأنباء.
السياسة الخارجية لا تؤثر على الناخب:
خطوة ترامب ذات تأثير محدود جداً سياسياً. فالناخب الأمريكي لا تحرك فيه السياسة الخارجية ساكناً، ولا هي المعيار الذي يبني عليه قراره لمن يمنح صوته. أهم ما يؤثر في الناخب هو الوضع الاقتصادي، وما دامت البلاد تشهد تراجعا اقتصاديا حاداً، فلن يعطي الناخب صوته لساكن البيت الأبيض الحالي، لأن هذا الرئيس أظهر عجزاً غير مسبوق في إدارة البلاد، سياسياً، واقتصادياً، وصحياً.
ومن ناحية تاريخية، لم يؤثر أداء الرئيس، يوماً، في السياسة الخارجية في نتيجة انتخابات رئاسية.
فلم نجد أكثر من الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إنجازاً في هذا المضمار، حين أعاد العلاقات مع الصين، وأنهى حرب فيتنام، وتقرب إلى أنور السادات، في الشرق الأوسط، فجاء طرد الخبراء السوفيات من مصر، وغير ذلك. إلا أن هذا لم يشفع له أبداً، جماهيرياً وسياسياً، حين تورط في فضيحة ووترغيت، فاضطر إلى الإستقالة، ولم يكمل مدته الرئاسية الثانية.
وكذلك كان حال الرئيس الأسبق جيمي كارتر، عراب اتفاقية كامب ديفيد التاريخية، بين مصر وإسرائيل. فالاتفاقية كانت تُعتبر إنجازا كبيراً في مجال السياسة الخارجية الأمريكية، لكن الناخب لم يعطه صوته، وخسر الانتخابات أمام رونالد ريغان.
خلاصة القول: خسارة داخلية وخارجية:
لذلك فإن هذه الخطوة البهلوانية، من رئيس فقد الأمل بإعادة انتخابه، لن تحسن فرص فوزه، داخلياً، وستضر خارجياً بمصالح بلاده ومصداقيتها، على المستوى الدولي، كونها تأتي على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته. ثم أن العلاقات قائمة عملياً بين دول المنطقة وإسرائيل، ومجرد خروج ترامب، أمام الكاميرات، ليعلن هو بنفسه رسمياً أنها قائمة، لا يضيف جديداً.
وما نراه الآن هي أصعب أيام إدارته، وكلها صعبة، لذا تجده يقوم بمحاولات مستميتة للبقاء في الرئاسة، ويلهث وراء أصوات الناخبين، بأي ثمن، الأمر الذي يعكس حالة، لا مثيل لها، من التخبط في إدارة دفة الحكم.
هو رئيس فقد البوصلة، وضل الطريق، وأصبح يسير على غير هُدىً، كالهائم على وجهه، أينما يتجه لا يأتي بخير، لا لنفسه ولا لبلاده، لا يدري ماذا يفعل، فيما تبقى له من أيام في البيت الأبيض.
كاتب أردني