بعد موت رفيقه فلاديمير لينين عام 1924 وصعود ستالين، لم يكن أمام ليون تروتسكي الذي كان من أهم المساهمين في الثورة الروسية، وفي تأسيس «الجيش الأحمر» خيارات كثيرة، أو كانت أمامه خيارات تقود جميعها إلى النتيجة ذاتها، فإما أن يجاهر بآرائه الرافضة لمنهج ستالين في الحكم، وحينها عليه أن ينتظر مصيراً لا يقل سوءاً عن مصير أي معارض آخر، أو أن يعتبر أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان فيسكت أو ينضوي مع الداعمين لكن بدون ضمان كامل بالسلامة.
كان تروتسكي معروفاً بثقته بنفسه وآرائه الحادة، كما كان معروفاً بنقده المتواصل لهرم السلطة، الذي كان جزءاً منه. كان ذلك واضحاً من قبل تولي ستالين مقاليد الحكم، بل يمكن القول إن الاعتداد بالرأي ظل صفة ملازمة له طوال حياته، حتى أن بعض المؤرخين ذهب للقول إن تروتسكي، وبما توفر له من اطلاع واسع، كان مشاكساً منذ أيام المدرسة، فلم يكن يقبل ببساطة، المسلمات التي يلقيها المعلمون، بل كثيراً ما كان يحاجج ويجادل. لاحقًا وحين بدأ حياته الثورية كان يميل إلى الاتجاهات الأكثر راديكالية رافضاً بشدة أي تنازل أو أي حل توافقي، فكان مع التغيير الشامل، «البلشفية»، مقابل «المنشفية» التي كان أصحابها يدعون للعمل المتدرج والتطبيقات الناعمة للاشتراكية التي قد تتصالح مع النظام القائم، أملاً في تحقيق غاياتها على مدى زمني أبعد، لكن بمجمل خسائر أقل.
ساهم تروتسكي الذي دافع عن الرؤية الثورية بشكل مستميت، في تقوية موقف البلاشفة الذين كان لينين على رأسهم، خلال مؤتمر الاشتراكيين التاريخي في لندن عام 1903. جمعت البلشفية والمنفى الإنكليزي بين الرجلين، لكن تروتسكي ظل محتفظاً باستقلاله واعتداده برأيه، رغم كل شيء، ما فسر حدوث لحظات توتر بين الرجلين كادت تقود، لولا وجود الاحترام المتبادل، لانقطاع العلاقة بينهما.
الأزمة مع ستالين كانت أكبر وأكثر تعقيداً، فلم يكن بينهما التقدير ذاته الذي كان يجمع تروتسكي بلينين. بالنسبة لتروتسكي كان ستالين مفتقراً للذكاء السياسي والكاريزما، وبالنسبة لستالين كان تروتسكي مثالاً للمثقف المغرور، الذي لا يحد طموحاته سقف، ما يشكل خطورة فعلية على كرسي الحكم.
مع استلام ستالين السلطة كانت قد برزت حركة تململ وسط الجماهير، بسبب الإحباط الذي عاشته مع التطبيق العملي للمبادئ الشيوعية. المال والثروة لم يكن يبدو أنهما في طريقهما إلى الشيوع، أما الحزب الحاكم الذي طالما بشّر في خطبه النارية البليغة بتخفيف آلام المسحوقين، ورفع الظلم عن العمال، وإنهاء الطبقات بشكل نهائي، فقد انتهى الأمر بقياداته إلى أن تتحول بشكل تدريجي إلى طبقة معزولة عن الشعب، منشغلة بمحاصصاتها السياسية، وامتيازاتها الاجتماعية، التي من أهمها امتلاك حصانة ضد كل نقد. من أجل حسم حالات التململ، لجأ ستالين لسياسة القمع والتنكيل. اتبع ذلك مع الجماهير، وداخل حزبه، الذي بدأت تتكون فيه خلية معارضة، خاصة بين الدائرة الضيقة التي ظلت تحيط بتروتسكي. سيتفرغ ستالين لمواجهة هذه الخلية المتنامية، وسيشهد الحزب خلال العشرينيات والثلاثينيات، حملات متواصلة من أجل «تطهيره» من الخونة.
الحزب الشيوعي الحاكم تحول بشكل تدريجي إلى طبقة معزولة عن الشعب، منشغلة بمحاصصاتها السياسية، وامتيازاتها الاجتماعية
مصير تروتسكي كان المنفى والفصل من الحزب الشيوعي عام 1926. ستالين استغل الحالات المتناثرة من الخلاف بين لينين وتروتسكي من أجل القول إن الأخير كان كارهًا للزعيم المؤسس منذ البداية. في لحظة ما سيجد تروتسكي نفسه خارج الجغرافيا، ففي داخل الأراضي السوفييتية لم يعد ذلك الزعيم المحترم، أما في «العالم الحر» فكان ما يزال المفكر الشيوعي الخطر، الذي قاد ثورة أممية. نُفي تروتسكي إلى ألما ٱتا، ورغم أن هذه المدينة كانت بعيدة حقاً ومنفى حقيقياً، إلا أن نشاطه الفكري الذي اعتاد على المنافي منذ عمر مبكر لم يتوقف. خارج المنفى كان الوضع الاقتصادي والمعيشي للناس يزداد سوءاً، وكانت الطبقة الفقيرة التي بشرتها الأطروحات الماركسية بالخلاص، تزداد فقراً وبؤساً، الأمر الذي بلغ حد النقص الحاد في الحبوب والمجاعة الفعلية، التي خلفت ملايين الضحايا.
عوضاً عن السعي لإيجاد حلول ناجعة، تابع ستالين سياسته القمعية، محذراً من «مؤامرة كبرى». طال القمع تروتسكي الذي سيجد نفسه قرب الحدود التركية، بادئاً رحلة انتقال عبر القارة الأوروبية سوف تستمر بضع سنوات، قبل أن يضيق الأوروبيون به ليستقر به المقام في المكسيك. لم يكن أمام تروتسكي الكثير ليفعله في منافيه تلك، بخلاف مقابلة الناشطين والكتابة. هناك وضع كتابه «الثورة المشوهة» الذي حاول فيه شرح أفكاره والدفاع عن نفسه، مقابل الدعاية الستالينية، التي كانت تصفه بالمارق والخائن، كما كتب سيرته الذاتية التي ركز فيها على أفكاره ونضالاته. لكن الكتاب الأبرز، ربما يكون «تاريخ الثورة الروسية» الذي يحوي تحليلاً للصعود الشيوعي، وتحذيراً من عوامل الانهيار في الوقت ذاته. أهم ما في الكتاب ربما يكون إعادة الاعتبار لدور الجماهير كبطل رئيس ومحرك فعلي للأحداث، فالجماهير هي من وضعت تروتسكي ورفاقه في المقدمة، ولولاها لما كانت ثورة. لم تسلم مؤلفات تروتسكي من التناقض المنهجي، فهذا الحديث عن الجماهير لم يمنعه من الاستفاضة في ذكر دور لينين في تثوير الحزب البلشفي، وتحفيزه للعب دوره التاريخي، كما لم يمنعه كذلك من الحديث عن شخصه، كما في مذكراته التي وضعها عام 1935، والتي قال فيها إنه «لو لم يكن لينين في بطرسبورغ، أو لم أكن هناك، لما وقعت ثورة أكتوبر، ولمنعت قيادة الحزب البلشفي اندلاعها».
قد يكون «تاريخ الثورة» محل نظر من ناحية الدقة التاريخية والموضوعية المنهجية، لكنه بلا شك كتاب مهم، حينما يتعلق الأمر بشهادة أحد أهم المساهمين في الأحداث، التي كانت ما تزال ساخنة وقت كتابته (بداية الثلاثينات). يمكن القول أيضا إن أهمية الكتاب تتجاوز نطاق الاهتمام بالخصوصية الروسية لما يمكن تعميمه على كثير من الحالات الثورية. على سبيل المثال يقول تروتسكي في مقدمته: «ولا تندفع الجماهير إلى الثورة وفق مخطط جاهز للتحويل الاجتماعي، ولكنها تندفع بسبب إحساسها المرير بعدم قدرتها على تحمل النظام القديم فترة أطول». هذا هو ما حدث تماماً إبان الثورة الروسية، فالجماهير لم تكن قد عبّرت بأي شكل عن اقتناعها الكامل بالأيديولوجية الشيوعية، أو بأفكار لينين أو ماركس، فكل ما كانت تطمح إليه هو إنهاء الحكم الملكي.
في خضم الفترة الانتقالية التي تلت سقوط القيصر، أدرك لينين أن الانتخابات لن تمنحه ما يريد وأن الجماهير التي يعوّل عليها قد تخذله، وهو ما جعله يلجأ للانقلاب الذي كان سهلاً بسبب استمرار الضائقة المعيشية. في المكسيك كان تروتسكي يعلم أن حياته مهددة، وأن غريمه لن يكتفي بأنه صار منفياً. ستالين الذي قام بملاحقة وقتل عدد كبير من عائلة تروتسكي، كما يفعل دائماً وفق قانون «عائلات خونة الوطن»، لم يكن ليترك معارضه الأهم بدون عقاب. النهاية التراجيدية لم تتأخر، لتنجح عملية الاغتيال، رغم الحراسة المشددة على مقر السكن عام 1940. «يبدو أن ستالين قد نجح هذه المرة»، قال تروتسكي المضرج بدمائه في مشهد سقوطه الأخير.
كاتب سوداني