رام الله: وسط مئات الجرائم شهريا وعشرات الاعتداءات يوميا ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، تواصل حكومة بنيامين نتنياهو التستر على هجمات المستوطنين الإسرائيليين، بوصفهم حينا بـ”الأقلية المتطرّفة” و”مثيري الشغب”، وادعائها أحيانا عملها على تحجيم نفوذهم، غير أنه لا ثمة على الأرض سوى المزيد من المظالم ضد الأبرياء.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، شهد شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي حوالي 2350 اعتداء إسرائيليا على الفلسطينيين في الضفة الغربية، بينها 1584 اعتداء نفّذه جيش الاحتلال، و766 اعتداء للمستوطنين.
وأدت اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين معا إلى استشهاد ما لا يقل عن 1073 فلسطينيا، وإصابة نحو 10 آلاف و700 إضافة إلى اعتقال أكثر من 20 ألفا و500 آخرين، خلال عامي حرب الإبادة في غزة.
وأحدث هذه الاعتداءات العنيفة وقعت في وقت سابق الإثنين بقرية “الجبعة” جنوبي الضفة، حين أحرق مستوطنون إسرائيليون 3 منازل و3 مركبات و”كرفانا” (غرفة متنقلة)، وفق وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”.
ونقلت الوكالة عن رئيس مجلس قروي الجبعة، ذياب مشاعلة، قوله إن أهالي القرية “تمكنوا من إخماد النيران دون تسجيل إصابات، لكن أضرارا مادية جسيمة لحقت بالمنازل والمركبات المستهدفة”.
ونشرت إذاعة صوت فلسطين (حكومية) صورا ومقاطع فيديو تظهر نيرانا مشتعلة في المركبات واللحظات الأولى لهجوم المستوطنين.
بينما قالت القناة 12 العبرية الخاصة إن “عشرات المستوطنين أضرموا النار في منزل ومركبات في قرية الجبعة، قرب بؤرة استيطانية غير قانونية أُخليت اليوم (الإثنين)”.
وقبل ذلك، أحرق مستوطنون إسرائيليون منزلا ومركبتين، واعتدوا على عدد من الفلسطينيين، في هجوم نفذوه على بلدة سعير شمال شرق الخليل جنوبي الضفة.
وفي محاولة لاحتواء جرائم المستوطنين التي أصبحت عبئا على صورة إسرائيل دبلوماسيا، زعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق بيان لمكتبه، أن الهجوم على قرية الجبعة، “نفذته حفنة من المتطرّفين الذين لا يمثلون المستوطنين”.
ومقللا من جرائم المستوطنين بوصفها “أعمال شغب”، قال نتنياهو مدّعيا: “أرى بخطورة كبيرة، أعمال الشغب العنيفة ومحاولة أخذ القانون باليد من قبل حفنة متطرّفة لا تمثل المستوطنين في يهودا والسامرة (التسمية التوراتية للضفة الغربية)”.
ورغم أن المسؤول عن إنفاذ القانون وتوجيه الشرطة هو وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير المشهور بوقوفه لجانب المستوطنين ومعاداته للفلسطينيين، أضاف نتنياهو: “أدعو سلطات إنفاذ القانون إلى تقديم مثيري الشغب للعدالة”.
وادّعى أنه “يعتزم التعامل مع هذا الأمر شخصيا وعقد اجتماع مع الوزراء المعنيين في أقرب وقت ممكن للردّ على هذه الظاهرة الخطيرة”.
ودون توجيه صريح للجم اعتداءات المستوطنين، ختم نتنياهو بيانه بالقول: “أؤكد دعمي للجيش وقوات الأمن ليستمروا في العمل بحزم ودون خوف من أجل الحفاظ على النظام”.
وفي محاولة أخرى لاحتواء انعكاسات جرائم المستوطنين على العلاقات الخارجية لإسرائيل ومشاريعها الداخلية التوسعية، قال وزير الخارجية جدعون ساعر، إن “مثيري الشغب اليهود في يهودا والسامرة يضرون بدولة إسرائيل، يحرجون اليهودية، ويسببون الضرر للمشروع الاستيطاني”.
وزعم في تدوينة بحسابه على منصة شركة “إكس” الأمريكية: “إنهم ليسوا نحن، وليسوا دولة إسرائيل”.
وطالبا من سلطات الأمن خلاف ما يؤدي لتقليص هجمات المستوطنين، أضاف ساعر: “على الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة أن يتحركوا بحزم وحزم لوقف هذا الهجمة الشرسة التي تستهدف أيضا جنودنا وعناصر شرطتنا”.
وبالمثل، كتب وزير الدفاع يسرائيل كاتس بحسابه على “إكس”: “أقدّم دعمي الكامل للقائد العام للمنطقة الوسطى وجميع قوات الأمن العاملة حاليا في الميدان في أعقاب الأحداث العنيفة التي وقعت في يهودا والسامرة”.
وتابع كاتس: “ستواصل الحكومة بقيادة نتنياهو تطوير وتنمية المستوطنات في جميع أنحاء يهودا والسامرة، بالتعاون مع قيادة المستوطنات، مع الحفاظ على القانون وأمن السكان واستقرار المنطقة”.
قال جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان الإثنين، إن قواته إضافة إلى قوات من حرس الحدود والشرطة “هرعوا إلى قرية الجبعة عقب بلاغ عن عشرات المدنيين الإسرائيليين (المستوطنين) الذين أشعلوا النار وألحقوا أضرارا بالمنازل والمركبات في المنطقة”.
وأوضح أن الحادث وقع بعد إخلاء قواته عددا من المنازل في بؤرة استيطانية غير قانونية بالمنطقة.
وسيرا على حالات مماثلة سابقة لم تسفر عن تحقيقات أو نتائج ملموسة، ادّعى الجيش أن “قوات الأمن تقوم بتمشيط المنطقة بحثا عن المتورطين، ولا يزال الحدث جاريا”.
وزعم الجيش أنه “ينظر بخطورة بالغة إلى العنف من أي نوع كان، والذي يشكل خرقاً للأمن في المنطقة، ويدينه، ويعمل على فرض القانون والنظام في المنطقة”.
في المقابل، قال زعيم المعارضة يائير لابيد على منصة “إكس”: “أعمال الشغب التي قام بها مجرمو التلال في قرية الجبعة هي خطوة أخرى في تصاعد العنف. هؤلاء مجرمون عنيفون، وحان الوقت للتعامل معهم بجدية”.
وأكد لابيد “إنهم (المستوطنون) يُلحقون الضرر بإسرائيل، ويُلحقون الضرر بنا في العالم، وهم عار على اليهودية والصهيونية. حان الوقت لتنحية (وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار) بن غفير ووضع حدٍّ لهذا”.
وعلى المنصة ذاتها، قال يائير غولان زعيم حزب “الديمقراطيين” المعارض، إن إرهاب المستوطنين “يضرب مرة أخرى”، مضيفا: “بعد إخلاء البؤرة الاستيطانية غير القانونية في غوش عتصيون، هاجم العشرات من مثيري الشغب قرية الجبعة”.
وأشار إلى أن إرهاب المستوطنين “خرج عن السيطرة في ظل حكومة (وزير المالية بتسلئيل) سموتريتش-نتنياهو”، مؤكدا: “هذا ليس خطأ، بل سياسة”.
وزاد: “الإرهاب هو الإرهاب، وهو يُعرّض إسرائيل للخطر. على الشاباك والجيش والشرطة التحرك الآن، بحزم، والتصدي له قبل أن ينفجر”.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كشفت معطيات إسرائيلية، ارتفاع عدد الشكاوى المقدّمة للشرطة عن هجمات مستوطنين على فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، مع انخفاض التحقيقات بشأنها.
(الأناضول)