يقع حي الكرادة على الجانب الشرقي لنهر دجلة المسمى جانب الرصافة من بغداد، وهو من الأحياء التي تأسست حديثا، ففي العهد العثماني كان عبارة عن أرض زراعية تُسقى من النهر الذي يحاذيها بواسطة الكرود، واحدتها كرادة، وهي آلة سقي بدائية تؤدي مهمة الناعور، لكنها لا تشبهه، أي أن المنطقة كانت تجهز في الماضي القريب سلة غذاء جانب الرصافة من مدينة بغداد. في الوقت الراهن صار الشارع الذي يخترق الحي مركزا تجاريا تتزود منه العاصمة بالسلع المستوردة، الملابس والعطور والتجهيزات الرياضية، وغير ذلك.
وقع التفجير في فجر الأحد 3 يوليو/تموز 2016، أحد الأيام الأخيرة من شهر رمضان، أثناء تناول رواد سوق الكرادة وجبة السحور. كانت السيارة الملغمة من نوع هيونداي لنقل المسافرين، وعندما اقتربت من أحد الأسواق المزدحمة قام السائق بتفجيرها، ما أدى إلى تدمير ثلاثة مبان، واحتراق عدد كبير من السيارات والحافلات، وتسبب باندلاع نيران كثيفة في محلات تجارية حوصر داخلها المتسوقون الذين كان عددهم كبيرا لكون المنطقة تشهد إقبالا مكثفا من العائلات التي تقتني مستلزمات عيد الفطر. بسبب ذلك، كان عدد الضحايا كبيرا إذ بلغ أكثر من 324 قتيلا وحوالي 500 جريح. وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عبر وكالة “أعماق” عن تبنيه “عملية استشهادية مباركة، نفذها الأخ الاستشهادي أبو براء الأعظمي على تجمع للكفار الشيعة في منطقة الكرادة، تمكن من إبادة العشرات منهم”.
أعلن البرلمان العراقي الذي اجتمع في اليوم التالي أن عدد التفجيرات التي حصلت في البلاد في هذا العام وحتى شهر تموز- يوليو هو 181 حادثا إرهابيا، لكن هذا التفجير أمره مختلف؛ كانت العجلة تحمل 250 كيلوغراما من مواد شديدة الخطورة تسببت بنار غير اعتيادية. مات معظم الضحايا اختناقا أو أُحرقت أجسادهم تماما، ولم يتم التعرف عليهم إلا بعينات الحمض النووي.
المسيرة
زرت مكان الانفجار في اليوم التالي، وكان مشهد المسيرة التي انطلقت من كنيسة أم الأحزان القريبة تقشعر له الأبدان، وتخشع له القلوب؛ كراديس من شاباتٍ وشبانٍ مسيحيين يسيرون في مشية عسكرية بمعية رجال الكنيسة؛ الطبل يدوي، والأقدام تضرب الأرض، والشموع محمولة بالأكف، ترمز إلى أرواح الميتين ترفرف حية في المكان. الجميع جاؤوا من الكنيسة مباشرة بملابس عسكرية كاكية اللون، وقبعات تتوج الرؤوس، والشعر الأشقر والأسود والكتاني السبط يهتف مع النشيد: عاش العراق! كان الناس المحتشدون على جانبي الشارع يهتفون، وساكنو البنايات ظهروا في الشرفات، والجميع يسكب حار الدمع على وجنات مبللة، وكانت هنالك امرأة تعرض ثياب العيد لأبنائها الذين غيبهم الحريق. الأشجار، والطيور، والشارع الذي أعلن أهله الحداد كان يردد مع الطبل الذي يهدر، ومع المزمار والصنج، وكانت الأفئدة هي التي تهتف، لا الحناجر:”عاش العراق”.حضر المسيرة أهل البيت المسيحي كله، بينما غاب جميع أهل البيت السني، وكانت مشاركة البيت الشيعي متواضعة للغاية؛ عدد ضئيل من سيارات التويوتا جاءت تعبر الشارع مسرعة، وتبث من مكبرات الصوت أناشيد حسينية، وعندما تبلغ العجلة مكان المسيرة، يصطف الجميع إلى جهة الرصيف، ويسكت الطبل والمزمار والصنج، ويتوقف السائرون إجلالا لذكرى الإمام الحسين، ويؤدي الجميع، بمن فيهم رجال الكنيسة حركات إيمائية تشبه لطم الصدور، مشاركينَ الإمام أحزانه، كأنهم ينضمون إلى لوائه، ثم تمر العجلة، وعندما يختفي تماما صوت النشيد الحسيني، تعود الكراديس إلى المسير.
التجربة المريرة
كنت واحدا من الذين تجمهروا على جانبي الشارع، وكنا نسير مع المسيرة، وهي تقترب شيئا فشيئا من مكان الانفجار. ما إن بلغَتْه حتى ارتفع العويل، وتوقف السائرون، وشُلت الأقدام. كانت أشعة الشمس تلقي ظلالها الوردية، الأرجوانية في فجوات سوداء. لا أريد لأحد من القراء أن يمر بهذه التجربة المريرة، فالمشهد كان شكلا آخر من هاديس، وليس بمقدور الكلمات التي تصف الحال إلا أن تكون قد بُلّغَت بقوة أكثر الكوابيس رعبا، وكأنك أُلقيتَ فجأة في عالم مشوه بالكامل، والحياة فيه، وقد استدارت على عقبيها، تتجه مباشرة إلى الموت.
احترقت المباني على جانبي الشارع، وتفحمت الأشجار، وإسفلت الشارع كذلك، واصطبغ المكان بلون معتم يشبه الأسود، لكنه ليس أسود ولا أي لون آخر، وكان يبين من بعد ضباب كثيف معتِم بالدخان، وعندما سكتت الموسيقى سكتت معها الأنفاس، وأصبحت السماء سوداء، وكأن الليل قد حل، على الرغم من أنها لا تزال الخامسة عصرا. وفجأة بدأنا نسمع، في خيالنا، ألسنة النار تمتد إلى كل مكان، يتبعها واضحا دبيب خطوات عزرائيل، وأخذنا نرى، بعين خيالنا، الناس والنيران تلتهمهم، وكانت الصيحات الموحشة تتساقط هنا وهناك، وترتج داخل أجسادنا. كنا نصغي إليها، ونشعر بالخوف، وندفع عنا رياح الجحيم بالقول: “الله، الله، هو الذي يدفع عنا كل بلاء مقيم”.
بورخيس: “لا صفقة يمكن أن تُعقد مع النصيب فلا يأسفن على نصيبه أحد”.
ظلال شاحبة لاحت لنا من بعيد، وكأن ابتسامة أضاءت وجه أحد الأشباح، وبعدها لا شيء. كان النهار حارا ساكنا، دفعات وجرعات قليلة من الهواء تجعل الشموع في الأكف التي تحملها تخفق وتتراقص. النار هنا رمز للنار الجبارة التي التهمت مئات الناس، وهي تبعث الآن الحياة في أرواحهم، بعد أن أحرقت أجسادهم تماما. إنهم أحياء، يتنفسون الهواء معنا، ويصغون إلى التراتيل الكنسية التي انطلقت الآن، لتشمل المكان بالحب والرحمة والتسامح بين بني البشر. أي صورة متناقضة كنا نشهدها في تلك الساعة، وكأننا نشهد الجحيم والجنة في المكان نفسه؟ الجميع كانوا يبكون من الحزن والسعادة. لقد وُهب الضحايا بواسطة التراتيل الكنسية الموت جنبا إلى جنب مع الخلود. بالنسبة إليّ، كنت أرى نفسي وقد صارت حمامة تتعذب في أتون النار، وكانت الحمامة ترفرف، تحترق، وتشوى، ثم تحلق بعد ذلك الى سماء خالية. كل من وقعت عيناه على مكان الانفجار فكّر أن حياته لن تبقى أبدا مثلما كانت عليه من قبل.
ما هي المادة التي استعملها التنظيم وتسببت في كل هذا الخراب؟ التقارير الحكومية لا يعول عليها كثيرا، لكن البعض أشار إلى أن المادة المستعملة هي C4، وربما كانت نوعا مستحدثا من النابالم، وكشفت تقارير طبية عن وجود آثار لنترات الأمونيوم. بعض المسؤولين العراقيين، وبعد فحص الجثث المتفحمة، قالوا إنها من فعل أسلحة الدمار الشامل. اجتازت العجلة المحملة بربع طن من المتفجرات ثلاث نقاط تفتيش، ولم تكشفها أجهزة الكشف باختلاف أنواعها، ومما يزيد الأمر غرابة أن عددا كبيرا من الضحايا اتصلوا بأهلهم بعد الانفجار، طمأنوهم، وقالوا لهم إنهم في طريقهم إلى خارج المبنى الذي انفجرت السيارة بالقرب منه، وبعد دقائق انقطع الاتصال، ولم ينجُ أحد من هؤلاء، قضوا جميعا في نار شديدة كانت عصية على فرق الإطفاء، وسرت شائعات بأن أحد الميليشيات التابعة إلى الأحزاب قامت بخطف هؤلاء الناجين في سبيل مقايضتهم بالمال، ولكن مجرى الأحداث لم يثبت صحة هذه الأقوال.
قصة حقيقية
قضي في الحادث صديقي عماد وأبوه، وكانا من بين العاملين في السوق، وعندما قمت بزيارة إلى بيتهم لغرض المواساة استقبلتني أخته نضال وعلى وجهها ظلال كآبة ثقيلة، ثوبها الأسود والشال الذي يخفي شعرها زادَ من عمرها فبدتْ عجوزاً صغيرة، رغم أن عمرها لا يتجاوز الثلاثين. قالت، بصوت يشبه التنهد: “لقد حلت بنا الكارثة”. “ليس لك ان تهتمي هكذا. عليك بالصبر” قلتُ لها. “إنني أموت” قالت.
كانت الظلال في البيت مفروشة بالأسى، وشعرت بتنمل في قدمي وأنا أشرب الشاي. تكات الساعة مأتمية هي الأخرى. ثم عدتُ إلى المواساة: “حين أقرأ الفاتحة على روح الفقيدَين، أحس كما لو أنه لا شيء مميت يمكن أن يحيط بهما. إنهما شهيدان. صدقيني”.
كنت آمل في أن يخفف هذا من حزنها، لكنها لا تريد أن تصدق في ما يبدو هذا الكلام. في هذه الأثناء لمحتُ ظلاً رمادياً يرتسم على الحائط البعيد. توقفَ. سَكَنَ. تنبهت نضال إلى الظل. صاحت: “إنه صديق أخي عماد. تعال واشرب الشاي معنا”.
لم يقل الظل شيئا، وبقي مطبوعا على الحائط، يبث إلى جهات البيت غموضهُ، ويشيع في الجو التوتر.
“أمي في أسوأ أحوالها. إنها لا تنام ولا تأكل”. قالت نضال، وساد صمت لبرهة من الزمن أكملت فيها شايي. ابتعدتُ بنظري أراقب خيال الأم، وكانت تصدر منه همهمات صلاة يتخللها بكاء لم آلف سماعه. بدا لي مثل صدىً واهن لأنات وانتحابات بشر لا عد لهم. كانت الأم تبكي بكاء جميع الأمهات والزوجات. في هذه اللحظة تماما تخلصت الشمس من أغصان السدرة الكثيفة في الحديقة، ونفذت أشعتها داخل الغرفة، وازدادت قتامة الظل الذي تراجع في الحال تاركاً وراءه على الحائط مثل مسحوق أغبر اللون. انتبهتْ نضال إلى مغادرة أمها، وجففت عينيها المعتمتين مـن الدموع:
“إنها تقضي النهار والليل في قراءة القرآن والأدعية. لا طعام. لا شراب. حسبيَ الله ونعمَ الوكيل”.صوت نضال الرصين يجرجر فـي طياته حزناً لا يعيش سوى في هذه البقعة من الأرض. لماذا يعيش العراقيون مأساتهم في كل يوم؟ لا أحد بإمكانه تقديم جواب شافٍ لهذا السؤال. كلما كان الموت مفاجئاً كان الحزن أكثر عمقاً، وعذاب الفراق أكثر قسوة. سوف تموت الأم كمدا، وتبقى البنت فريسة عذابات الوحدة والوحشة والفراق، الموت أهون بكثير من هذه التي يدعونها حياة.
بلغ عدد ضحايا انفجار الكرادة أكثر من 300 فرد، ولكن ماذا عن أولئك الذين سوف يقضون حتما من جراء عذاب فراق أحبتهم، أمثال أخت صديقي وأمه؟ ومن يقدر على تقديم إحصاء حقيقي لهؤلاء؟ أعرف كثيرا من القصص التي حاول الأهل فيها إخفاء موت أبنائهم عن ذويهم في حادثة الكرادة؛ اختلقوا قصصا عن هجرة إلى الخارج، وافتعلوا أعمالا قام بها ضحايا التفجير، ما اضطرهم إلى الاختباء في أماكن لا يعرفها أحد من أجل أن لا تطالهم أيدي السلطات، وهذا بالطبع كله غير حقيقي، والغرض منه أن لا يعلم الوالدان المريضان بأمر فقدان أولادهم. كيف نبت هذا الشر؟ ولماذا حدث هذا كله؟ ومن هو المستفيد؟
كاتب عراقي