تقرير الحريات الدينية الأمريكي: الأقليات الدينية كمدخل للأجندة الإنجيلية في المغرب

لا يختلف تقرير الحريات الدينية الأمريكي لهذه السنة في شيء عن تقاريره السابقة، فمن حيث العمران الطوبوغرافي، فقد استمر على النسق نفسه، بدءاً بالديموغرافية الدينية، والإطار السياسي والقانوني، ووضعية الحرية الدينية في الممارسة الحكومية، وملامح التحسن والانتهاك فيها، ووضعية هذه الحرية مجتمعيا ثم سياسة الولايات المتحدة وتنسيقها مع السلطات من أجل حثها على احترام الحريات الدينية والنهوض بها، أو من خلال خلفياته السياسية، التي تركز بشكل كبير على الأقليات الدينية، وبشكل خاص الأقلية المسيحية الإنجيلية.
فمن خلال استقراء 20 تقريراً صدرت عن الخارجية الأمريكية حول الحريات الدينية في المغرب، أي منذ أن أصدر الكونغرس الأمريكي سنة 1998 قانوناً ألزم وزيرة الخارجية بأن تحيل على الكونغرس تقريراً سنوياً عن الحرية الدينية الدولية المكمل لأحدث التقارير المتعلقة بحقوق الإنسان، يتضح أن عينها ليست على وضع الحريات الدينية، بقدر ما هي على محاولة اختراق الوحدة الدينية في المغرب، وإيجاد موطئ قدم للأقليات الدينية، ولا سيما منها المسيحية.
والمثير للانتباه أن الفصل المرتبط بالديموغرافية الدينية في هذه التقارير كلها، يعرف اضطرابا وارتباكا ملحوظين، فمع أنه يؤكد تقريبا على أن المسلمين السنّة في المغرب يمثلون 99 في المئة، باستثناء سنة 2009 التي تحدث فيها التقرير عن نسبة 98.80 في المئة، إلا أن المثير في الانتباه هو النسبة التي يقدرها التقرير للمسيحيين، فمنذ سنة 1999 إلى غاية 2007 والتقرير يتحدث عن 5000 مسيحي في المغرب، ليتحدث سنة 2008 عن 1 في المئة، وعن 1.1 في المئة سنة 2009 وسنة 2010، ليتم الحديث بعد ذلك عن أقل من 1 في المئة لمجموع الأقليات الدينية، وهو الشيء الذي تم تأكيده في التقرير الأخير. التقرير لا يفسر هذا الاضطراب، فقط ما يقوم به هو إسناد المعطيات إلى ناشطين وقادة دينيين مجهولين وتقديرات لا يمكن معرفة مصدرها ولا كيفية استقائها، غير أن التغيير الذي حصل في هذه الفقرة، وهو الابتعاد عن منطق التفصيل وفرز الأقليات إلى منطق التجميع، فبدل الحديث عن نسب الطوائف والمجموعات الدينية كل على حدة، يتم فرز المسلمين واليهود في المغرب، بحكم وضعية الاعتراف التي تحظى بها المجموعتان، وتعطى لبقية المجموعات ألأخرى المختلفة نسبة واحدة جامعة، وفي ذلك دلالة على تغير الاستراتيجية الأمريكية، من الرهان على الأقلية المسيحية الإنجيلية على الخصوص، إلى الرهان على ورقة الأقليات مجتمعة، للتمكين للأقلية المسيحية.

السياسة الأمريكية في موضوع الحريات الدينية بالمغرب انتقلت من مرحلة التقرير المنهجي الضاغط بورقة الحريات الدينية، إلى الإسناد الحقوقي لمكونات المجتمع المدني، باستعمال ورقة الأقليات.

يظهر ذلك من خلال الوقائع والمعطيات التي حاول التقرير تسجيلها من خلال إفادات حقوقية أو صحافية أو مدنية، ليبني عليها خلاصات تخص وضعية الأقليات الدينية وذلك بالتركيز على الشيعة والبهائية في المغرب.
والحقيقة أن ورقة البهائية قديمة في التوظيف الأمريكي، فقد بدأت مع أول تقرير أصدرته الخارجية الأمريكية حول الحريات الدينية سنة 1999، إذ أكدت في عشر تقارير متوالية على أن عددهم يتراوح ما بين 350 و 500، من دون تحديد مصدر هذه المعطيات، كما أعادت تقريبا نفس العبارة التي تتحدث عن مضايقات حكومية ومجتمعية لحرية البهائيين في ممارسة شعائرهم الدينية، لكن بالنسبة للشيعة، فلم يبدأ الحديث عن هذه المجموعة إلا سنة 2006 ثم 2007، إذ أشار تقريرا هاتين السنتين على التوالي بوجود الشيعة بعدد غير معروف، ليفاجأ الجميع بحديث تقريري 2008 و 2009 عن ما بين 3000 و 8000 شيعي، ويستمر الحديث بهذه الصيغة الرقمية إلى التقرير الأخير الذي يتحدث عن آلاف من الشيعة من دون تحديد رقم محدد، بل ليضاف إليهم رقم جديد للشيعة يخص الشيعة الأجانب من المغرب من لبنان وسوريا والعراق، ويتحدث عن 100 إلى 2000 شيعي أجنبي في المغرب.
هذه الخلفية التي تحرك التعاطي مع الديمغرافية الدينية هي نفسها التي تظهر في رصد السياسات الحكومية وشكل التعاطي المجتمعي مع الحريات الدينية، فقد جاء هذا التقرير مركزا بشكل كبير على الانتهاكات التي تمس حقوق الأقليات، وبشكل خاص الأقليات الدينية، التي اشتغلت في السنوات الأخيرة بنفس مشترك، ووضعت الحريات الفردية عنوانها في هذه المرحلة.
صحيح أن التقرير أشار إلى بعض الجوانب الإيجابية التي تخص السياسات الحكومية المغربية في التعاطي مع الحريات الدينية (جهود محاربة التطرف، وحوار الحضارات والأديان، والاعتناء بالذاكرة اليهودية في الصويرة، والتأكيد على التعايش بين المسلمين واليهود في المغرب، ودور التربية في محاربة ثقافة الكراهية والعداء للسامية، فضلاً عن توسيم كنائس وقساوسة على جهودهم في بث ثقافة التسامح في المجتمع المغربي)، لكن هذه المعطيات الإيجابية جاءت محدودة الحجم بالقياس إلى حجم الانتهاكات المرصودة، التي خصصت بالكامل للأقليات الدينية. كما أعاد التقرير الفقرات نفسها التي تتحدث عن التضييق المجتمعي على حقوق الأقليات الدينية، لا سيما منها البهائية والشيعية.
المحصلة أن هذا التقرير انعطف كلية إلى استعمال ورقة الأقليات، بما في ذلك ورقة الأقليات الشيعة، وانتقل من مستوى الدفاع عن حالات فردية إلى الدفاع عن هيئة مدنية معنية بالتحرك المجتمعي والحقوقي لفرض حقوق الأقليات الدينية، وركّز بشكل كبير على الحريات الفردية، مما يفيد بأن السياسة الأمريكية في موضوع الحريات الدينية بالمغرب انتقلت من مرحلة التقرير المنهجي الضاغط بورقة الحريات الدينية، إلى الإسناد الحقوقي لمكونات من المجتمع المدني، باستعمال ورقة الأقليات، وتذويب الرهان المسيحي ضمنها، لاعتقادها أن التمكين للأقليات المسيحية الإنجيلية لا يمكن أن يتم من غير خوض معركة بهذا الأفق، وبهذه الآليات المدنية والحقوقية.

كاتب وباحث مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول هشام. د:

    أثار انتباهي تعرض التقرير حول الأقليات الدينية في المغرب لتطور أعداد الشيعة وما يرتبط بذلك من إحصائيات ورجعت بي الذاكرة إلى فترة الشباب في أواخر الثمانينيات من القرن الفارط حين ظهر لأول مرة في المغرب تيار شيعي كان يلقب ” بالتيار الرسالي” وكان وجوده منحصر بين قلة من طلاب الجامعات, كنا نعلم وقتها أن هذا التيار لا مستقبل له في بلاد المغرب الأقصى نظرا لتمسك عامة المغاربة بالفطرة بتمجيد الصحابة وآل البيت, فمجرد ذكر عائشة زوج الرسول (ص) أو عمر بن الخطاب بكلمة سوء تجعلك من مرتكبي الكبائر, فلم يكن بإمكان هذا التيار الشيعي أن يجد له موضع قدم في المجتمع أو حاضنة شعبية ولو محدودة تقبل به. حتى الشباب المتحمس الذين إرتبطوا به لم يكن إعجابهم إلا بالجانب الحركي والثوري للتيار الرسالي فيما كان الجانب العقدي شبه مرفوض ولا يطرح حتى للنقاش. بعد مرور ثلاث عقود, صدقت توقعات الجميع فلم يعرف هذا التيار الشيعي أي انتشار في المغرب وظل حبيس الجدال الفكري في المناظرات والمحاضرات, ولا نطنه سيتجاوز في المستقبل القريب أو البعيد هذا الوضع. غالب الشيعة الموجودين في المغرب هم من جاليات أجنبية.

  2. يقول رشيد الصنهاجي:

    التقارير المعتمدة والتي لها نصيب وافر من المصداقية والحيادية هي من إحدى المصدرين ولا ثالث لهما: إما هيئات أممية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة أو منظمات دولية غير حكومية مشهود لها بالموضوعية والإستقلالية من بينها منظمة هيومان رايت وتش ومنظمة العفو الدولية ومنظمة تراسبرانسي ومنظمة مراسلون بلا حدود…
    أما ما يصدر عن هيئات حكومية لدول من الغرب أو الشرق فلا ينبغي أن تصبح مصدر توثر علاقات بين دول الجنوب والعالم الغربي أو تصبح مصدرا ومرجعا في في المعاملات الدولية ومنها تقارير الخارجية الأمريكية, ماذا لو أصدر الإتحاد الأوروبي ثم بعده الصين وربما روسيا تقارير مماثلة, فهل وجب علينا أخذها جميعا بعين الإعتبار؟ هي تقارير لا تلزم إلا كاتبيها وانتهى الأمر.
    على الدول النامية أن تنوع مصادر تعاملاتها التجارية والعسكرية والسياسية حتى لا تقع ضحية مساومات وابتزازات مبنية على تقارير جهات حكومية أجنبية.

  3. يقول يوسف المقري:

    ربع ساكنة الولايات المتحدة من منتسبي الكنيسة الأنجليكانية فيما غالبية أقطاب الحزب الجمهوري من رواد هذه الكنيسة وينعكس هذا الإنتماء بشكل معلن في رسم سياسات الخارجية للولايات المتحدة خاصة في فترات حكم الجمهوريين. فلا غرابة إذن أن يعتري تقارير خارجيتهم بخصوص الأوضاع بالعالم العربي مسحة من الدفاع المستميت عن الكيان الغاصب لأرض فلسطين ثم الجنوح لنصرة الأقليات الأنجليكانية في بلدان العالم الثالث.
    أتباع الكنيسة الأنجليكانية يقفون موقف عدائي في وجه إرادة الشعوب العربية في تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس الشريف لأنهم يجمعون على: 1- الدعم اللامشروط للكيان الغاصب و 2-دعم الإستيطان و 3-الترويج والدعاية في المحافل الدولية للقدس كعاصمة الكيان الغاصب.
    فقد شاهدنا كيف انقلب موقف البرازيل بين عشية وضحاها بعد انتصار مقرب من الإنجيليين برئاسة البلاد وسارع للإعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الغاصب!
    لذلك لا أعتقد أن ضغط الخارجية الأمريكية أو غيرها سيقوي حظوظ غرس هذا الكيان المرفوض شعبيا ورسميا في جسم الوطن العربي.

اشترك في قائمتنا البريدية