منذ فترة وضع أحد الأصدقاء على صفحته في فيسبوك، منشورا يقول فيه إنه أسف كثيرا على جلوس الكاتب الجزائري البارز رشيد بو جدرة، صاحب روايات «الإنكار»، و«الحلزون العنيد» وغيرها، محشورا في ركن ضيق، في أحد أجنحة دور النشر في معرض الكتاب، ينتظر أن يمر عليه أحد ليوقع له، ولكن لم يلاحظ أن أحدا تعرف إليه، وظل جالسا وحده هكذا. الصديق يستغرب ذلك ويستغرب أن كاتبا بهذا الحجم له تاريخ موغل في الكتابة، لا يعرفه أحد، ويعامل مثل المبتدئين بحشره هكذا من دون أي تنويه أو احترام.
هذا الذي كتبه الصديق، واقع في كثير من معارض الكتب، حيث يمكنك مشاهدة كتاب وشعراء عظماء، تسمع عنهم كثيرا، جالسين هذه الجلسة، لا يمر عليهم أحد، ونادرا ما يتعرف إليهم البعض ممن عاصروا ظهورهم، ومن استمتعوا بقراءتهم سابقا. وستجد كاتبا صغيرا جدا من الجيل الجديد، محاطا بالورود والشوكلاتة، والابتسامات وكاميرات الهواتف النقالة، ومئات، وأحيانا آلاف المعجبين، يتقاتلون للحصول على توقيعه، ولا يستطيع التوقيع للكل، فينصرف وفي قلوب معجبيه حسرة.
نعم بوجدرة وغيره من جيل ذهبي أثروا الكتابة، وظهروا في وقت لم تكن فيه أي معارض للكتب، أو فيه معارض خجولة، ولا توقيعات، ولا ورد ولا حلويات ولا ترامس مليئة بالشاي الحليب، تأتي من هنا وهناك. لا أعتقد سيتوقعون أكثر من الجلوس والانتظار، وكما قلت، سيمر أشخاص قليلون، يلتقطون معهم صورا سيلفي، لوضعها على صفحات التواصل، ولا شيء آخر.
وكنت منذ سنوات، أمر في معرض الكتاب في الدوحة، وفوجئت حين وقفت أمام دار نشر ليست معروفة، بوجود الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، جالسا، مرتديا بدلة جميلة، وبهاء شعريا زاهيا، داخل المقر الصغير لدار النشر. ويمر الناس، يتطلعون إلى الكتب، وغالبا لا يتعرفون عليه، ويمكن جدا أن يسأله أحد عن سعر كتاب ما، باعتباره موظفا في الدار. حييته وعرفته بنفسي، واستغربت من وجوده طبعا، ولم يكن اسمه موجودا من ضمن المشاركين في فعاليات تلك السنة. قلت له إن وجوده مفاجأة فعلا، وجلوسه في هذا المكان بلا أصدقاء ولا معجبين، ولا معارف ولا قراء أيضا، غريب وغير ضروري. وعرفت أن الناشر صاحب ذلك المكان الضيق، نشر له مجموعة من الدواوين فيها نسخ ورقية، ونسخ بصوته، وجاء به ليوقعها في معرض كتاب الدوحة، لكن يبدو أن الفكرة برغم جمالها، وأنها مبتكرة آنذاك، لم يهضمها الناس، أو لم يعلن عنها جيدا، فجلس عبد الرحمن وذهب من دون نجومية، هو يمتلكها فعلا.
أذكر ذلك اليوم أن الشاعر لم يكن غاضبا، ولكن فيه شيء من الإحباط، وهذه الدرب التي نطرقها كلنا، ونصل نهايتها أو لا نصل، كلها إحباط، وكلها نتوءات وحفر، وكلها تجهم في الوجوه أكثر من الابتسامات. ولا يوجد إحباط أكثر من أن تجد كتابا لك على أمازون، يحقق مبيعات كبيرة، ويصبح رقم واحد عالميا في توزيع الكتب، ثم تأتي لتنال حقوقا مشروعة، ومن المفترض أن تغنيك عن العمل الوظيفي، فتجد حوالة بمبلغ رمزي، هو في الحقيقة، ثمن وجبة خفيفة من ماكدونالدز أو كنتكي.
قال الشاعر يومها، إنه استمتع بالرحلة، وتغيير الجو، ولقاء أصدقاء تعرفوا إليه، وكتب لي توقيعا لطيفا على نسخي التي اشتريتها من أعماله المقروءة والمسموعة، وانتهت ليلة محبطة.
ولعلي لا أمل من تكرار تجارب قاسية مررت بها شخصيا، وكانت كفيلة بأن تردعني عن الكتابة والنشر، وانتظار شيء، لن يجيء أبدا، لكنها لم تفعل مع الأسف، وذلك يدعم رأيي بأن الكتابة لعنة، أو مرض يصيب البعض، ولا يستطيعون الشفاء منه. مع ملاحظة أن كثيرا جدا من الأصحاء في هذه الأيام، يسعون بأيديهم ليصابوا بمرض الكتابة، وينتجون أعمالا ليست مجرثمة بإتقان، مجرد تعذيب للذات وحبس للنفس في غرف مغلقة، ولا شيء آخر.
كنت مرة في دولة عربية، مشاركا في ندوة عن الرواية والمجتمع المدني، وكانت لدي رواية صدرت منذ فترة وتوزع هناك، وأصر صاحب مكتبة كبيرة، توزع أعمال الكتاب جميعا، بما فيها أعمال لي، أن آتي وأوقع للقراء في مكتبته. أخبرته بتجاربي غير الجيدة في هذا المجال، وأن القراء ليسوا دائما تحت الطلب، وربما يكون ثمة قراء، لكنهم يفضلون القراءة بعيدا عن توقيع الكاتب وابتسامته غير الضرورية، فلم يقتنع، قال سترى بنفسك، هناك كثيرون يسألون عن أعمالك، ونوفرها لهم.
الرجل وضع إعلانا في أماكن عدة كما أخبرني، وجاء وأقلني من فندقي إلى حيث التجمهر المفترض، وكان أن جلست في ركن الروايات، كتبي أمامي، وابتسامتي أدخرها لمن يأتي، وصاحب المكتبة جلب وردا وشكولاتة راقية، ويأتي بين حين وآخر للاطمئنان على صحتي النفسية، وإن كنت محبطا من عدم وجود من أوقع لهم، وكنت هادئا، أعرف تماما تلك الأجواء، ولدي مناعة من مضاعفاتها. أمسكت بنسخة من الكتاب، وقعتها لصاحب المكتبة، ونسخة أخرى وقعتها لسيدة كانت تتحاوم هناك باحثة عن كتاب الطبخ الجديد للشيف منال العالم، واشترت الرواية بلا أي هدف، وربما بدافع الإحراج أنها وجدت المؤلف أمامها. ونسخة ثالثة، وقعتها لموظف في استقبال الفندق الذي أقيم فيه، كان طلب مني نسخة من أحد كتبي، أعرف تماما أنه لن يقرأها.
إذن بو جدرة ليس وحيدا، في انسياقه لرغبة ناشر، في وجوده واحتمال احتشاد الجماهير من حوله، والأبنودي اعتبرها تجربة لتغيير الجو، وأنا نادرا ما أنحشر في مكان غاص باحتمالات النجاح والفشل، وأحب تقاليد توقيع الكتب، مثل وجود منابر خاصة للتوقيع في معارض الكتب، معلن عنها بواسطة إدارات تلك المعارض، ويعرفها الجمهور جيدا، ويأتي إليها خصيصا.
*كاتب من السودان
ركن اسبوعي جميل ومريح واختيار يوم الاحد ليس عبثي .
– نظراً للمكانة المميزة التي تتحلون بها في الوسط الأدبي، وعمق رؤيتكم وقدرتكم على قيادة حوار ثري، نود اقتراح قناة على يوتوب ليس فقط كضيف كريم، بل كـ “مضيف ومحاور” في حلقات خاصة مع الزملاء الكتاب والشعراء بما لايتجاوز ١٥ عشرة دقيقة لكل حلقة تبقى تراث وارشيف لسنوات عديدة قادمة و تساعد في نشر الكتب والتعريف بالكتاب وفي نفس الوقت بعض المرود المادي ، كل ماتحتاجه من الناحية الفنية هو زوم او تيمز ارجو ذلك !؟ .
معك حق يا امير واشعر بالأسف لهوءلاء الكتاب وعليهم ان يتوقعوا ذلك قبل الذهاب إلى هكذا فعاليات ففي النهاية كل إنسان يعرف مقعده ومقداره في الكون وهو على نفسه بصيرة.
هذا من زواية حادة، اما من زاوية منفرجة، فنحن نعيش زمن السرعة ووقت التفاهة وليس زمن الكتاب، زمن مواقع التفكك الاجتماعي، الاخبار الخفيفة وعدم الصبر وزمن الخفة و الغيبة والنميمة واخبار المشاهير والنجوم وزمن حثالات الأقوام الذين يتصدرون المشهد واصبحوا بقدرة قادر icons ورموزا للأجيال الجديدة.
من اجل مصداقيتي وهي راسمالي، أنا شخصيا انساق احيانا إلى هكذا واقع للهروب من الواقع الأليم الذي نعيشه واهل غزة، وهذا ضعف إنساني فليس من المعقول ان يعيش الإنسان في نكد متواصل 24/7 لا نهاية له ومن يدعي غير ذلك فهو كاذب ومن يزايد على ذلك فهو منافق.
اعود إلى الكتاب وتحسرهم على انفسهم واقترح عليهم بل انصحهم ان عليهم في ال events القادمة ان يصطحبوا معهم عمر دياب او راغب علامة او الوهبي هيفاء او حتى دينا من اجل جلب المعجبين. لا اجد حلا الا بذلك في الأفق القريب وفي ال horizon البعيد.
مشهد تجاهل الكتّاب الكبار في معارض الكتب حقيقة مؤلمة تكشف اختلال الذائقة، ولا تنتقص من قيمتهم، بل تُبرز الفرق بين جوهر الأدب وضجيج الشهرة العابرة.