ـ لماذا لا تكتب عن تونس؟!!
ـ لأنني بصراحة لم أعد أفهم ماذا يجري فيها بالضبط، اختلط الحابل بالنابل!!
ـ ألهذا الحد؟!
ـ بل وأكثر…
فوجئ صاحبي المشرقي بردي وهو من يعشق تونس والمفتون بتجربتها الديمقراطية التي يعتبرها الأمل العربي الوحيد المتبقي. وفوجئ أكثر لأنه لم يعرفني من أنصار النظام السابق ولا من بين أولئك الذين يحنون إلى الدكتاتوريات.
وحتى لا تأخذه الظنون بعيداً… سارعت إلى صاحبي بالقول إنني فخور بما تعيشه بلادي من تجربة فريدة في الانتقال الديمقراطي، رغم كل العثرات والنقائص، وأؤمن أن أي عملية انتقال كهذه بعد عقود من سيطرة الحزب الواحد عملية معقدة تتطلب الكثير من الصبرحتى تتغير الممارسات والعقليات قبل حتى القوانين.
ـ إذن.. أين المشكل؟
ـ المشكل يا صديقي أنني كنت أعتقد أن لنا في هذه البلاد من النضج ما يجعلنا أقدر على السير بشكل أسرع وأكثر ثباتا، وأن لا ندخل في متاهات لا أول لها ولا آخر لم تؤد في النهاية سوى إلى تراجع مخيف في المستوى الاقتصادي ونسبة النمو وجودة الخدمات العامة، بما في ذلك الصحة والتعليم الذين كانت تونس تفخر بهما دائما، مع تفشي ظاهرة الاتكالية على الدولة بل وابتزازها واستنزافها في وقت هي أحوج ما تكون لمن يسندها وينهض بها.
ـ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟
ـ كثيرون ساهموا في هذا الاحباط الذي تلمسه لدى شرائح واسعة في البلاد غرقت في الحيرة التي تجعلك تخاف فعلاً من المستقبل.
ـ ما الذي لم تعد تفهمه في تونس بالتحديد، أو بالأحرى ما هي الأطراف التي أوصلتك إلى هذا التقييم المتشائم؟
ـ أشياء كثيرة لم أعد قادراً حتى على تفسيرها أو فك طلاسيمها، قد تظن أنه البعد عن الوطن، ولكن حتى الزيارات المتواترة إلى البلاد لا تفعل شيئا سوى تعميق هذا الاحساس المحزن.
ـ فصّل أكثر يا صاحبي…
لم أعد أعرف نفسي… ربما… فقد كنتَ تكتب عن تونس فيهاجمك إعلام بن علي أما اليوم فلا تدري من أين يأتيك «القصف» بعد كل رأي أو مقال
ـ لم أعد أفهم هذه الطبقة السياسية بجميع تصنيفاتها، ياالله كم هي في معظمها خاوية وقصيرة النظر، ألهذا الحد جوّف الرئيس الراحل بن علي الحياة السياسية فلم يبق لنا سوى هذه النماذج؟! أم إنه كان «حكيما» عندما ضيّق الخناق على هؤلاء لأن ليس لديهم شيء يقدمونه سوى الكلام وإدمان النقد والعجز عن الفعل وغياب الرؤية، فهم لم يكونوا يريدون سوى السلطة وهو لم يكن ببساطة في وارد أن يهديهم إياها.
لم أعد أفهم حركة «النهضة» الاسلامية التي أرهقت الناس بتقلباتها الكثيرة ونزقها المفرط، حركة أجهضت عمليا تطلعات الكثيرين في حياة ديموقراطية حقيقية لأنها لم تضع نصب عينيها سوى سلامتها هي واستفادتها من أجهزة الحكم بعيداً عن أي شيء له علاقة بمصالح الناس الحقيقية. أما زعيم الحركة راشد الغنوشي فلم تكن مواقفه المتناقضة وتصرفاته سوى تعميق لهذا الانطباع العام الغالب.
لم أعد أفهم اليسار الذي لا همّ له و لاهدف سوى التنكيد على حركة النهضة كأن هذا كفيل لوحده بجعله البديل المقنع. ورغم كل النكسات الانتخابية لهذا اليسار ما زال «زعماؤه» يصرّحون ويستنكرون مع أن المفروض هو استخلاص الدروس والتواري الكريم عن المشهد.
لم أعد أفهم الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تحوّل من مدافع عن المصالح النقابية المشروعة للعمال والموظفين إلى ما يشبه الحزب السياسي الذي لا تدري موقعه بالضبط في السلطة، مع توفير حماية غير مفهومة لكثير من الاحتجاجات المطلبية التي أرهقت البلاد واستنزفتها في ظل غياب العمل ودفع التنمية.
لم أعد أفهم الاعلام الذي لم يعرف كيف يستفيد من مناخ الحرية اللامحدود فصنع «قادة رأي عام» زادوا في تعميق أزمات المجتمع وحيرته أكثر من أي شيء آخر، مع مقمدي برامج تلفزيونية دخلوا السجون في قضايا تحيل ونصب ثم عادوا إلى الاستوديو وكأن شيئاً لم يكن، مع نقاط استفهام عديدة تتعلق بتمويل عديد المحطات التلفزيونية واللوبيات المالية والسياسية التي تقف وراءها. أما مواقع التواصل الاجتماعي فباتت مرتعاً لتصفية كل الحسابات السياسية بين الفرقاء بكثير من الاسفاف والبذاءة ونشر الأكاذيب.
لم أعد أفهم الرئيس قيس سعيّد الذي جاء محمّلاً بكثير من الآمال لكنها بدأت في التسرّب بسبب تصرفات ومواقف غير مفهومة على الصعيد الداخلي والخارجي ساهم بعضها في المس من هيبة واحترام الدولة ككل كالذي حصل مؤخراً في طريقة إقالة مندوب تونس الدائم في الأمم المتحدة.
لم أعد أفهم القضاء الذي يقدم أحياناً على أنه استعاد عافيته وبات مستقلاً ثم سريعا يعود أداة في خدمة السياسيين والنافذين خاصة في قضايا الفساد الذي يتغنى الجميع بمحاربته لكنهم مستعدون لعقد مختلف أنواع الصفقات معه من دون تفسير أو شرح وأحيانا بجرعة ليست خافية من الوقاحة والاستخفاف.
لم أعد أفهم النخبة الفكرية التي فضّلت في غالبيتها الانزواء وعدم المشاركة في الحياة السياسية بسبب هذه الضبابية في المشهد والانتهازية التي ضربت معظم المنخرطين فيها يميناً ويساراً وما بينهما. أبعدتهم الديكتاتورية في السابق ونفّرتهم الحرية المغشوشة اليوم.
لم أعد أعرف حتى الناس الذين كأنما تم التلاعب بإعداداتهم الذهنية في الحكم على الأشياء.
لم أعد أعرف نفسي… ربما.. فقد كنت تكتب عن تونس فيهاجمك إعلام بن علي أما اليوم فلا تدري من أين يأتيك «القصف» بعد كل رأي أو مقال.
كاتب وإعلامي تونسي
ما حدث في تونس عام 2011 ليس بثورة. عندما يكون في البرلمان أمثال هاته لن يتزحزح الوضع قيد أنملة إرث بن علي ما زال يثقل كاهل واقع تونس بنسخ مكررة باهتة
حيرتك حيرتني يا أستاذ محمد …..كل ما يحصل في تونس منذ الثورة المجيدة ……عادي و بأقل الضرر ….حجم الغير مفهوم منك دليل على عمق الثورة اللتي حصلت …..خمسون سنة على الأقل لتصبح تونس كما تتصورها يا أستاذ ……
اعتقد ان السيد كريشان يشتكي ويابى ان يفصح.. وسبب امتناعه عن الخوض في اعداء الثورة التونسية داخلها وخارجها لا يعود فقط لنقص الادلة الملموسة التي تسمح بتوجيه الاتهامات مباشرة وتحليل الوقائع على ضوئها ولكن ايضا لحساسية الموضوع في حد ذاته وسط عالم متوحش لم يعد يقبل قول كلمة الحق ولا يسمح بسماعها.
على كل حال اظن ما تتعرض له تونس اهون بكثير مما تعرضت له ليبيا وما تتعرض له الحزائر.. وقدر تونس انها تتوسطهما ولن تستطيع ان تفلت كليا من اللعبة الاقليمية القذرة التي تستهدف المنطقة كلها من مصر الى الى موريتانيا.
الحديث عن الديمقراطبة يصير ثانويا بل وهامشيا عندما تخوض الدولة صراعا وجوديا لبقائها وهذا في اعتقادي مفتاح فهم ارتباك السياسة التونسية بما فيها مواقف قيس سعيد.
ذلك الكبت الذي عاشوه في فترة بن علي لخصوه في تصرفاتهم الصبيانية ..فكل منهم صار همه الوحيد الحفاظ على منصبه السياسي مهما كانت الطريقة و الوسيلة بدون أخذ بعين الاعتبار وضع قل ما اقول عليه مأساوي على جميع النواحي ..و لذلك من رايي تونس بحاجة لثورة على مستوى الوعي لعل تلك الاصنام تنقشع من ساحة السياسية …
أستاذ محمد، عندما تترك أنت وأمثالك من النزهاء، في الإعلام على الأقل، الوطن حتما سيصير الوضع كما رسمته بل ربما أسوأ. عليكم إحاطة أنفسكم عبر التربية والتدريب الإعلامي بجيل جديد من الإعلاميين في تونس…شخصيا هجرت الحوارات السياسية في تونس وانكببت على بحوثي وأعمالي فهي أفيد وأنفع
شكراً أخي محمد كريشان. حسن السؤال نصف الجواب, وبلا شك المقال شرح النصف الأول.
وبانتظار النصف الثاني لابد من الإشارة إلى أن التجربة التونسية يجب أن لا ننتظر منها أوسع من حجمها. ربما العقدة تكمن في ضعف ثقافة قبول الآخر. فلو حسمت المواقف إنتصار النهضة فلن يكون ذلك إلا عابراً ولن ينتج عن ذلك إردغان تونسي. ولو فازت الأحزاب اليسارية فلن تيتم إزاحة الستار عن مستقبل التهضة لافي تونس ولاعن ثقافة الإحزاب الإسلامية المعتدلة في الوطن العربي. الصبر جميل ومفتاح الفرج وإن شاء الله لتونس قريباً.
سافر أحد أبنائي إلى تونس مدة أسبوع من أجل السياحة ومتابعة مبارة فريقي الترجي التونسي والرجاء المغربي. كانت ارتساماته العامة سلبية حول الوضع عموما رغم تنويهه بطيبوبة الشعب التونسي الشقيق. تحدث معه مواطنون تونسيون في متوسط العمر ينتقدون الأوضاع الحالية المتذبذبة ومنهم من يتحسر على فترة النظام السابق. هذا يؤكد أفكار الأستاذ كريشان وموقفه الحالي؛ علما أن الثورة الحقيقية تطول وتتمدد في صعود وهبوط إلى أن تصل إلى بر الأمان والتقدم وذلك ما نتمناه لتونس الخضراء.
يجب تغيير فلسفة النظام، هو أول ردة فعل على صراحة عنوان (تونس لم تعد مفهومة!) في ما نشره الكاتب المهني (محمد كريشان) في جريدة القدس العربي، والأهم هو لماذا؟!
طالما النظام، لا يعترف بأهمية الأولويات الإنسانية، بدل أولويات هدر الإقتصاد وموارد الدولة، في أمور ليس لها علاقة، إلّا بالجباية (الذكيّة) من خلال البطاقات المصرفية/البنكية،
بلاك منطق ولا موضوعية لها علاقة بالإنتاج، في الوقت المحدد وبلا غش تجاري، في أي شرط من شروط العقد، الذي تم التوافق عليه أولاً، بين منتجات ثقافة الأنا، مع حاجات ثقافة الآخر، ضمن ثقافة النحن كأسرة إنسانية واحدة،
تؤمن بوجود خالق للبيضة والدجاجة، لتجاوز عقلية الإلحاد التي تُصر على قولبة تفكيرها وردّات فعل تعاملاتها على سؤال البيضة أول أم الدجاجة،
فتكون أساس كل هدر لأي موارد، في مجتمع داخل أي دولة، في أجواء العولمة (بعد 1945) والإقتصاد الرقمي الإليكتروني (بعد 1992)،
لا أمل في الوصول لحل، حتى في دول مجلس التعاون في الخليج العربي وليس فقط تونس، يا محمد كريشان.??
??????
الخلاص ليس،تونسيا و فرديا …وجب على الثورة مراجعة القانون الانتخابي الذي نسج خيوطه ابن عاشور ولتبقى الثورة تنزف من وريدها ثم لا بد من مد جسور التوحد مع الشقيقة الجزائر و العمل على لملمة الشتات الليبي و لتكن نواة و لبنة لتوحيد الجيران و التحلق حول مشروع وطني سيادي يعنينا عن التداين و التبعية …
النظام الرئاسى افضل للشعوب التى تصوت بالعاطفة وبدون وعى ينتخب الرئيس وهو يختار حكومته