تونـــــس إلى أين؟!

لا أخبار من تونس إلا أخبار الاعتقالات والسجون في موجة لم يسبق للبلاد أن شهدتها، لا من حيث عدد المشمولين بها، ولا اختلاف مواقعهم.
شملت الملاحقات الأسبوع الماضي الناشطة الحقوقية التونسية والرئيسة السابقة لــ”هيئة الحقيقة والكرامة”، سهام بن سدرين بدعوى قضايا فساد مالي، في ما بدا استهدافا لرؤساء الهيئات الدستورية السابقين، خاصة بعد أن أودع السجن الأسبوع الماضي أيضا شوقي الطبيب، الرئيس السابق لــ “هيئة مكافحة الفساد” ورئيس عمادة المحامين الأسبق في قضية قيل إنها تتعلّق بشبهات وتجاوزات خلال فترة رئاسته لتلك الهيئة التي حلّها الرئيس قيس سعيّد عام 2021.
قرار سجن الطبيب جاء بعد يوم واحد فقط من صدور حكم بالسجن خمس سنوات على مالك قناة “الحوار التونسي” الخاصة سامي الفهري في قضايا مالية، والحكم بالسجن 18 شهرا على المحامية والمعلّقة الإعلامية سنية الدهماني بسبب تصريحات إعلامية سبق أن بقيت بسببها أشهرا وراء القضبان قبل الإفراج المؤقت عنها نتيجة ضغوط دولية مختلفة. وفي الشهر الماضي، قضت محكمة أخرى بالسجن عامين على الصحافي غسان بن خليفة، في خطوة وصفتها نقابة الصحافيين بأنها جزء من “هجوم ممنهج” على حرية التعبير. القضاء التونسي رفض أيضا الإفراج عن الصحافيين مراد الزغيدي وبرهان بسيّس الموقوفَين منذ عام 2024، بتهم “تبييض أموال” و”تهرب ضريبي” لم تقنع أحدا وكان بالإمكان تسويتها، على فرض صحتها، دون لجوء إلى السجن.
حكم مؤخرا أيضا بسنة سجناً على رئيس “جمعية القضاة التونسيين”، أنس الحمادي، وذلك من أجل تهم تتعلق بتعطيل حرية العمل على خلفية الإضراب الذي نفّذه القضاة خلال في صائفة 2022 إثر الإعفاء التعسفي من قبل رئيس الدولة لسبعة وخمسين قاضيا، كما حكم على سعدية مصباح الناشطة الحقوقية في مجال الهجرة، رئيسة جمعية “منامتي” (حلمي) بالسجن ثماني سنوات، بعد أن ظلت موقوفة لأكثر من عامين بتهمة “الإثراء غير المشروع”، كما جرى اعتقال عدد من نشطاء “أسطول الحرية” الذي انطلق من تونس نحو غزة قبل أشهر ومن بينهم الطبيب محمد أمين بالنور الذي كان عمل لفترة متطوعا خلال الحرب على غزة بتهم تجاوزات مالية.

لا أخبار من تونس إلا أخبار الاعتقالات والسجون في موجة لم يسبق للبلاد أن شهدتها، لا من حيث عدد المشمولين بها، ولا اختلاف مواقعهم

والأسبوع الماضي أصدرت محكمة تونسية حكما غيابيًا بالسجن 18 شهرًا على الممثل الكوميدي لطفي العبدلّي بعد قضية رفعتها ضده نقابة أمنية بسبب مسرحية قدّمها قبل أربع سنوات، وكان الرئيس وقتها من بين من اتصلوا به للإعراب عن تضامنهم معه، لكن الواضح أن انتقال العبدلي من دعم الرئيس إلى معارضته عبر فيديوهات ينشرها من باريس هي السبب الحقيقي لهذا الحكم.
كما أصدرت محكمة تونسية الأسبوع الماضي حكما بسجن زعيم “حركة النهضة” راشد الغنوشي لمدة 20 عاما بتهمة التآمر على أمن الدولة في القضية المعروفة إعلاميا بـ”المسامرة الرمضانية” التي شملت آخرين من برلمانيين ووزراء سابقين لتضاف إلى الأحكام الطويلة الأخرى الصادرة ضده. لا ننسى أيضا أحكام سجن صدرت ضد رياضيين مثل لاعبي المنتخب سابقا طارق ذياب وسامي الطرابلسي.
وإذا تركنا جانبا من هم في السجن حاليا منذ أكثر من سنتين، في ما عرف بقضية التآمر وهم من صفوة الطبقة السياسية من توجهات سياسية مختلفة، أو من صدرت ضدهم أحكام غيابية، فإن هناك الكثير من القضايا التي ما زالت مفتوحة وأصحابها في حالة سراح مؤقت بحيث تظل عودتهم إلى السجن واردة في أي وقت مثل القاضي السابق والمحامي أحمد صواب أو الصحافي محمد بوغلاّب.
أجواء الاعتقالات وأحكام السجن المتلاحقة ألقت بظلال كئيبة من الخوف على البلاد إلى درجة بات معها كثيرون يقولون إن من لم يعتقل أو يسجن إنما هو في “حالة سراح مؤقت”، وهو أمر لم تعرفه البلاد أبدا بمثل هذه القسوة والاتساع، حتى في أحلك حملات القمع في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أو سنوات القبضة البوليسية الصارمة في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.
ولا ننسى مع كل ما سبق، من سجن ولم يحظ بتغطية إعلامية، وكذلك عدد النشطاء الذين اختاروا البقاء في المنفى أو لجأوا إليه في ظاهرة غير مسبوقة من حيث العدد، ومن بين هؤلاء رئيس سابق هو المنصف المرزوقي وكل رؤساء الحكومات السابقين تقريبا وعدد من الوزراء والبرلمانيين ورجال الأعمال الذين تلاحقهم جميعا أحكام سجن مختلفة في قضايا يؤكد المحامون جميعا طابعها الكيدي وغياب كل ضمانات المحاكمات العادلة والقضاء المستقل بطريقة سافرة ومستفزة. بعض هؤلاء حرموا من تجديد جوازات سفرهم في البعثات القنصلية التونسية في الخارج رغم أن جواز السفر حق دستوري يجب ألا يخضع لمساومات من هذا القبيل، دون أن ننسى ما يلحق بالسجناء السياسيين من تنكيل من قبيل نقلهم إلى سجون بعيدة عن مكان إقامة عائلاتهم مثل ما حصل مع جوهر بن مبارك أستاذ القانون الدستوري.
وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد وتلجأ المحامية دليلة مصدّق، شقيقة بن مبارك، وآخرون إلى محافل دولية للتعريف بهذه المظالم ومحاولة رفعها، يتهمون بالخيانة والعمالة وتشويه سمعة تونس مع أن من يشوّهها حقيقة هو من حوّل البلاد من نموذج يقتدى به إلى نموذج إدانة حقوقية دولية، وأحيانا كثيرة إلى مادة للسخرية.
٭ كاتب وإعلامي تونسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد:

    في أي مرحلة كان يقتدى به ؟

    1. يقول محمد كريشان:

      مرحلة الحرية الكبيرة في التعبير والعمل السياسي والانتخابات النزيهة بعد ثورة 2011 رغم الاخطاء والعثرات.

  2. يقول عبد الله ب.:

    رحم الله أيام الرئيس النظيف المحترم المثقف الدكتور محمد المنصف المروقي، ورحم الله الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، ورحم الله تونس العزة والكرامة والثقافة والهوية المميزة، ورحم الله الشرفاء حيثما كانوا أحياء وأمواتا…

  3. يقول فارس:

    من سيء إلى أسوأ ومن شنيع إلى اشنع. و المجتمعات العربية كأنها في مثل عصور كانت فيها الكنيسة تحتكر التفكير و تبيع مفاتيح الجنة
    رغم أن تلك الأيام قد خلت و تحررت الشعوب من الخرافات. أما الإسلام فقد دعى اتباعه إلى التفكير والتذكر.
    من قبل الذل ورث والاذلال والخسارة.

  4. يقول احمد:

    إن ما يتم توصيفه في بعض الدوائر الصحفية كـ “تضييق” هو في جوهره إجراءات قانونية قضائية تخضع لسلطة القانون التونسي. إن الإيقافات الأخيرة لم تأتِ بناءً على خلفيات فكرية أو سياسية، بل استناداً إلى قرارات قضائية مستقلة تتعلق بملفات محددة تشمل قضايا “أمن دولة” أو “فساد مالي”، وهي ملفات معروضة أمام المحاكم ليفصل فيها القضاء.
    نؤكد على أن تونس، في مرحلتها الحالية، تسعى لتكريس مبدأ المساواة أمام القانون؛ حيث لا يوجد شخص فوق المساءلة بغض النظر عن صفته الحزبية أو المهنية. إن احترام قرينة البراءة وحق الدفاع مكفولان طبقاً للدستور، والتعامل مع هذه القضايا إعلامياً بصفة “اعتقالات سياسية” قد يجانب الصواب القانوني ويؤثر على سير العدالة.
    إن حرية التعبير وحق التنظم هما مكسبان أساسيان لا تراجع عنهما في تونس. ومع ذلك، هناك خيط رفيع بين الممارسة السياسية المعارضة وبين الأفعال التي قد تمس باستقرار البلاد أو تخرق القوانين المنظمة للعمل السياسي والتمويل.
    ​”إن الدولة التونسية ملتزمة بتعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، لكنها في الوقت ذاته ملتزمة بحماية مؤسساتها من أي اختراقات قانونية.”

    1. يقول فارس:

      الدساتير العربية عبارة عن قراطيس لبيع المكسرات أو هي قطع قماش تخاط على قياس من “يملك” السلطة.
      اما في تونس فقد كان هناك دستور يشهد المختصون انه من أعلى الدساتير في العالم سن في ثلاث سنوات و هو دستور توافقي يضمن الفصل بين السلطات واستقلال القضاء و يوزع السلطات و لا يمكن أحدا من الانفراد بالسلطة ليبني دكتاتورية.
      جاء أحدهم فابطله وسن دستورا فرعونيا و لم يحترم حتى الإجراءات الشكلية في إنجازه.
      الدستور الذي ابطله إنجزه مجلس دستوريا منتخبا وجاء بدستور شخصي.
      اما القوانين والأحكام و القضاء فأين حكم القضاء من إعادة القضاة إلى وظائفهم. ولماذا الغي مجلس القضاء ولماذا سجن القضاة.
      في عهد بن علي كان هناك قضاءا ودستور كلاهما بأوامر وفي عهد بو. رقيبة كان هناك دستورا حول الجمهورية إلى ملكية مدى الحياة……
      العدل إذا حكم عمر في اي نظام والظلم إذا حكم دمر كل الميادين.
      الكل يعرف ويرى. ويوجد داءما من يفتي البلاط ما يشاء ومن يكتب من أجل البلاط ما يشاء صاحب البلاط.

اشترك في قائمتنا البريدية