من النادر أن يشهد بلد انعقاد ثلاثة مؤتمرات قمة مختلفة في غضون يومين، وربما سعى السعوديون عبر ذلك، لتسجيل رقم قياسي في موسوعة غينيس.
فقد عقدت في مكة المكرمة القمة الدورية الرابعة عشرة لمؤتمر التضامن الإسلامي، بينما دعت السعودية في غضون ذلك إلى عقد قمتين طارئتين، عربية وخليجية، نتيجة الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، وسعيا من السعوديين لخلق موقف عربي وخليجي موحد يقف بوجه إيران، ويعمل على زيادة الضغط عليها، خصوصا بعد التوتر الذي ساد المنطقة، والذي نجم عن تعرض أهداف بحرية قبالة السواحل الإماراتية للاعتداء، وكذلك تعرض محطات لضخ النفط داخل الاراضي السعودية لضربات بطائرات مسيرة قبل أيام، وقد اتهم السعوديون الحوثيين، حلفاء إيران في اليمن بالوقوف وراء هذه الهجمات، بتحريك وطلب من إيران.
عقدت القمة العربية الطارئة، وحضرها تمثيل واسع على مستوى رئاسة الدول أو الحكومات، وقد كان السعي السعودي واضحا منذ البداية، باتجاه خلق إجماع عربي ضاغط يدعم الجهود الأمريكية في تحشيدها العسكري ضد إيران في منطقة الخليج، لكن توقعات المراقبين أشارت إلى صعوبة ذلك، نتيجة توقع مواقف مغايرة من ثلاث دول عربية على الأقل، ستكسر حالة الاجماع، وهذه الدول هي العراق ولبنان وسلطنة عمان. فبالنسبة للدولتين الاوليين كان موقفها متوقعا نتيجة النفوذ الإيراني داخلها، ومتانة العلاقات والمصالح بينها وبين إيران، اما سلطنة عمان، فلطالما لعبت دور الممر أو الخط الساخن الذي يخفف من حدة الأزمات بين إيران من جهة، ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، ولطالما وصفت علاقات مسقط بطهران بأنها علاقات دافئة ومميزة مقارنة ببقية الدول الخليجية. وقد جاء البيان الختامي للقمة العربية الاستثنائية في مكة المكرمة يوم الجمعة 31 مايو/أيار نمطيا ومتوقعا، إذ حاول من صاغ البيان، حشد المواقف العربية ضد إيران، وأكد على» تضامن الدول العربية في وجه التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بهدف زعزعة أمنها واستقرارها». كما أدان استمرار عمليات إطلاق الصواريخ البالستية «إيرانية الصنع» على المملكة العربية السعودية من الأراضي اليمنية من الحوثيين، وكاد البيان أن يمرّ بطريقة الاجماع الصامت، لولا اعتراض العراق على نص البيان الختامي، إذ ما أن انتهى أحمد أبوالغيط الأمين العام للجامعة العربية من قراءة نص البيان الختامي، حتى وصلته رسالة من الوفد العراقي جاء فيها؛ «إن العراق يعيد التأكيد على استنكاره لأي عمل من شأنه استهداف أمن المملكة العربية السعودية وأمن أشقائنا في الخليج، ويود التوضيح أننا لم نشارك في صياغة البيان الختامي، وأن العراق يسجل اعتراضه على البيان الختامي في صيغته الحالية»، وذلك تأكيدا لما ذكره الرئيس العراقي برهم صالح في كلمته إذ قال «إن إيران دولة جارة ويجب الحفاظ على أمنها»، مشيرا إلى أن «العراق سيبذل قصارى جهده لفتح باب الحوار البناء ونبذ العنف». كما استنكر صالح أي عمل عدائي موجه إلى أمن دول الخليج، أو أي دولة عربية أو إسلامية، مشيرا إلى أن «أمن المملكة السعودية والإمارات ودول الخليج هو من أمن العراق».
لتأتي في نهاية البيان الختامي للقمة الفقرة الباهتة، الفقرة التي باتت تمثل روتينا، وأصبحت من المقررات التي يجب أن تذكر في كل القمم، من دون أن يقصد أحد معنى الكلام الوارد فيها، إذ تم التأكيد على أن القضية الفلسطينية «قضية العرب المركزية». كما قال أبوالغيط إن القمة العربية الحالية »أكدت على تمسكها بقرارات القمة العربية التاسعة والعشرين في الظهران (قمة القدس) وقرارات القمة العربية الثلاثين في تونس».
أما القمة الخليجية الطارئة، التي دعت لها السعودية، فإن خصوصيتها، أو اختلافها يكمن في الدعوة الرسمية التي وجهها الملك سلمان بن عبد العزيز إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، لحضور القمة الخليجية والعربية في مكة المكرمة، وقد قرأت المبادرة السعودية على أنها خطوة لرأب الصدع الخليجي وتحرك سعودي لتوحيد الموقف في البيت الخليجي، لضمان خلق موقف موحد تجاه إيران، والقفز على الازمة القطرية الخليجية، التي مرّ على اشتعالها سنتين، لكن لم ترشح حتى الان أي معلومات أو تسريبات عن حلحلة المواقف الخليجية تجاه قطر، علما أنها المرة الأولى منذ قطع العلاقات القطرية السعودية في يونيو/حزيران 2017، التي يقوم بها وفد برئاسة رئيس الوزراء القطري الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني بزيارة رسمية للسعودية. لكن يبدو أن هنالك تحفظا قطريا على البيان الختامي للقمة الخليجية، لم يتم تسليط الضوء عليه، إذ عبر وزير خارجية البحرين خالد آل خليفة لوسائل الإعلام عن استغرابه من تحفظ دولة قطر على البيان الختامي للقمة الخليجية قائلا؛ «استغرب من تحفظ دولة قطر على البيان الصادر عن قمة قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أكد على المبادئ التي تضمنتها اتفاقية الدفاع المشترك، ومن أن أمن دول المجلس وحدة لا تتجزأ» وأضاف، «وهذا الأمر يعكس مدى تراجع هدف تعزيز العلاقات بين دول مجلس التعاون في أولويات سياسة دولة قطر، ويؤكد أن ارتباطها بأشقائها أصبح ضعيفًا جدًا، في الوقت الذي أصبحت فيه مديونة وتستنجد بالوسطاء لإنقاذها من أزمتها» .
أما المفارقة الأكبر فكانت في القمة الدورية الرابعة عشرة لمؤتمر التضامن الإسلامي، إذ أن مسألة الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على مدينة القدس، المتنازع عليها، طغت على البيان الختامي للقمة، التي أكدت رفضها اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية. واستنكرت القمة الإسلامية في بيانها الختامي؛ «نقل سفارتي كل من الولايات المتحدة الأمريكية وغواتيمالا إلى مدينة القدس»، وحضت «جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي على مقاطعة تلك البلدان، التي قامت بالفعل بافتتاح بعثات دبلوماسيّة في مدينة القدس».
لنا أن نتخيل أن النظام السعودي يطالب الدول الإسلامية بمقاطعة الدول التي تنقل سفاراتها إلى القدس، ويحث على «وقف أي نوع من العلاقات والمبادلات التجارية والزيارات معها، سواء كانت فعاليات سياسية أو ثقافية أو رياضية أو فنية مشتركة، إلى حين تراجعها عن ذلك». والمضحك المبكي أن السعودية وعبر قممها الثلاث، كانت تستجدي دعم الدول العربية والاسلامية للوقوف بوجه إيران، وكانت تلعب بورقة جمع التأييدات للولايات المتحدة الامريكية في سعيها المحموم هي ودولة الامارات لتوفير مناخ داعم للتدخل العسكري الامريكي وتأجيج الازمة، فكيف يتفق ذلك ؟ لا أحد يعلم. إن أي مراقب سيصاب بنوبة ضحك مفرطة عندما ينظر إلى طبيعة العلاقات الوطيدة التي تربط الولايات المتحدة وغالبية الدول الإسلامية الممثلة في المؤتمر الاسلامي من جانب، ويرى ويسمع طلب الحاضرين باتخاذ موقف من إدارة ترامب التي نقلت السفارة الأمريكية إلى القدس من جانب آخر، علما أن أغلب هذه الدول لم تنبس ببنت شفة بوجه ادارة ترامب التي سعت وتسعى بشكل محموم لتوفير دعم عالمي لجهود اسرائيل الساعية لتهويد فلسطين بالكامل، وابتلاع مناطق السلطة الفلسطينية عبر ما بات يعرف بصفقة القرن، وقد بات القاصي والداني يعلم علم اليقين الدور السعودي الكبير في اتمامها، وهو ما يثير شكوكا حيال إمكانية تنفيذ دعوات القمة الاسلامية. والمحصلة النهائية أن السعودية لم تكسب من نشاطها الدبلوماسي غير المسبوق عبر اجتماعات القمم الثلاث سوى قبض الريح، وبالتأكيد أن من يعول على قمم عربية واسلامية قد تغير الواقع على الارض يعد واهما كبيرا، فهذا ديدن قممنا منذ اكثر من نصف قرن ، إذ انها لا تعدو كونها حبرا على ورق.
*كاتب عراقي
الثلاث قمم أظهرت أهمية السعودية في العالمين العربي والإسلامي! إنهما الحرمين الشريفين وأموال النفط!! ولا حول ولا قوة الا بالله
هناك مخاطر تحيق بالمنطقة ، و لا يمكن إنكار أن هناك الكثير من الأطراف الإقليمية تساهم في إشعال جذوة حريق لا شك أنه سيلتهم المنطقة .
وصفت المؤتمرات على أنها عدائية تجاه إيران ، و هذا ليس بالضرورة صحيح فمناقشة ما يستجد من أوضاع تساهم في تعقيد أوضاع معقدة ضروري و مسؤولية خطيرة ، هذا الوصف ساهم في تحديد مواقف بعض الأطراف و منها العراق ، الذي بكل صدق لم يُثبت سياسييه الجدد منذ ١٦ عاماً أنهم رجال دولة ( أو حتى أشباههم ) _ و لكن ليس هكذا تُرعى الإبل!
نحتاج أن نملك رؤية مستقبلية لتفادي أحداث كارثية ، كما حصل بعد غزو و إحتلال العراق ….و إيران تمارس العبث في المنطقة منذ حوالي أربعين عاماً ……فكفى