يشهد الفضاء الثقافي العراقي سجالات ناريّة عن طبيعة النقد وحرية الأديب في التعبير عن رؤيته الوجودية، كامتدادٍ لإرثه الثقافي والفكري، ومدى ارتباط القيمة الإبداعية بالمواقف السياسية، أوالفكرية، أو المدارس اللغوية، من الواضح أنَّ قراءة المشهد الثقافي العراقي ككل تتطلّب تفكيكا موضوعيّا يعزل الإبداع الحقيقي عن الأحكام السطحية، وهو ما أحاول مكاشفته بالعرض والتحليل في محورين جوهريين:
أولهما: وجهة نظر أساندها (بين الاستقلالية الفكرية ومعايير المفاضلة الأدبية)
إذ أرى من منظور علمي أنَّ وجهات النظر وتقلّباتها في تقييم القامات الأدبية تبقى عملية حضارية بامتياز، ومن هذا المنطلق يحقُّ لكلِّ مثقف جوهري أن يُبدي رأيه بكلِّ صراحة، وهذا ما تُرجم في رؤية الشاعر طالب عبد العزيز التي تمخّضت عن تصريح لم ينصف به الأديب الراحل عبد الرزاق عبد الواحد، ولا حتى واقع الشعر العامي، وقبل الولوج إلى صلب الموضوع ومناقشة تفصيلاته، أؤكّد أن حقَّ التعبير عن الرأي مكفول وثابت في الأعراف الثقافية، وللشاعر حقّ الإفصاح والتعبير تحت مظلّة حرية الاعتقاد، في إطار ما يراه جديرا بالتأويل الدلالي، والتعدّدية الفكرية تقضي بمنح حقّ التداول والنقد في أيّما قضية تستوجب الإشادة والتأمّل، وإذا كان عبد الواحد من الشخصيات الخلافية الحادّة، فيظلّ شاعرا مقتدرا وعلما من ألمع نجوم الشعر في تاريخ العراق الطويل، نظرا إلى جزالة لفظه وفخامة أسلوبه ومكانته التي تضاهي قامات كبرى في الشعر العربي هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنَّ التميز الإبداعي لكلّ شاعر لا ينفي الوقوع في هفوات لغوية، أو إيقاعية، أو فكرية، أو سياسية، وهو سلوك طبيعي وقع فيه كبار الشعراء كالجواهري والمتنبي والسيّاب وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد، الذي أنا هنا بصدد مناقشته كشخصيّة إشكالية أثارت الجدل، ولكن ليس في هذا ما يخدش مسيرته الشعرية – ولا أظنّها مثلبة – حتى إذا طغى على نصوصه في زمنٍ ما مديحٌ لسلطةٍ ديكتاتوريّةٍ توتاليتاريّة، أو أعاد النظر في ثوابته الأيديولوجية في آلياتها السلطوية، فإنَّ التاريخ الأدبي يخبرنا عن تجارب مشابهة غيّرت بوصلة الشاعر المجدّد بدر شاكر السيّاب، وبدّلت مساره الفكري من الشيوعية إلى القومية، ولم يكن الشاعر يوسف الصائغ بمنأى عمّا جرى للسياب يوم أدار ظهره لليسار والشيوعية، تبنّيا لما وصفه بخيار الوطن بغض النظر عن كونه خيانة وتواطؤا مع نظام قمعي، والأنكى من ذلك أنَّ الأدب العالمي يزخر بأمثلة لعمالقة واجهوا مواقف مماثلة: كإعجاب الشاعر والمفكر الأمريكي الفذّ عزرا باوند بالفاشية المقيتة، فصار وقتها من المؤيدين لبينيتو موسوليني، ولا يخفى على أحد أنَّ الفنان السريالي سلفادور دالي في مرحلة ما كان مثيرا للجدل في سلوكه حيث أبدى إعجابا بالأنظمة الاستبدادية مثل نظام فرانكو.
الخلاصة هنا واضحة: يظلّ الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد إسما بارزا صاغ مجدا أدبيّا استثنائيّا واسع النطاق لا يمكن إنكاره في مسيرة الشعر العربي، وفي الوقت نفسه تبقى مقاربة الشاعر الجوهري طالب عبد العزيز صائبة في بعض جوانبها من منطلق النقد والفكر الحر والمبادئ الجمالية، وبالنسبة إلى ردود الأفعال السلبية إذ تتباين في معناها الحرفي ما بين الانفعالات الفوريّة والارتدادات النفسية، ومن جملة ما أعني به في ذلك: أنَّ فحوى الهجوم الإلكتروني من الزقاقيين عليه كان جارحا في جوهره وواضح المقصد، وهذا المفهوم السلبي ينطوي على بديهيات لا تحتاج إلى تأويلٍ عميق، وباستقراء الواقع ندرك أنَّ المتلقّي السطحي الذي يفتقر إلى القراءة والتأويل والتحليل والإطلاع على تطور الأدب العالمي، قد يغيب عنه فهم المدارس الأدبية والمناهج النقدية الفكرية، وبناء على ذلك يبقى هذا المتلقّي معذورا، بحكم أنَّ ردّه المحدود لا يرتقي إلى مستوى الحجّة، لأنّ ذلك مستمدّ في الواقع من تقديره المتواضع ومن خطله الفسلجي ومن طيشه المتنامي، حالما يقع في فخ التعصّب الأعمى من جرّاء تقديس الشخصيات العنصرية والطائفية، من دون كيلٍ أو وزنٍ أو علمٍ أو دراسة أنثروبولوجية، وذلك لعجزه التام عن أدوات التأويل والقراءة النقدية السليمة.
ثانيهما: وجهة نظر لا أساندها (في رفض إقصاء الشعر العامي)
تأسيسا، على ما سبق، وفي السياق النقدي نفسه فإنني لا أؤيّد مطلقا مقاربة الشاعر طالب عبد العزيز التي تسعى إلى تهميش الشعر الشعبي ـ العامي ـ وقطعا للتطويل والتفصيل أجد أنَّ الشعر بكلّ تمظهراته اللغوية يقدّم رسالة في المقام الأول إلى البشرية، فالشاعر الذي ينظم الشعر بالفصحى، هو لسان حال الشعب ووجدانه، ومن يكتب الأشعار بالعامية يمكن أن يترجم أيضا صوت الشعب، ولأغراض التمييز والمنهجية فقط، يمكننا تسمية الأول شاعر الفصحى أو شاعر قصيدة النثر أو النص المفتوح ويستحسن أن نسمّي الثاني شاعر العامية، ولا جدال في ذلك، ولكن كلاهما في النهاية يمتلك قدرات شعرية وفنية، ويتشارك في تسمية شاعر الشعب وينتج إبداعا حقيقيّا سواء عن طريق البوابة الفصيحة أو العامية.
وبناء على ذلك أرى أنَّ إقصاء الأدب العامي قد ينطلق من رؤية ضبابية غير دقيقة تنطوي على عدم إنصاف يعبّر عن صعوبة القرار بحقِّ موروث غنيّ، إذ إنّ الشعر العامي لا يزال المحرّك الأساس الذي يصقل ذائقة المتلقّي من بوابة الأغنية العراقية، ويساهم في ارتقاء وعيه الباطني وعواطفه الوجدانية وتجربته الشعورية، وأزيَد من ذلك كان هذا الشعر عبر تاريخه الطويل عنصرا ثوريّا فعّالا في المحطّات الوطنية والانتفاضات الشعبية والثورات التحريرية مثل: ثورة العشرين الخالدة وأهازيجها الشهيرة، أثناء الاحتلال البريطاني، لذا تأبى حقائق التاريخ طمس الإرث الإنساني لرموزٍ كبار ثاروا لتجديد الشعر ونهضوا بجماليات الكلمة.
وفي ضوء هذه المفارقة العجيبة يصبح من العبث القيام بشطب البصمات الإبداعية في وسط هذا الزخم من المشاعر والأخيلة، إذا فكيف يمكن إقصاء تجربة الشاعر الثائر مظفر النواب الأيقونية، التي تجسّدت في روائع الكتاب الشعري «للريل وحمد»؟ وكيف نسمح لأنفسنا أن نتجاهل الأثر العميق لأشعار عريان السيد خلف، وكاظم إسماعيل الكَاطع، وصولا إلى رواد التجديد والسريالية في الشعر مثل عزيز السماوي وشاكر السماوي وزهير الدجيلي وعبد السادة العلي؟ لذلك إنّ هذا الإرث الشعري الإنساني والقيمي المتوارث عبر الأجيال يظلّ جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية.
إنَّ المقصود هنا لتحديد الإطار الذي أخوض فيه أنَّ الارتقاء بالمشهد الأدبي وتذوّق جمالياته يفرض بالضرورة على المثقف العراقي التخلّي عن الأحكام الإقصائية والمواقف السريعة، إذ تثبت التجربة الإنسانية أنَّ الأدب، أكان فصيحا أم عاميّا يبقى المرآةَ الحقيقيةَ لروح الشعوب وتاريخها المشترك، وحريّة النقد تمثّل الضمانة الوحيدة لاستمرار هذا العطاء الإنساني وتطوّره.
شاعر عراقي
حقيقة الشاعر الكبير الراحل عبد الرزاق عبد الواحد
قامة لو كان في دولة أوروبية لأقاموا له نصبا يليق بالمبدعين.. إنه شاعر قلما يتكرر في هذا الزمن.
“ولكن ليس في هذا ما يخدش مسيرته الشعرية – ولا أظنّها مثلبة – حتى إذا طغى على نصوصه في زمنٍ ما مديحٌ لسلطةٍ ديكتاتوريّةٍ توتاليتاريّة” اه
ما هي المثلبة إذن في شعر عبد الرزاق عبد الواحد ؟
وهو الشعر الذي يطغى عليه مديحٌ لسلطةٍ ديكتاتوريّةٍ توتاليتاريّة ؟!
أغلبية الشعب العراقي لا يطيقون مجرد ذكر الدكتاتور صدام ، فما بالك بتمجيده في شعر ؟
ما يعني أن أغلب شعر عبد الواحد يقف على النقيض من مشاعر أغلب الشعب العراقي ،
ما جدوى هكذا شعر إذا لم يستجب لمشاعر الشعب ؟
ما تقوله في (الدفاع) عن هذا الشعر قابل للتهافت بكل سهولة !
لا يمكن ان نربط كل الأفكار بنقطة محورية واحدة ما دام كلّ رأي ثقافي قابل للتأويل، فمن يتعمق في القراءة سيدرك حتمًا أن المقال لا ينصف المنظومة الفكرية الفاشية بل يركز حصرًا على القيمة المعرفية لتجربة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد السابقة لمرحلة تمجيده السلطة والديكتاتورية فيحتفي بأشعاره التي تنتمي إلى حقبة انقضت قبل تحوله الأيديولوجي لا سيما في ديوانه الشعري “خيمة على مشارف الأربعين” الذي حظي حينها بتقدير واسع النطاق من الشرائح الاجتماعية وهذا الرأي ينطبق أيضًا على مسرحية الحر الرياحي.
بعد التحية الطيبة للكاتب ،
في حقيقة الخطب، هناك في النص الكثير من أشكال الالتباس ،
منها ما أشار إليه بالحجة المُقْنِعة الأخ هلال مشكورا ،
ومنها أيضا ذلك الخلط المفهومي الصارخ :
بين مديح السلطة الديكتاتورية التوتاليتارية في حال عبد الواحد ،
وبين التحول من الشيوعية إلى القومية في حال بدر شاكر السياب –
فشتان بين هاتين الحالين !!
الأولى مجرد تمجيد عبد لسيده والثانية انتقال إيديولوجي محض !!