غموض سياسي كبير يلف الوضع في الجزائر، وهي على أبواب سنة جديدة. كان يفترض فيها أن تعرف تنظيم انتخابات رئاسية مهمة، بعد عشرين سنة من حكم الرئيس بوتفليقة. انتخابات كان المتفائلون من الجزائريين يتمنون أن تكون محطة لإنجاز قطيعة ديموغرافية وجيلية وليست سياسية فقط. تنتقل خلالها سلطة الرئاسة بما تحمله من رمزية كبيرة إلى الأجيال الشابة، التي تكوّن الأغلبية الساحقة من الجزائريين.
انتخابات أصبح السائد هذه الأيام التشكيك في إمكانية تنظيمها، رغم ما عرف عن الجزائر، في العقود الأخيرة، من انتظام في احترام دورية الانتخابات، التي تحولت إلى مؤشر مهم عن الاستقرار السياسي، كما حصل في 1995 عندما نظمت أول انتخابات رئاسية تعددية، رغم الوضع الأمني والسياسي المأزوم. انتخابات استعملت في تلك الفترة لأداء وظائف سياسية كثيرة، كانت من بينها محاربة آفة الإرهاب واقناع العالم الخارجي بشرعية المؤسسات السياسية في البلد. خلَق سيناريو تأجيل الانتخابات الرئاسية، وبالتالي التمديد في العهدة الحالية للرئيس بوتفليقة، الذي تدافع عنه قوى سياسية كثيرة من السلطة و»المعارضة»، حالة غموض مفتعلة، يراد لها أن تعطل المسار الانتخابي، الذي تعودت عليه الحياة السياسية في الجزائر. بدون أن تكشف للرأي العام الوطني والدولي دواعي هذا التأجيل الحقيقية، المتعلقة حصريا بالوضع الصحي لرئيس الجمهورية، الذي لن يتمكن حسب هذا السيناريو من القيام بما يتطلبه ترشحه من إجراءات شكلية وبروتوكولية على بساطتها، كالذهاب إلى مقر المجلس الدستوري لإيداع طلب الترشح، وقراءة القسم بعد النجاح في هذه الانتخابات، التي من المؤكد أنه سيفوز بها لو ترشح لها، حتى وهو في هذا الوضع الصحي المتدهور، تماما كما حصل في 2014.
أدخل هذا السيناريو الداعي للتأجيل وبالتالي التمديد، أصحابه ومن ورائهم البلد في متاهات قانونية ليس من السهل الخروج منها، بدون خسائر ستمس بشرعية المؤسسات والرجال. لعل أهم هذه الأسئلة، كيف سيتم تبرير هذا التأجيل، الذي لا يتكلم عنه الدستور الجزائري إلا في حالة واحدة مرتبطة بحالة الحرب؟ ولماذا أصلا هذا التأجيل والتمديد؟ فإذا كان بوتفليقة غير قادر على الترشح، فهذا ليس مبررا مقبولا ولا كافيا لتأجيل الانتخابات الرئاسية برمتها، وإدخال البلد في حالة فراغ مؤسساتي، حاول تحاشيها حتى وهو يعيش أزمة عميقة في تسعينيات القرن الماضي. محاولات فقهية ودستورية كثيرة ستبذل للخروج من هذا المأزق المفتعل في نهاية الأمر، لأن الأسهل وبكل تأكيد كان ترك الانتخابات تجري بمن ترشح لها. محاولات سيتم اللجوء فيها إلى «ندوة وطنية للوفاق»، كان قد تم العمل بها في بعض الحالات الإفريقية، اتسمت بالاضطراب الكبير الذي عاشته القارة، وليس كما هو حال الجزائر الهادئة المطمئنة هذه الأيام، أو التي تعود بقوة إلى هدوئها واستقرارها حتى نكون أكثر دقة. لماذا يفرض أصلا على الجزائر الدخول في مثل هذه المتاهات التي هي في غنى عنها؟ ولماذا يتم تعطيل آلية الانتخابات أصلا إذا كان سياسي واحد فقط لا يستطيع الترشح لها، حتى لو كان رئيس جمهورية منتهية عهدته؟ وكيف يمكن تفسير قبول طبقة سياسية ومؤسسات سياسية ومجتمع كامل بهذا السيناريو، رغم غرابته ونتائجه السلبية الأكيدة على الكل، بلد ومؤسسات واستقرار سياسي؟
الجزائر كما هو حال الكثير من الأنظمة العربية، الشخص أهم من المؤسسة يستطيع أن يفعل بها ما يشاء
أسئلة كثيرة لا تمنح إجابات عنها للجزائريين، من قبل الداعين إلى هذا الاقتراح ـ المأزق، رغم أن الكثير منهم يعرفونها. فالأمر يتعلق بالجوانب المتعلقة بشخص رئيس الجمهورية نفسه، فالكل يعرف أن بوتفليقة لا يريد أن يتوفاه الله إلا وهو رئيس للجمهورية، رجل لا يحتمل ولو لدقيقة أن يرى إنسانا آخر في هذا المنصب وهو على قيد الحياة، بعد أن عاش عملية إبعاد لمدة عشرين سنة من السلطة، بعد وفاة بومدين، الذي كان يعتقد جازما أنه المؤهل الأول لخلافته.
الأمر واضح جدا وسهل التفسير وليس غامضا، كما يريد لنا أن نصدق، كل الأمر متعلق بطموحات شخص وتشبث مرضي بالسلطة لا غير. كان موجودا ولا يزال ما يشبهه في منطقتنا العربية، فالأمر ليس جديدا ولا نادرا (القذافي/بشار/ صالح). حالة لا تستطيع لا مؤسسات ولا «نخب سياسية» مناقشتها، أو من باب أولى معارضتها. بعد أن تبين في الجزائر- وكما هو حال الكثير من الأنظمة السياسية العربية – أن الشخص أهم من المؤسسة، يستطيع أن يفعل بها ما يشاء، في هذا العالم العربي الذي فشل في بناء دولته الوطنية القوية بمؤسساتها وليس برجالها.
أبعد المواطن حتى الآن عن هذه السيناريوهات التي يتم التحضير لها في غرف مغلقة بين قوى سياسية وشخصيات غير معروفة ولا معلن عنها رسميا. ليعمق هذا الوضع من حالة الاستقالة التي ميزت المواطن، بحجة أن الأمر غامض وأن العملية تتم بين عصب متنازعة على السلطة والمال. ليكتشف في الأخير أن الأمر لا يعنيه كثيرا. رغم انه يعرف هو كذلك أن هناك قوى سياسية ومالية تعمل على استغلال هذا التشبث بالسلطة لدى الشخص، لكي تعمل على تحقيق مآرب لها، على حساب المصلحة الوطنية. بعد أن تأكد بالعين المجردة أن فترة حكم الرئيس بوتفليقة كانت فترة بروز قوى مالية واقتصادية كبيرة، تحولت إلى فاعل سياسي رئيسي في البلد، على حساب الأحزاب والطبقة السياسية، تريد أن تبقى تحكم برئيس، بنصف رئيس أو بدون رئيس تماما. بعيدا عن المؤسسات الدستورية التي تحول تعطيلها إلى عادة جزائرية، كلما تعلق الأمر بحسم الانتخابات الرئاسية تحديدا واقتراح المرشح ـ الفائز الرسمي بها.
انتخابات رئاسية ستؤجل هذه المرة بعد أن اتفقت قوى سياسية في المعارضة والموالاة على ترحيلها إلى وقت غير محدد، لأنه ببساطة مرتبط بالبيولوجيا والأقدار التي لا تتحكم فيها السياسة. مقابل إطلاق وعود للجزائريين بشفافية الانتخابات المقبلة، والتداول على السلطة وتعديل الدستور، من أجل حريات أكثر وغير ذلك. ستتحقق بقدرة قادر خلال هذه المرحلة التي سيتم التمديد فيها للرئيس بوتفليقة، بدون أن نقول للجزائري لماذا وكيف ستتحقق هذه «الإنجازات» التي فشلت المعارضة في تحقيقها في السابق، ورفضها النظام السياسي بقوة، ليتحول فجأة إلى قابل بها وداع لها بعد التأجيل والتمديد.
كاتب جزائري
أن تؤخر الانتخابات الرئاسية على علاتها بسبب الحالة الصحية للرئيس المنتهية ولايته فهو وضع لا يستند الى رؤية واقعية أو منطقية, هذه المحطة الانتخابية فرصة ليس من الحكمة تبديدها بل استثمارها لتجاوز مرحلة جعلت صورة الجزائر على المستوى الدولي بلدا بقيادة غائبة يستحيل في أغلب الظروف التواصل معها, كما حدث وألغيت في السنوات الاخيرة زيارات رؤساء دول اجنبية لأن رئيس الجزائر لم يكن في وضع صحي لم يكن يسمح له بلقاء نظرائه الأجانب.
لكن هل تسمح الدوائر النافذة في الجزائر برئيس منتخب من جيل الذي يمثل الأغلبية من الجزائريين؟ لا أظن ذلك, يبقى الحل الأسلم هو تواقف على شخصية من جيل جبهة التحرير الذي يحضى بقبول قادة الجيش وبعض النخب السياسية, الأخضر الإبراهيمي واحد من المرشحين (وليس وحده بالتأكيد) الذي يمكنه أن يقود البلد في المرحلة المقبلة ويحافظ على توازن القوى والمصالح, وضع سيجنب الجزائر الوقوع في حالة فوضى وعدم استقرار وإن كان هذا السيناريو البديل لن يحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية العالقة.
لنكن واقعييــــن وأخلاقيين وحضارييــــن ان جاز التعبير..الغموض أرخى سدوله وسواده مع حلول المأســـاة ان لم أقول المآسي بتاريخ.1962…بداية الغموض وكل(الغمايضات) ياسي ناصر…الشفافية والوضوح كانت أكثر ظهورا وانتشارا في الزمن الاستكباري الفرنسي…والله الزمن الفرنسي أكثر احتراما وقبولا من كل الغموضات الرهيبة منذ 1962….الى مالا نهاية….
بالخادم هو الرئيس القادم لانه وبكل بساطة لا يعرف حرف “لا” مطلقا