ثمة معادلة جوهرية، مركزية ومحورية غالباً، حكمت تاريخ الاجتياحات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، أو البلد بأسره بين حين وآخر، واتسمت بدرجات عالية من الثبات غير النسبي؛ بصرف النظر عن طبيعة الائتلاف الحاكم في دولة الاحتلال، وما إذا كانت رئاسة الحكومة مُسندة إلى أمثال مناحيم بيغن أو أرييل شارون أو إيهود أولمرت أو بنيامين نتنياهو، أسوة بنظرائهم إسحق رابين أو شمعون بيريس أو إيهود باراك…
صحيح، بالطبع، أنّ ائتلاف نتنياهو الراهن هو الأشدّ يمينية وعنصرية وتطرفاً دينياً وفاشية على امتداد تاريخ الكيان الصهيوني، وأنّ شخص نتنياهو يسجّل كلّ يوم خطوات في جرائم الحرب تتجاوز أسلافه رؤساء حكومات الاحتلال. ليس أقلّ صحة، في المقابل، أنّ منهجية إدارة الحروب ضدّ جنوب لبنان خضعت على الدوام لاعتبارات جيو ـ ستراتيجية، وأخرى دينية/ توراتية أقرب إلى الفانتازيا التلمودية.
ولا عجب أن يجد الكثيرون طرازاً من التكرار أقرب إلى توطيد نسق إسرائيلي أعلى يجري اللجوء إليه، بمعنى اعتماده في خلفية كلّ اجتياح تقريباً، يُغفِل باستمرار دروس الماضي والمرير منها خصوصاً، ولا يتوسل بالتالي سوى ما يوحي به الحاضر الإسرائيلي من أسباب الغطرسة والقوّة والسيطرة والتمكّن. وهنالك، دائماَ أيضاً، اتكاء واسع راسخ على الولايات المتحدة، أياً كانت شخصية السيد في البيت الأبيض، جمهورياً كان أم ديمقراطياً.
بعض أبرز الجولات في هذا النسق تتكرر هذه الأيام، ومنذ مطلع آذار (مارس) الماضي، حين انقضّ نتنياهو على ذريعة «ثأر» مسيرات «حزب الله» لاغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، فابتدأ حرب اجتياح وتدمير وتهجير لعشرات القرى والبلدات، جنوب نهر الليطاني وشماله. وإذا كانت هذه الجولة تقتدي بنماذج سابقة اعتمدها جيش الاحتلال ضدّ قطاع غزّة، فإنها لا تتأخر عن الاقتداء بجولات أخرى أدارتها دولة الاحتلال قبل سنتين من الآن، أو قبل 20 سنة، أو حتى قبل 44 سنة خلال اجتياح شامل أدخل الجيش الإسرائيلي إلى عاصمة عربية للمرّة الأولى منذ تأسيس الكيان الصهيوني.
على الأرض اللبنانية، تنقلت المقاومة من صيغة وطنية جامعة التقت فيها قوى شتى وتيارات سياسية وإيديولوجية متعددة، إلى كتلة جنوبية ذات غالبية شعبية وعسكرية شيعية، وصولاً إلى هيمنة من «حزب الله» في أطوار تابعيته المعلنة وشبه المطلقة لـ«الحرس الثوري» الإيراني؛ وانتهاء بالنقلة الأشدّ هبوطاَ إلى درك أسفل: إسكات المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، والتدخل ضدّ انتفاضة الشعب السوري خدمة لنظام آل الأسد، حين تمثلت ذروة الانحطاط في عبارة حسن نصر الله الشهيرة: الطريق إلى القدس يمرّ من القلمون وحمص وحلب ودرعا والسويداء ودير الزور…
وكان نصر الله قد وظّف الكثير من مهاراته السياسية والخطابية في حشد شارع شيعي واسع، ونجح كثيراً في تعمية الفارق، لدى معظم شرائح الحزب الشعبية، بين معركة سابقة في بنت جبيل ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وأخرى لاحقة في القصير ضدّ أبناء سوريا. المأساة أن اغتيال نصر الله استوجب صعود نمط نعيم قاسم، المنادي بـ«معركة كربلائية» وخطيب الجعجعة بلا طحن؛ واستشهاد 3,355، وإصابة أكثر من 10,000، ونحو مليون نازح هُجّروا إلى العراء وأرصفة بيروت.
ولعلّ من باب إنصاف أهل الجنوب اللبناني، وعشرات القرى والبلدات التي دُمّرت وأُجبر سكانها على الرحيل، استعادة مشاهد مماثلة شهدتها بلدة القصير السورية، بسواعد وبنادق وصواريخ مقاتلي «حزب الله»، في مثل هذه الأيام ولكن قبل 13 سنة. وليس هذا من باب عقد مقارنة بين الاحتلال الإسرائيلي وكلّ من جيش آل الأسد وكتائب «حزب الله»، بل من باب وضع انحطاط الحزب إلى درك سحيق، لا وطني ولا أخلاقي ولا إنساني، في سياقات نسقية بدورها؛ حيث للتاريخ أيام لا مناص من تداولها.
الخاتمة رائعة. يسلّم الأيادي.
{ وليس هذا من باب عقد مقارنة بين الاحتلال الإسرائيلي وكلّ من جيش آل الأسد وكتائب «حزب الله»، بل من باب وضع انحطاط الحزب إلى درك سحيق، لا وطني ولا أخلاقي ولا إنساني، في سياقات نسقية بدورها؛ حيث للتاريخ أيام لا مناص من تداولها } اهــــــــــــــــــــــــــــ
رغم ذلك التعاطف التلقائي مع “روح المقاومة” التي يبديها حزب الله أمام قطعان الصهاينة..
لو قُدّر البقاء لنظام آل الأسد الطائفي الفاشي حتى هذه الساعة (لا سمح الله) لكانت كتائب «حزب الله» ذاتها أشدَ عنفا وأشدّ شراسةً تجاه الشعب السوري الثائر، ولا شك في هذا بتًّا..
تلك هي سموم السياسة المزيفة، تماما كغدر المهنة العتف!!
عاجل..
انطلاق صفارات الإنذار بمستوطنة زرعيت شمالي إسرائيل إثر إطلاق صواريخ من لبنان
شكراً أخي صبحي حديدي. صحيح أن حزب الله الذي ارتكب الفظائع في سوريا يريدها اليوم “معركة كربلائية” لربما لأنه لم يعد يملك سوى الظهور بمظهر الضحية، لكن لايوجد اليوم أي مبرر لحرب فاشية همجية يرتكبها نتنياهو المجرم الفاشي الفاسد المطلوب للمحكمة الدولية في لبنان وغزة وإنما هي للتغطية على فشل حربه مع ترامب على إيران.
نتمنى من الكاتب أن يتحفنا بمقال عن الجنوب السوري المحتل من الكيان ودولته التي تتعامل وكأنها حيادية على أراضيها بدلا من الغمز واللمز من جهة الرجال الذين يضحون بأنفسهم وبما يملكون في سبيل محاربة المحتل.
لا يمكن المقارنة تماما بين حزب الله واسرائيل في حروبهما سواء مع بعضهما او مع الاخرين
تدخل حزب الله في سوريا افقده شعبيته في كامل الدول العربية و المسلمة
هذا النوع من الطرح يعتمد على انتقاء أحداث معينة مثل تدخل حزب الله في سوريا وتجاهل سياقاتها، مقابل تجاهل أحداث أخرى في خطابات إعلامية مضادة، ما ينتج صورة غير مكتملة للواقع.كما يتم ربط أحداث مختلفة زمنياً وسياسياً كاجتياحات لبنان وسوريا وكأنها مسار واحد متصل، رغم اختلاف الظروف والدوافع لكل مرحلة.ويتم اختزال المشهد في شخصيات مثل نتنياهو أو نصر الله أو الأسد بدلاً من تحليل الدول والمؤسسات التي تصنع القرار فعلياً.
هذا الشخصنة تُبسّط صراعات معقدة وتُخفي دور البنى السياسية والعسكرية والتحالفات الدولية.كما يُستخدم التاريخ كأداة لإثبات موقف مسبق عبر انتقاء أمثلة تخدم الفكرة وتجاهل ما يناقضها.
أخي إياد، لو نظرت قليلاً للواقع لوجدت أن ندخل حزب الله في سوريا كان قرار إيراني وليس له سياق سوى وأد الثورة السورية وإجرام بشع قل مثيله في التاريخ والنظام الإيراني يفعل ذلك في إيران أيصاً! وحزب الله جعل من نفسه أداة الجريمة!. ولو نظرت جيداً أيضاً لوجدت أن حسن نصر الله هو الذي شخصن نفسه وأراد أن يكون زعيماً عربياً على شاكلة الناصرية ولو نظرت جيداً لرأيت أن بشارون الهارب هو الذي شخصن نفسه وكلنا يعرف شعار “الأسد أو نحرق البلد”!
خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، انخرطت القوات السورية بشكل مباشر في مجريات الصراع، حيث تدخلت عسكرياً في عدة جبهات، وتحالفت في فترات مختلفة مع قوى لبنانية وفلسطينية ضد قوى لبنانية أخرى، وفق حسابات ميدانية وسياسية متغيرة.
كما ارتبط وجوده بدور استخباراتي وأمني واسع داخل لبنان، شمل التأثير على التوازنات السياسية الداخلية وإدارة ملفات أمنية حساسة.
وقد اتُهمت الأجهزة المرتبطة بالنظام بالمشاركة أو التورط في انتهاكات وعمليات قمع واعتقالات خلال تلك المرحلة، في سياق الحرب وتعدد الميليشيات.
حقيقةً إجرام النظام السوري الأسدي في لبنان كان بكل بساطة امتداد لإجرامه في سوريا، ولم يكن قوات ردع بل قوات قتل وإستبداد وسرقة وإجرام.
والله ما قصر حزب الله ……