حتى نحرر فلسطين وإنسانيتنا

«ليست هناك قطعيات نهائية في هذه الحياة،» كتبت في مقالي السابق، «حتى تلك الدينية منها، والدليل أن التأويل والتفسير منهجيتان مهمتان ومستمرتان في كل عقيدة دينية». في تصوري، ليس هناك في الواقع أي قطعيات في الحياة، ليس هناك أي ثوابت أو حقائق نهائية، هناك فقط تطور وتغير، أو بالأحرى انكشاف لما هو غائب مجهول عنا نحن البشر. كل قطعة معلوماتية، كبيرة كانت أو صغيرة، قابلة للتغير وإعادة الفهم والتحليل بل والانقلاب على نفسها ومعناها ووجودها. ينطبق ذلك حتى على الأخلاق والقيم، ما كان ينظر له على أنه فضيلة قد يتبدى الآن رذيلة تحتاج لإصلاح وتغيير. القناعة كانت كنزاً لا يفنى، فيما الطموح والعمل الجاد والاجتهاد هي اليوم القيمة الحقيقية الأخلاقية في المجتمع البشري. كل شيء يتغير، يتحور وأحياناً ينتفي وينقلب على نفسه، حتى أنفسنا نفسها قابلة لأن تنقلب على نفسها وتتبدل بين يوم وليلة.
أعلم أن قبول هذا المفهوم عسير على النفس البشرية التواقة للثبات والاستمرارية والقواعد المشتركة. يحب البشر أن يقفوا على قاعدة موحدة، كلهم يعتقدون بها وكلها ينطلقون في مسيرتهم الحياتية منها، وما إن ينفصل أحدهم عن هذه القاعدة، إرادياً أو قسرياً، حتى تنطلق الأحكام القاسية وتتبلور العقوبات المجتمعية التي تبدأ من الرفض والعزل، وقد تنتهي إلى التعذيب وإنهاء الحياة. ليس هناك متغير يصعب قبوله وفهمه والتعامل معه، مثل قبول تغير فهمنا لنوع الجنس البشري، لبدايته، لتطوره، ثم لتنوعه اليوم الذي قد يخرج عن التقسيم القطبي القاطع والمفاهيم الجندرية الثابتة.
يراجع علماء الدين الإسلامي، مختارين أو مجبورين، الكثير مما كان ينظر له على أنه ثوابت عقائدية لا يمكن تغييرها أو المساس بتفاصيلها. هناك اليوم مراجعات، ولو كانت مغمورة وخطرة حتى الآن، لمفهوم الحجاب، لتقسيم الإرث، لمعاني الجنة والنار من حيث كونها أماكن مادية أو مواقع نفسية، ولكثير من القصص الدينية الرائعة الواردة في القرآن الكريم من حيث حقيقيتها أو رمزيتها التي يبتغي بها الخالق تقديم درس محكم لخلقه. هناك كذلك تشريعات كانت ثابتة محكمة في أصل العقيدة، مثل تشريعات ملك اليمين، والزواج بالصغيرات، وقتل المرتد، وتحليل أملاك غير المسلم وغيرها مما ما عاد لها مكان أو واقع تنفيذي في حياتنا المعاصرة. كان لا بد لكل هذه المفاهيم من أن تتغير، وحتى إذا ما لم يجرؤ أحد على تغييرها في الكتب، يكفي سؤال شيخ دين، من أي من المذاهب الموجودة، عن مدى إمكانية تطبيقها، لتأتي الإجابة المتلجلجة المترددة لتضع السائل بين حلالية المطروح واستحالة تطبيقه في الزمن الحالي.
وسيأتي اليوم، طال الزمان أم قصر، ليضع قوانين الأحوال الشخصية كلها تحت مجهر التغيير الملزم بدافع تغير الزمان، وسيأتي الزمن علينا نحن العرب والمسلمين، الذي نعيد إبانه تقييم وضع الطلاق كحق مطلق في يد الرجل، ومنحه حق تعديد النساء في حياته، ومنحه إرثاً مضاعفاً عن أخته، ومنحه الحق في تأديب زوجته ضرباً، وحق الطاعة المطلق، والتي هي كلها حقوق ذكورية تأتي من حضارات قديمة ممتدة وجدت لها من يفسرها ويقسرها على فهم النص الإسلامي. سيأتي اليوم الذي نراجع إبانه فهمنا القاطع للجنس البشري، لمفاهيم الذكورة والأنوثة، لقطيعاتنا حول التعامل مع الجسد وحول المطلوب والمفروض على حاملي هذه الأجساد من قواعد اجتماعية خلقتها المجتمعات ثم صبغتها بصبغة الدين. سيأتي الزمن الذي تنقلب فيه المفاهيم رأساً على عقب، ولن يكون هذا انقلاباً مستغرباً، بل متوقعاً محموداً تباعاً لتغير الزمان وظروفه ومستجداته وتبعات تقدمه.
سيأتي يوم يعلو فيه الولاء لإنسانيتنا على كل ولاء آخر، فالولاء للدين والولاء للوطن والولاء للقبيلة والولاء للأسرة وحتى الولاء للجنس والطبقة الاجتماعية والعرق يفترض أن تكون كلها ولاءات شخصية متوارية خلف الولاء للإنسانية، أن تتأخر لصالح الحقوق والسلام الإنسانيين، وألّا تُفرض أحكامها على كل البشر، وألا يحاكم البشر بعضهم بعضاً تباعاً لها أو اتباعاً لأحكامها وقطعياتها. وحين يحدث ذلك، ستحدث المعجزة، سنلتف كلنا، عرباً ومسلمين، حول قضيتنا الأولى، القضية الفلسطينية، وسنطرد الصهاينة المحتلين، وسنقف وقفة مشرفة أمام العالم، تماماً كتلك التي تقفها الشعوب الغربية تجاه القضية التي يفترض أنها أبعد عنهم ثقافياً وأصولياً وعرقياً ودينياً. ولم تقف الشعوب الغربية هذا الموقف تجاه فلسطين؟ لم تُضرب وتُسحل في الشوارع وتُحبس في السجون وتخسر بعثاتها الجامعية احتجاجاً على الإبادة البشعة؟ لأنها شعوب قوية الحس الإنساني، شعوب جُبلت على حرية الرأي والتعبير، وعلى الحد، ولو إلى درجة، من العنصريات والتحيزات البشرية التي تقسم بعضنا على بعض وتحولنا إلى كائنات بدائية عشائرية مستعدة للتضحية بكل ما له معنى إنسانياً وقيمياً وأخلاقياً، من أجل أكذوبة التقسيمات الكبيرة التي لا غرض لها سوى إضعاف الشعوب لصالح الأقوياء المتنفذين.
لو أننا تحررنا من الخوف ومن التطرف ومن عبادة الموروث، ستتغير مفاهيمنا الدينية، وهو ما سيحقق تغييراً في مفاهيمنا المجتمعية والعاداتية التقاليدية، وسيحقق تغيراً في مفاهيمنا السياسية، وسينتهي إلى تغيير جذري في منظورنا الإنساني ومواقفنا الحقوقية. ستختلف الدنيا لو تركنا انفعال التحريم والتجريم والتكفير، فقدمنا المنطق باليمين والحُلم وسعة الصدر باليسار، ووضعناها كلها في وعاء من الرحمة والقبول بالمختلف، ستختلف الدنيا. ونعم، ستتحرر فلسطين ومعها إنسانيتنا.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الاسم ***:

    مثلا : “أفي الله شك”. أو : “قل هو الله أحد” .. هذه ليست قطعيات..؟
    كل من يملك شيء من الثقافة العامة فضلا عن المتخصص يعرف أن السفسطائيين العبثيين انتهت منهم البشرية من زمن بعيد.

  2. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى نحرر فلسطين وإنسانيتنا. الأستاذة الدكتورة المحترمة ابتهال الخطيب، التغير ليس في ثوابت الدين الإسلامي، التغير يوجد في تفسير العلماء، والاختلاف في التفسير رحمة. ليس معنى اختلاف العلماء أن يوجد خطأ في الدين أو في النص القرآني، بل النص ثابت والتغير في الفهم. كل عالم يفهم النص بطريقة تختلف عن الآخر شكلًا، ولكن في الجوهر واحد. وعندما أنزل الله القرآن على قلب سيدنا محمد، قبل أي شيء قال له: اقرأ. لماذا لم يقل له: افهم؟ كون القراءة قبل الفهم بشعرة، والفهم مع القراءة، وإذا قرأ وتعلم فهم، ومهما تعلم فهو محتاج إلى القراءة. والقرآن لم يتغير ولم يتبدل مع الزمن، ونفس القرآن منذ 1400 سنة هو نفس القرآن الذي يفسره العلماء اليوم وحتى يوم الحساب. والعلماء في هذه الأمة ما شاء الله ما أكثرهم، ولكن علماء السلطة هؤلاء من أجل المال يفسرون حسب ما يُدفع لهم، ولا أريد أن أذكر أسماء. أما الإنسان فلا يتغير كإنسان، لكن الحياة تجعله يفهم أكثر فقط، وهو نفس الشخص. إذن ثوابت الدين لا تتغير، والتغير في تفسير العلماء شكلًا، وكما ذكرت: الثابت لا يتغير وليس قابلًا للتغير. دكتورة ابتهال الخطيب، مع احترامي لحضرتك، من خلال معرفتي لحضرتك عن طريق اليوتيوب، ( 1 )

  3. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    ، وسمعت تسجيلات من عشرة سنين، لم أرَ أي تغير في الثوابت في جميع المبادئ التي تعتنقينها، وهذا جميل جدًا: الثبات على المبدأ. وحضرتك إنسان من صنع الخالق، فكيف نطلب من القرآن أو من ثوابت الدين الإسلامي التغير؟ هل هذا منطق؟ وشيء آخر: لماذا الدين الإسلامي فقط الذي يتم مهاجمته؟ ولم أسمع مهاجمة الأديان السماوية الأخرى. لماذا الدين الإسلامي فقط هو تحت الميكروسكوب؟ لماذا؟ هل ممنوع الاقتراب والتصوير من الأديان الأخرى؟ الشيء المهم: إذا كان يجب علينا أن نحرر فلسطين، نتبع قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقبل الوصول لتحرير فلسطين، على العالم الإسلامي الرجوع الكامل إلى الله لكي ينصرنا على عدو الله أولًا وعدونا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ( 2 )

  4. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    إذن التوبة من المعاصي والرجوع الكامل لرب العالمين. دكتورة ابتهال الخطيب، تحياتي لحضرتك، وتحياتي لجريدتي المفضلة القدس العربي، وأسرة القدس العربي، ونحن كل عام إلى الله أقرب. ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9/10/1971

  5. يقول نزار حسين راشد شاعر وروائي اردني.:

    الطبيعة البشرية لا تطمئن إلا إلى الثابت والمطلق وغير القابل للتأويل.فما الذي تغير او تطور في فكرة الاله وفكرة الخالق وفكرة الوحدانيةو قد تنبه الشاعر ادونيس لهذه الجدلية وعالجها في كتابه الشهير الثابت والمتحول.ولم تنتبه كاتبة المقال لسقوطها في التعميم أن التحويل والتأويل لا يعرض للأفكار المجردة ولذلك ميز كونت بين العقلين التجريدي المطلق والتجريبي.وواضح حتى بالملاحظة الأولبة لأي مفكر أن سنة التطور هي لغاية التكيف والتكييف ونزولا عند حكم الضرورة كما سماه كانط التجريبي والعملي فسحبها لتشمل المطلق والمجرد هو من قبيل التعميم غير المنهجي ووضع المفتاح في الباب الخاطيء والقفز فوق الحقائق الوجودية والسنن الكونية فالثبات هو سنة كوتية مهيمنة على سنة التطور التي هي عرض صورة او تنويع على مبدأ الثبات لأنها منبثقة عن هذا الأصل الثابت ومحكومة به وباعتباراته وليست سابحة في الفراغ..

  6. يقول سلام عادل _المانيا:

    يا سيدتي نحن شعوب نحارب فكرة التطور ونمجد الماضي بكل سياته ولا نقبل التغيير فهناك حملة شرسة يشنها ممجدي التراث والسنة ضد القرانيين فقط لأنهم اتوا بتفسيرات جديدة وتاويل جديد للنصوص يناسب العصر

  7. يقول راجي:

    يذكرني هذا المقال بمسرجية غربه للماغوط وفرقة الفنانين في نهاية السبعينيات ولكن حالتنا ازدادت في السوء لدرجة لم يعد بالنسبة لنسبة عالية من العرب والمسلمين قادرين على توفير قوتهم اليومي ولكن يحق لنا ان نحلم بمعرفة ان الاحلام قد لا تصدق

اشترك في قائمتنا البريدية