حرب داخل الغرب

حجم الخط
1

ما عادت بعد اليوم حدود الإسلام هي «حدود الدم» الوحيدة في العالم، على حدِّ الوصف الذي أطلقه صموئيل هنتنغتون (1927-2008) على الحدود التي يوجد فيها مسلمون، حيث تكون مثاراً للحروب والقتال مع الآخر المختلف، وهذا من أجل تأكيد أطروحته المتحيزة حول صدام الحضارات في عالم ما بعد نهاية الشيوعية والأيديولوجيا.
اليوم، باندلاع الحرب في أوكرانيا نتيجة الغزو الروسي، تحولت الحدود في الغرب هي الأخرى إلى حدود دموية، يتصارع فيها من قطعوا شوطاً كبيراً في مسيرة ما بعد التاريخ، حسب التعبير الساحر لفوكوياما، بالحروب، وطفت إلى السطح الاختلافات العرقية والدينية، التي حاول الغرب محوها من خلال التأسيس لعالم إنساني لا يأخذ تلك الاختلافات بعين الاعتبار؛ فهل هي حرب داخل الغرب؟ بكل ما يحمل هذا المصطلح، أي الغرب، من حمولة فكرية، إنسانية وحضارية وآمال كبيرة، منذ بداية عصر النهضة إلى حد الآن، على الرغم من كل التشوّهات التي أصابت هذا التاريخ ولوثته، بدءاً من حملات الاستعمار والإبادة في بقاع كثيرة من العالم، مروراً بتقسيم المنطقة العربية، وغرس جرثومة إسرائيل في أرض فلسطين، وإلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاكي، وصولا إلى «حروب الديمقراطية» والإرهاب، وما جرى في سجن أبي غريب وغوانتانامو في بداية هذا القرن، كلها لوثات لطّخت المشروع الإنساني للغرب، وأظهرت وجهه القبيح، العنصري والبربري والهمجي!

الغرب واحد متعدد

الغرب ليس واحداً، كما يبدو للعيان، بل هو متعدد، يتحكم في تحديده العديد من العوامل، كالجغرافيا والدين والقوميات والولاءات، فهنتنغتون عند تصنيفه للحضارات، التي تتصادم مع الغرب، جعل من المسيحية الأرثوذوكسية تهديداً محتملا للحضارة الغربية ذات الجذور المسيحية واليهودية، حينما أشار إلى التهديد الروسي؛ فعندما تكلم عن أوكرانيا وصفها بأنها «بلد مصدوع، ذو ثقافتين مائزتين. خط التقسيم الحضاري بين الغرب والأرثوذوكسية يمر عبْر قلبها، وكان ذلك لعدة قرون» ما يعني، في نهاية المطاف التأسيس لعالم الحرب داخل المنظومة الغربية، باعتبار أن الأرثوذوكسية تتقاسم جزءاً معتبراً من جغرافيا الغرب مع الكاثوليكية. لهذا برز في الغرب في الآونة الأخيرة العديد من الخطابات، التي تحاول أن تغذي الصراع على أوكرانيا بالبعد الديني، إذ رأت أن بوتين يسعى إلى تحقيق أهداف كثيرة، من بينها: استعادة الكنيسة الأرثوذوكسية الأوكرانية بعد انفصالها عن الكنيسة الروسية في 2018، لمّا كانت جزءاً منها منذ عام 1686، وعن تأثير هذا الانفصال في طموحات بوتين كتب مايكل خوداركوفسكي في جريدة «نيويورك تايمز» قائلا: «إن إعلان الكنيسة الأوكرانية انفصالها عن الكنيسة الروسية، شكل ضربة قاصمة لطموحات بوتين والكنيسة الروسية على مستويات عدة، إذ يمثل الأوكرانيون الأرثوذوكس 30% من مجمل المسيحيين التابعين لبطريرك موسكو» ويتجلى الأثر العظيم في هذا الانفصال، حسب رأيه، في ما تخسره الكنيسة الروسية من «ملايين الأتباع، وملايين الدولارات من أملاك الكنيسة». أما فيما يخص استغلال بوتين للدين في غزوه لأوكرانيا، فقد عنونت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالا تحليليا بـ«المزيج الروسي المنذر بالخطر يجمع بين الدين والأسلحة النووية» أكدت فيه تعاظم دور الكنيسة الأرثوذوكسية منذ تفكك الاتحاد السوفييتي في عدة قضايا منها «الهوية الروسية، والسياسات الداخلية، والأمن القومي». في هذا السياق، ينبغي الإشارة إلى أن استغلال الدين في الحروب ظاهرة قديمة وعامة، وتطور المجتمعات الغربية، وإلغائها للدين وتهميشها له، لم يقلل من هذه الظاهرة، بل كل حروب الغرب الأخيرة ضد الآخر يحضر فيها الدين بشكل لافت، فمثلا «حروب الديمقراطية» التي قادها بوش الابن وحلفاؤه في أفغانستان والعراق، استغلت الدين ورموزه، من كنيسة وصليب واستدعاء لقاموس الحروب الصليبية، وذلك من أجل أن يضفي القادة على حروبهم الظالمة، المشروعية والشرعية، من ثمَّ، ليس مفاجئاً أن يستغل بوتين الدين، وهو يعتبر هذه الحرب ضرورية ومقدسة، لإعادة حق ضاع من روسيا في لحظة ضعف وانهيار.

حرب داخل الغرب، تتدثرُ بزيٍّ ديني وقومي وعرقي، ويتداخل فيها الدين مع السياسة والاقتصاد، ويتجلى فيها الصراع على السيادة

الحرب ضرورة

في مسيرته التاريخية الطويلة، استطاع الغرب ابتكار أفكار عظيمة في التنظيم السياسي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي، كانت سبباً في وضع حدٍّ لتجارب الدم القاسية، التي عاشها الإنسان الأوروبي على مدى قرون من الزمن. لقد استطاع الغربيون أن يوحدوا دولهم في كيانات وحدوية، سياسية واقتصادية، لكبح جماح كل ما من شأنه أن يثير غرائز الانتماء القومي والعرقي من جديد، ولتلجيم الحرب الدينية، والحدِّ من سلطان السماء، قاموا بتأسيس عقد اجتماعي، استبعدوا فيه الدين، وكل ما يرمز إليه. كما أنّهم وضعوا قواعد حضارية للتفاهم وحل النزاعات بين الدول، منها على سبيل المثال: «الديمقراطيات لا تتحارب» ومعنى ذلك أنّ من سمات المجتمعات المتحضرة عدم شنّ حروب ضد بعضها بعضا، لأنّ الديمقراطية كآلية وأداة حضارية، تُمكن من حل الخلافات بين الدول في حال نشب أي صراع بينها، بالطرق الدبلوماسية والناعمة. لقد أظهرت الحرب في أوكرانيا، مدى محدودية هذه الابتكارات، على الرغم من أهميتها، وأظهرت مدى هشاشة الوضع الغربي أمام ظروف مستجدة، قد تقوّض في أي لحظة، العيش المشترك، وتنسف السلام المستتب، فسعي الأفراد إلى المجد، وطموحهم إلى التسيد والهيمنة، يبقى عنصراً فاعلا في سيرورة التاريخ البشري، وتبقى الحرب ضرورية، لتأكيد الذات وتحقيق هذه الطموحات، بالنسبة للقادة والدول كذلك؛ فالتاريخ، كما هو معروف، لا يرضى أن ينعم العالم بالراحة أو يخلد إلى الهدوء والدعة، فهو دائماً في حاجة إلى القرابين والأضاحي البشرية، التي تقدم على موائده من وقت إلى آخر، لذلك يعرّفه هيغل بأنّه:«دكة الذبح الذي تم فيه التضحية بكل سعادة الشعوب، وحكمة الدول، وفضيلة الأفراد».
بناءً على ما سبق، يعود الغرب إلى التاريخ البشري مرة أخرى، الذي حاول الهروب منه، والتميز عنه، لمّا عبثت بعقله نشوة الانتصار على المعسكر الشيوعي؛ إذ رسم تخوماً للتاريخ وما بعده (الفردوس الأرضي) جاعلا من نفسه مركز العالم وآلهة البشر (خاتم البشر) الكل يقدم له القرابين، طالبين عفوه، وبرضاه تتحدد مصائرهم، أإلى الفردوس أم إلى الجحيم؟! لكن، إرادة التاريخ ومكره، تسير عكس ما يشتهي الغرب، فكانت رصاصة بوتين في أوكرانيا مثل «التفاحة» التي أخرجت (آدم وحواء من الجنة) والغرب من فردوسه الأرضي.
في الختام، هي، بالفعل، حرب داخل الغرب، تتدثرُ بزيٍّ ديني وقومي وعرقي، ويتداخل فيها الدين مع السياسة والاقتصاد، ويتجلى فيها الصراع على السيادة، وتبرز من خلالها ملامح نظام عالمي جديد بدأ يتشكل. هي، حقاً، حرب داخل الغرب بين دوله وشعوبه، لكنها ليست داخل المسيحية أو بين طوائفها ومذاهبها، كما كان يصف أمثال فوكوياما بمكر وخبث، الحروب في بلاد الإسلام، لاسيما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، بأنها حرب داخل الإسلام.
كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Au WAGGAWAGGA:

    مقالة قيمة وقراءة هادءة وعميقة للوضع الجيوسياسي..
    احسنت

اشترك في قائمتنا البريدية