روى لي شاعر صديق التهمت الغربة سنوات طويلة من عمره، أنه لمّا عاد إلى بيته – وكان يقيم فيه وحده- قبض على نفسه متلبّسا مرارا وهو يطرق باب غرفته قبل الدخول إليها، وكأنه طارئ على المكان، فتحولت غربته عن الوطن إلى غربة فيه، وقد أبدع الرحابنة في التعبير عن هذه الفكرة، في مسرحية «لولو»، فحين تعود لولو (فيروز) إلى حياتها الأولى، بعد أن سجنت 15 سنة تجد أن كل ما اختزنته من ذكريات عن الوجوه والأماكن قد تبخر، بل تشعر بأنها غير مرحب بها حتى من محبّيها، فتقدّم بخيبة هذه الخلاصة الموجعة: «أقرب الناس إلَك لما تغيب وتطوّل بيكونو دبَّرو حالُن من دونك، إذا رجعت بتكون راجع من الماضي تخربِط حياتُن، اللّي بيروح مش لازم يرجع».
تذكرت هذين المثالين وأنا أعيد قراءة كتاب الصحافي والكاتب البحريني حسن مدَن «ترميم الذاكرة.. ما يشبه سيرة»، الصادر في طبعته الرابعة قبل ثلاثة أشهر عن داريْ تكوين والرافدين، وكان قد صدر قبل ذلك بـ17 سنة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وحاورته يومها في برنامج «نلتقي مع بروين». ولا يزال الكتاب راهنا، خاصة في شقّه التأملي عن الوقت والذاكرة والزمن والفقد، ولا يزال معبرا عن «جيل كان مأخوذا بالحلم وبالوعود الكبرى والآمال العديدة، من دون أن يعرف أن مرحلة الخسران والهزائم ستكون طويلة»، كما قال حسن مَدن في لقائنا التلفزيوني.
«ترميم الذاكرة» رحلة في منافٍ متعددة، لكاتب غادر بلده في التاسعة عشرة من عمره وعاد إليه في الخامسة والأربعين، بعد أن فُرضت عليه «غربة قسريّة إجباريّة، لم تكن اختياريّة، بسبب الظروف السياسيّة التي مرّت بها بلاده في تلك الفترة، حيث كان مقيما في الخارج»، وقد خالف المؤلّف وصيّة غراهام غرين التي صدّر بها كتابه «إذا أدركك الحنين إلى مكان فلا تعد إليه أبدا»، المتطابقة مع وصية فيروز «اللّي بيروح مش لازم يرجع» فعاد مرتين: عودة جسدية بعد أكثر من ربع قرن من الاغتراب، وعودة فكرية من خلال هذا الكتاب، الذي يشبه السيرة الذاتية، كما وصفه صاحبه في العنوان، ولكنه ليس سيرة بخصائصها المعروفة، وقد أكد الكاتب في أحد لقاءاته الصحافية على هذه الفكرة حين قال: «لم يكن في ذهني وأنا أعدّ الكتاب أن أكتب سيرتي الذاتية، كانت هناك أمور تثقلني وأريد أن أخففها»، لذلك كان موفّقا في عتبته النصية الأولى عنوان الكتاب، فهو يعيد ترميم ذاكرته، من خلال كتابة أجزاء منها، إذ إنّ «وجوها كثيرة قد تغيرت ملامحها، وكان عليّ أن أبذل جهدا في ترميم ذاكرتي التي تهشم بعض أجزائها بفعل الزمن»، كما ورد في نصه، وكانت تقنية الاسترجاع أفضل معين له على إنجاز مهمته، فبدأ مذكراته إن صحّ الوصف، برحلة عودته من المنفى، يحدوه الحنين إلى زمن مضى إلى غير رجعة، ويشرح لنا حنينه مع يقينه بأن عملية استعادة الماضي تبقى ذهنية لا تمظهرات واقعية لها، فهو مجرد حنين «إلى الأماكن والأشياء والأشخاص، يفجر في داخلنا حنينا، من نوع آخر، إلى صورة تلك الوجوه والأشياء والأماكن كما طبعت في الذاكرة لأول مرة، حين خلّفناها وراءنا ورحلنا عنها، إلى صورتها قبل أن تتحول إلى ذكريات، حين كان لها مذاق آخر. لقد نسينا هذا المذاق. وكل ما نفعله أننا نحاول فقط استعادة حلاوته، أو مرارته في فمنا، ولكننا.. لن نفلح أبدا»، فأول ما يصدم المؤلف: تغير صورة الأشياء بين المتخيل والواقع كما يراه، فالذاكرة تميل إلى تضخيم الأشياء حتى إن ساحة المسجد «التي كانت في نظره وهو صغير بوسع الدنيا، وكانت لشدة اتساعها تصبح ملعبا لكرة القدم» وجدها مجرد مساحة صغيرة اتسع لها الحلم وضاق بها الواقع، ورسمت مسافة حادة بين مخيلة الطفولة وصرامة هذا الواقع. ومدينته المحاطة بغابة نخيل ساعة السحر، والتي يغسل البحر أقدامها صباح مساء، ومنها استمدت اسمها، أصبح هذا البحر بعيدا جدا عنها و»ما انفك يبعد عن مركز المدينة، أمام زحف رمال الردم وأبراج الكونكريت والزجاج»، وهو ما أبدعت ليلى المطوّع في وصفه في روايتها «المنسيون بين ماءين». ليخلص حسن مَدن بعد هذه الصدمة العاطفية المجللة بالخيبة واليأس من استرجاع ماض لا يعود، إلا أن «الحنين مرض لأنه يعبّر عن رغبة غير متحقّقة في الإنسان».
ولكن ما الذي يغير ملامح الماضي، بل يمحوها ويرسم فوق أطلالها صورة تحمل قساوة الواقع؟ يُرجع الكاتب ذلك إلى الزمن، فيتوقف مؤقتا عن سرد الأحداث ليكتب تأملاته الفلسفية عن الزمن الذي يعرِّفه بأنه «الأطفال وقد غدوا فتيانا، أو فتيات، هو نحن وقد أصبحنا آباء أو أمهات»، ويكتب عن الزمن الفعلي والزمن الشعوري، فدقائق الساعة الستون هي نفسها في حساب القياس، لكنها تغدو ثواني في رفقة المحبوب، وتستحيل دهرا في حضرة الألم، فالوقت ليس قيمة مطلقة مجردة، بل هو كما وصفه كونديرا «المرء لا يقدم وقتا أبدا، إنه يقدم اهتماما، نصائح، معلومات، صداقة، ما أدراني ماذا أيضا؟»، وهذا الزمن هو الذي يستحيل في الغربة القسرية لا نهائيا، حيث يستحيل فيه المؤقت إلى دائم، كما عبر عنه حسن مدن بهذه الجملة الموجعة «الدائم ليس سوى سلسلة من المؤقتات» وفي حالته كان التيه بين المنافي هو الدائم الوحيد لديه، ما أن يراوده شعور الاستقرار حتى يسمع الجملة، التي قيلت له في مصر «النهار ده حتترحل من هنا»، وإذا كان يومها لم يكن قد اختبر بعد «معنى أن يقتلع الإنسان من مكان يحبه ويألفه وتشده إليه أقوى الوشائج»، إلا أن الاقتلاعات المتتالية من بغداد وبيروت ودمشق وموسكو، أكدت له أن ما كان يراه طارئا واستثناء أصبح قاعدة، ولما غازله الدائم بعد ربع قرن، وسمح له برؤية بلده، وصف شعوره بقوله: «لم أكن فرحا ولا حزينا كنت مرتبكا»، فقد انتظر هذا الخبر طويلا حتى كاد أن ييأس أو ينسى، وحين جاءه الخبر فجأة كانت «محفزات الانتظار والرجاء والأمل عنده قد هدأت، أو كفّت عن النشاط».
أشدّ ما يؤلم في الغربة فقدان من نحب، من دون أن نحظى بفرصة توديعهم وهم أحياء، أو إلقاء النظرة الأخيرة عليهم وهو أموات، وليس حسن مَدن استثناء في هذا، فقد مرّ بفقدانات متعددة، أعظمها أنه تلقّى خبر وفاة أبيه وأمه في لحظة واحدة، ويروي كيف عانده القدر للقاء والده في العراق مرارا، أما أمّه فما فتئت تظهر في نصوصه ومنها، نص موجع بعنوان «وصايا الأم» أثبته في شبه سيرته، كما حكى عن فقدان أخويه الوحيدين: الأكبر الذي كان بمثابة والده، والأوسط الذي توفّي في حادث سير مفجع مع ابنة الأخ الأكبر. ولم يجد بدّا من محاولة النسيان مع يقينه بأن «النسيان خديعة ابتكرناها كي نتغلب على الألم الناجم عن الفقد، أو الخيبة أو الأذى».
ليس «ترميم الذاكرة» مجرد استرجاع أحداث وبناء ذكريات شوّهت الغربة ملامحَها، إذ لا بد للثقافة وهي هاجس حسن مَدن الأبدي أن تطلّ برأسها من خلال الاستشهاد بالشعر والسينما والكتب، كما يرسم لنا الوجه الثقافي لبعض البلدان التي استوطنها فحين يعقد مقارنة بين بيروت ما قبل الحرب الأهلية وبيروت ما بعدها، لا ينسى وهو يتحدث عن الدمار، الذي خلفته الحرب في البشر والحجر أن يذكِّرنا بأن عجلة المطابع بقيت تدور، والصحف تصدر في مواعيدها، وليس بمستغرب أن ترى «مبنى متهاويا من آثار القصف وداخله يقام معرض تشكيلي»، وفي بيروت أيضا – وقد عاش فيها خمس سنوات – التقى بالقضية الفلسطينية في شكل جارته البطلة دلال المغربي، فقد كانت فلسطين بالنسبة له «النشيد الأول الذي حفظناه عن ظهر قلب، اسم أول مجلة حائط أصدرناها في المدرسة، واسم أول فريق كرة قدم للهواة تأسس في الحي، وأول هتاف أطلقناه في مظاهرة».
وكذلك الأمر كان المؤلّف شاهدا على واحدة من التحولات الكبرى في القرن العشرين فقد وصل إلى موسكو وهي عاصمة الاتحاد السوفييتي، وغادرها بعد سنوات خمس وهي عاصمة روسيا، حيث عصفت بها رياح البروسترويكا، وهذا الوضع السياسي المتقلّب لم يحل دون أن يحضر الكاتب أشهر عروض الباليه «بحيرة البجع» للموسيقار العبقري تشايكوفسكي على مسرح البولشوي الشهير.
بعد هذا التطواف بين العواصم العربية والغربية نتساءل، هل قال حسن مَدن كل ما عنده؟ يجيبنا بنفسه على سؤالنا مواربة حينا، حين كتب «الكتاب أزاح عنّي ثقل الذكرى إلى حدود كبيرة، وهناك الكثير من التفاصيل والوقائع والأحداث والمشاعر لم تجد مكانها في هذا الكتاب»، ومصارحة مرة ثانية حين صرّح بأنه سيكتب جزءا ثانيا يتناول فيه تجربته السياسية، وبانتظار صدور ما وعد به نتبنى سؤاله: «أكان ينبغي أن تسير الأمور على النحو الذي سارت عليه؟ ألم يكن بالإمكان أن تكون أحسن؟».
شاعرة وإعلامية من البحرين
سأقول بين يديك شيئًا آخر…لأنّ المقال تضمّن الحنين والانتماء إلى المكان مع المعاناة؛ من خلال شخصه فعانى صاحبه من الفقد بعد طول غياب ولا يزال في هيولي التقلّب…هناك طوق نجاة مضمون آخريحافظ على الذاكرة من التغييروالترميم؛ وهوالانتماء إلى الزمان بدل المكان.فالزمان محيط واحد المبنى؛ والمكان أقطار شتى.لهذا المكان إطار محدد كالقرية؛ فيما الانتماء للزمان يمنحك قوّة ذاتيّة تقهرالماضي وتخلق فيك المستقبل؛ فهومفتوح الآفاق فلا تشعر بالغربة إلا قليلًا…وهنا يحضرني قول الشّاعر الناقد بشّار ابن برد في وصف الأرض/ المكان:{ لابدّ للأرض إنْ طابت وإنْ خبثت…….من أنْ تحيل إليها كلّ مغروس }.{ وتربة الأرض؛ إنْ جيدت وإنْ قحطت…….فحملها أبدًا في إثرمنفوس }. { وبطنها بفلز الأرض ذوخبر…….بكلّ جوهرة في الأرض مرموس }.{ وكلّ ما عونها كالملح مرفقة…….وكلّها مضحك من قول إبليس }.
ثمة التباس ها هنا.. هذه الأبيات ليست لبشار بن برد، كما جاء في التعليق؛
بل لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد قائلا ومشاركا في الرد على بشار ذاته؛
كذاك البيت الأهم مغفَل (وكلّ آنية عمت مرافقها … وكل منتقد فيها وملبوس)؛
مما استوجب التصويب !؟.
ثمة زمان ومكان لكل شيء، بمعنى أن كل فعل أو سلوك أو حوار إنما هو ملائم في زمانه ومكانه وحسب، متى وأنّى. قد يكون سهلا تعريف المكان ما دام الكلام يجري عن موضع معيّن وليس غير هذا، ذاك البناء، تلك المدينة، تيك الدولة. لكن ليس هيّنا تعريف الزمان (كالقول الاعتباطي واللامسؤول بأنه محيط واحد المبنى) حتى لو كان الكلام يسير عن وقت محدّد دون سواه، تلك الساعة، ذلك اليوم، تيك الفترة. سأل أحدهم الفيلسوف أوغسطين عن تعريف الزمان، فأجاب: أعرف كل شيء عن الزمان ما دمتَ لا تسألني عنه أيّ شيء – ومرثية أبي البقاء الرندي خير مثال:
«لكلِّ شيءٍ إذا مَـــــا تمَّ نقصـانُ / فلا يُغَرَّ بطيبِ العيشِ إنســـانُ»
«هِيَ الأُمُورُ كَمَا شاهَدَتْهَا دُوَلٌ / مَنْ سَـرَّهُ زَمَنٌ سَـاءتْهُ أَزمـــــانُ»
«أَيْنَ الملوكُ ذَوُو التيجانِ مِن يَمَنٍ / وأينَ منهم أَكاليلٌ وتيجانُ»
إلى آخره / تحية للسيدة بروين حبيب !؟
اهلين بالدكتور جمال..تعليقك يمنح الموضوع
القا…ويفتح النفس للقراءة والتعليق.عودة سعيدة.
شكرا اختي بروين.مقالاتك تشبهك بجمالها..
وشكرا للصحيفة على نشر هذه المقالات الجميلة.
مع نسائم خليج يثرمايكو حيث مدينة سولينك التي تطلّ عليه كآلهة اليونان؛ أبعث إليك شكري وتقديري ياأحمد الشاميّ الكريم؛ وإليك أقول: { يامنْ تسمّى باسم أحمد مرحبًا……في ذا التسمّي؛ حقّك التعظيم }.{ إنْ لام فعلك جاهل أو حاسد …….إنّ الحسود بلومه لغشوم }.{ لا تصغ أذنًا للعذول فأنه…….بئس النصيح؛ وأنه لظلوم }.
يا لعجَب عجيب، ويا لعجائب التعاجيب –
كلمة مديح وحيدة لَكفيلة بالأنخفان أن ينفش أرياشه كلها –
كما قال الشاعر الحكيم:
{وَمن جاهلٍ بي وَهْوَ يَجهَلُ جَهلَهُ … وَيَجْهَلُ عِلمي أنّهُ بيَ جاهِلُ}
اعجبني اختيار الانتماء للزمان كبديل للمكان.لان
الزمان مطلق والمكان نسبي.التفاتة ذكية منك
اخي جمال.بارك الله بقلمك المثير للاعجاب.
القول بأن (الزمان مطلق والمكان نسبي) مجرد خطل لا يستند إلى علم حقيقي !
في جريدة القدس العربي العلاقة بين الكاتب
والقاريء ذات نكهة غيرها عن بقية الصحف..
شكرا لكادر الجريدة على هذه الروح الحضارية
مع تقديري للكاتبة وللدكتور جمال الذي
اختصر برشاقة نظرية اينشتاين عن الزملكان.
تعليق جمال قال بالانتماء إلى الزمان بدل المكان (سواء كان مصيبا أم لا).
بينما الزمكان فهو دمج الزمان والمكان في كيان واحد، بوصفه أداة لوصف الكون.
هنا إذن تناقض فالعقبة لم يفهم التعليق ولا الزمكان- !