نواكشوط –«القدس العربي»: دخل ملف الحوار السياسي في موريتانيا مرحلة جديدة بعد تحرك مباشر يواصله الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حاليا، لكسر حالة الجمود التي عطلت المسار التحضيري الذي بدأ في آذار/مارس قبل الماضي، وسط استمرار حول بند مثير للخلاف تعتبره المعارضة بوابة محتملة لفتح نقاش حول الولاية الرئاسية الثالثة.
ويأتي هذا الحراك في وقت يستعد فيه الرئيس الغزواني لعقد لقاء مع قادة المعارضة مطلع الأسبوع المقبل، بعد اجتماع مطول جمعه بقيادات أحزاب الأغلبية، ناقش خلاله أسباب تعثر الحوار والرهانات المرتبطة به، في خطوة تعكس إدراك السلطة للمخاطر السياسية المترتبة على استمرار الانسداد.
وبحسب تصريحات نسبت إلى الرئيس الغزواني خلال اجتماعه بقادة الأغلبية، فإنه قدم مقاربة مختلفة لمبررات الحوار، مؤكدا أن الدعوة إليه لا تستند إلى ضغوط سياسية أو موازين قوى انتخابية، بل إلى الحاجة لمعالجة اختلالات بنيوية في الحكامة وتطوير المؤسسات الوطنية ومواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة لأنه ينقل النقاش من دائرة التنافس الحزبي إلى دائرة بناء الدولة؛ فالرئيس أقر بأن الأغلبية، إذا ما احتكمت إلى الحسابات السياسية التقليدية، لا تبدو بحاجة إلى حوار في ظل امتلاكها أغلبية برلمانية مريحة وغياب تهديد سياسي مباشر من المعارضة، لكنه اعتبر أن المصلحة الوطنية تفرض التوافق حول قضايا تتجاوز الحسابات الانتخابية الآنية. كما حملت تصريحات الغزواني رسالة سياسية لافتة حين أكد أنه سيغادر السلطة يوما ما، وأن الإصلاحات المؤسسية التي يناقشها الحوار ستستفيد منها الطبقة السياسية مستقبلا، في محاولة واضحة لنفي الاتهامات التي تربط الحوار بطموحات رئاسية شخصية.
غير أن هذه الرسائل لم تنجح حتى الآن في تبديد مخاوف المعارضة التي تعتبر أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بالحوار ذاته، وإنما بمضمون الوثيقة التي قدمتها الأغلبية إلى منسق الحوار موسى فال.
فالمعارضة ترى أن بعض العبارات الواردة في الوثيقة، وخاصة تلك المتعلقة بمراجعة «المدد والولايات»، قد تفتح الباب أمام مناقشة المواد الدستورية المحصنة الخاصة بعدد المأموريات الرئاسية، وهو ما تعتبره تمهيدا نظريا لإتاحة مأمورية ثالثة للرئيس الحالي.
هل ينجح الغزواني الإثنين المقبل في فك عقدة الجمود؟
وتبدي أحزاب المعارضة حساسية استثنائية تجاه هذه القضية، ليس فقط بسبب مضمونها الدستوري، بل أيضا بسبب التجارب السياسية التي عرفتها المنطقة خلال العقدين الماضيين، حيث ارتبطت محاولات تعديل الدساتير لتمديد فترات الحكم بأزمات سياسية حادة في عدد من الدول الإفريقية.
ومن هذا المنطلق تصر المعارضة، بمختلف مكوناتها المشاركة في الحوار، على حذف أي صياغات يمكن أن تفسر مستقبلا بأنها تمس سقف المأموريات الرئاسية، أو على الأقل تقييد النقاش بشكل صريح باستبعاد المواد الدستورية المحصنة.
وأكد مصدر معارض أن هناك مخاوف داخل أوساط المعارضة من أن تتجه الأغلبية إلى طرح ملف المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار، والدفع نحو اعتماد مبدأ التصويت بالأغلبية على مخرجاته، وهو ما قد يتيح، حسب المصدر، تمرير تعديلات دستورية تسمح للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بخوض مأمورية جديدة.
في المقابل، تتمسك أحزاب الأغلبية بالوثيقة التي قدمتها سابقا، معتبرة أنها تشكل رؤية متكاملة للحوار ولا تتضمن أي إشارة مباشرة إلى فتح ملف الولاية الثالثة.
وتؤكد الأغلبية أن المعارضة تقوم بتفسير سياسي موسع لبعض العبارات الواردة في الوثيقة، بينما يتعلق الأمر -وفق روايتها- بإصلاحات مؤسسية وانتخابية أوسع لا تستهدف بالضرورة المأموريات الرئاسية.
كما تخشى الأغلبية أن يؤدي حذف بعض البنود أو تعديلها تحت ضغط المعارضة إلى خلق سابقة تجعل أي طرف قادرا على فرض خطوط حمراء مسبقة على جدول أعمال الحوار، وهو ما يتعارض مع فلسفة الحوار الشامل التي تدافع عنها.
ومن أبرز المؤشرات التي حملتها تصريحات الرئيس الأخيرة رفضه لعب دور الحكم بين الأغلبية والمعارضة، رغم مطالبة بعض أطراف المعارضة له بالتدخل لحسم الخلاف.
ويعكس هذا الموقف رغبة واضحة في الحفاظ على مسافة سياسية متساوية بين الأطراف المشاركة، وتجنب تحمل مسؤولية أي تنازلات قد تقدمها جهة على حساب أخرى.
لكن هذا الموقف يضع الرئيس في معادلة معقدة، فالمعارضة تعتبره الجهة الوحيدة القادرة على تقديم الضمانات المطلوبة، فيما ترى الأغلبية أن أي تدخل مباشر منه قد يفسر على أنه ضغط عليها للتراجع عن مواقفها.
في جوهر الأزمة، يبدو أن الطرفين لا يختلفان حول ضرورة الحوار بقدر ما يختلفان حول قواعده وحدوده؛ فالمعارضة تريد حوارا يركز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية والحكامة والانتخابات والعدالة الاجتماعية دون الاقتراب من ملف الولايات الرئاسية. أما الأغلبية فتدافع عن مبدأ عدم استبعاد أي موضوع ذي طابع مؤسسي من النقاش المسبق، حتى وإن كانت تؤكد أن ذلك لا يعني بالضرورة استهداف المواد الدستورية المتعلقة بالرئاسة.
تتجه الأنظار الآن إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الغزواني وقادة المعارضة، الذي قد يشكل فرصة لإعادة تحريك المسار المتوقف منذ أشهر.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن إمكانية التوصل إلى تسوية لا تزال قائمة، خصوصا أن المعارضة تؤكد تمسكها بالحوار واستعدادها لمناقشة مختلف الملفات، باستثناء ما تعتبره مساسا بالمأموريات الرئاسية، بينما تؤكد الأغلبية بدورها تمسكها بالحوار باعتباره إطارا لتعزيز التوافق الوطني.
غير أن نجاح هذه المساعي سيظل رهينا بإيجاد صيغة لغوية وسياسية تسمح للطرفين بحفظ موقفيهما في آن واحد؛ فالمعارضة تبحث عن ضمانات دستورية واضحة، بينما تسعى الأغلبية إلى تجنب الظهور بمظهر المتراجع تحت الضغط.
وبين هذين الموقفين، يجد الرئيس الغزواني نفسه أمام اختبار سياسي مهم: إما تحويل الحوار إلى منصة لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية المتراكمة، أو استمرار الجدل حول المأموريات بما قد يؤجل مرة أخرى انطلاق حوار تعول عليه السلطة والمعارضة معا لترتيب المشهد السياسي في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.