حين تُدار الإبادة الإسرائيلية لغزة باسم السلام

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة – «القدس العربي»: لم يكن يونس عبد الهادي سلمان، الرجل السبعيني، يتوقع أن يتحول المساء الهادئ في منزله بدير البلح إلى فصل جديد من فصول الرعب. كان يجلس مع أسرته، كما يقول، «آمنين مطمئنين»، حين باغتتهم الصواريخ بلا إنذار، لتنهار الجدران فوق بعضها، ويغيب كل شيء خلف ستار كثيف من الدخان والغبار. في تلك اللحظة، لم يعد البيت بيتًا، ولا الجيران جيرانًا، بل تحولت الحارة كلها إلى كتلة واحدة من الخوف.

ليل ينهار

يتوقف يونس عند المفارقة القاسية: كانوا يظنون أنهم دخلوا «المرحلة الثانية» من اتفاق وقف إطلاق النار، تلك التي وُعدوا فيها بالهدنة والسلام وفتح المعابر وإدخال الأدوية والمستلزمات الأساسية. كان الأمل، ولو واهنًا، قد تسلل إلى القلوب، لكن الواقع، كما يصفه، جاء معاكسًا تمامًا؛ فلا سلام تحقق، ولا معابر فُتحت، ولا أمان حلّ.
يتحدث الرجل في حديثه لـ»القدس العربي» عن حياة تُدار بمنطق الإذلال. الأسواق، كما يقول، امتلأت بالبضائع نتيجة ضغط العالم وحديثه عن المجاعة، لكن الناس لا تملك المال لشراء الطعام. «يعاملوننا في معيشتنا كالدواب»، عبارة يطلقها بمرارة، ليختصر بها اقتصادًا قائمًا على الخنق، حيث يتوفر الطعام نظريًا، ويغيب عمليًا عن موائد الفقراء.

شهادات الغزّيين: هدنة تُقصف في مرحلة الإعمار

ثم يعود يونس إلى تفاصيل الضربة. المنزل المجاور، الملاصق لبيته، كان يضم قرابة خمسين شخصًا موزعين على عدة شقق. أما منزل عائلة الحولي، عائلة «أبو فؤاد الحولي»، فكان يؤوي أكثر من ثلاثين إنسانًا من أبناء وأحفاد. لحظة القصف، كما يروي، عمّ ذعر يشبه ما شاهده في أفلام «الهولوكوست»، في إشارة إلى حالة الفوضى والرعب الجماعي التي لا تفرق بين طفل وشيخ.
يصف يونس المشهد أنه أقرب إلى «يوم القيامة». ثلاثة صواريخ سقطت، بعضها من الجو، وبعضها لا يعلم من أين أتى. الجدران تتهاوى، والبارود يملأ الأجواء، والناس تركض بلا اتجاه، «يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه». حتى الهدنة، كما يقول، لم توفر ملاذًا آمنًا، «والله لو ذهبت إلى المقبرة فلن تأمن». رسالته الأخيرة للعالم أن ينظر بعين الرحمة إلى الأطفال والنساء، وألا يقتل جيش الاحتلال عشرات المدنيين «من أجل شخص واحد مطلوب لديهم».

مرحلة موهومة

تأتي شهادة يونس سلمان لتفتح باب السؤال الأكبر: ماذا تعني «المرحلة الثانية» من اتفاق وقف إطلاق النار بالنسبة لسكان غزة؟ نظريًا، هي مرحلة يُفترض أن تشهد انسحاب جيش الاحتلال، وبدء جهود الإعمار، وانتشار قوة دولية، وإنهاء الحرب بشكل كامل. عمليًا، كما تكشف الوقائع الميدانية، هي مرحلة وُلدت محمّلة بالتناقض.
ففي الوقت الذي تُتداول فيه مصطلحات لجنة إدارة غزة وإعادة الإعمار في الغرف المغلقة، يستمر القصف على الأرض، وتتوسع دائرة القتل، ويُعاد تعريف «الخط الأصفر» بطريقة أحادية، تتيح لجيش الاحتلال التوغل خارج نطاق سيطرته المتفق عليه. هذا التناقض بين النص والواقع حوّل الاتفاق إلى وثيقة بلا روح، وأبقى المدنيين رهائن لسماء لا تتوقف عن إرسال نيرانها.

الثواتبة‭ ‬لـ«القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬قضم‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬كيلومترات‭ ‬خارج‭ ‬الخط‭ ‬الأصفر

ضمن هذا السياق، جاء استهداف منزل عائلة الحولي في دير البلح ليؤكد أن ما يُسوّق كهدنة لا يتجاوز كونه هدنة شكلية. فالمنطقة التي استُهدف فيها المنزل خارجة، وفق الاتفاق، عن نطاق سيطرة جيش الاحتلال، ما يجعل الضربة خرقًا صريحًا لبنود وقف إطلاق النار، ورسالة واضحة بأن الالتزام بالاتفاق انتقائي ومشروط.
القصف لم يكن حادثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة ممتدة من الانتهاكات التي تُمارس تحت مظلة سياسية هشة. فكل غارة جديدة تعيد تعريف الهدنة، ليس بوصفها توقفًا عن القتل، بل باعتبارها إدارة مختلفة له، وبوتيرة أقل أو أكثر حسب الظروف.

بيت الحولي

في الخامس عشر من كانون الثاني / يناير، استيقظت دير البلح على الخبر الدموي. خمسة فلسطينيين، بينهم طفلة، استشهدوا جراء قصف جوي استهدف بصاروخين منزل عائلة الحولي. المصادر الطبية أكدت أن عددًا كبيرًا من المصابين نُقلوا إلى «مستشفى شهداء الأقصى»، في مشهد أعاد المستشفى إلى حالة الطوارئ القصوى.
الدفاع المدني أعلن أن طواقمه انتشلت جثامين الشهداء الخمسة من تحت الأنقاض، وسط صعوبات كبيرة بسبب نقص المعدات الثقيلة. المشهد لم يكن فقط مأساة إنسانية، بل دليلًا ماديًا على تعثر البروتوكول الإنساني الملحق باتفاق وقف إطلاق النار، الذي ينص على تسهيل عمل فرق الإنقاذ.
الأخطر في الحادثة أن المنطقة المستهدفة تقع خارج نطاق سيطرة جيش الاحتلال وفق الاتفاق الساري منذ تشرين الأول /أكتوبر الماضي. هذا التفصيل القانوني يحوّل القصف من «عملية عسكرية» إلى خرق واضح، ويضع علامات استفهام حول جدوى أي حديث عن التزام أو ضمانات دولية.
استهداف منزل الحولي لم يقتل ساكنيه فقط، بل قتل أيضًا ما تبقى من ثقة السكان بأي مسار سياسي. فحين يُقصف بيت في منطقة يُفترض أنها آمنة، يصبح مفهوم الأمان ذاته موضع سخرية سوداء.

ثلاثة صواريخ

يوسف سلمان، من بيت عائلة سلمان المجاور لدار الحولي، يروي المشهد من زاوية أخرى. «كنا في أمان الله بالأمس»، يقول، قبل أن تسقط ثلاثة صواريخ على منزل الجيران. خلال لحظات، دُمّر الحي بالكامل، وانهارت المنازل فوق بعضها، واستشهدت نساء وأطفال، تاركة خلفها فراغًا لا يملؤه شيء.
يشير يوسف بيده إلى الركام المتداخل، حيث لم يعد ممكنًا التمييز بين بيت وآخر. منزل عائلة الحولي، «بيت أبو فؤاد الحولي»، دُمّر تمامًا، وكأنه مُسح من الخريطة. هذا الدمار، في نظره، هو الرد العملي على كل التصريحات السياسية التي تتحدث عن تهدئة.
يتوقف يوسف عند الخطاب السياسي المتداول، خاصة الحديث عن «حكومة تكنوقراط». بالنسبة له، هذه المصطلحات لا تعني شيئًا في ظل واقع يزداد سوءًا. «الجميع يسخر منا ويكذب علينا»، عبارة تختصر فجوة عميقة بين النخب والناس.
رسالته الأخيرة للعالم بسيطة ومباشرة: أن ينظر إلى غزة بعين الرحمة، وأن يأتي ليرى الأطفال والنساء وهم يموتون. «نحن نموت هنا، والإبادة لم تتوقف أبدًا»، يقول، مؤكدًا أن من يدّعي توقفها «واهم».

أرقام دامغة

في بيان مطوّل صدر يوم السبت الماضي، كشف المكتب الإعلامي الحكومي عن حصيلة ثقيلة للشهداء في يوم واحد فقط: 19 شهيدًا نتيجة مجازر متعددة، أبرزها استهداف خيمة للنازحين في خان يونس، ما أسفر عن استشهاد سبعة من عائلة واحدة، بينهم خمسة أطفال وامرأة ومسن.
البيان يضع هذه المجازر ضمن سياق زمني أوسع، منذ دخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول / أكتوبر 2025 وحتى نهاية يناير 2026، أي خلال 111 يومًا. خلال هذه الفترة، ارتكب الاحتلال 1450 خرقًا جسيمًا ومنهجيًا للاتفاق، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني.
توزعت هذه الخروقات بين إطلاق نار، وتوغلات للآليات داخل الأحياء السكنية، وقصف واستهداف مباشر، ونسف للمنازل والمباني. هذه الأرقام لا تُقرأ بوصفها إحصاءات مجردة، بل كخريطة يومية للرعب الذي يعيشه السكان.
أما الخسائر البشرية، فتكشف بعدًا أكثر قسوة. 524 شهيدًا، 92% منهم مدنيون، و96% ارتقوا بعيدًا عن الخط الأصفر. الأطفال والنساء والمسنون شكلوا نحو نصف الضحايا، ما يؤكد أن المدنيين هم الهدف الأوسع لهذه الخروقات.

حصار مستمر

لم يتوقف البيان عند القتل، بل انتقل إلى ملف المساعدات، كاشفًا عن فجوة كبيرة بين ما هو متفق عليه وما يُنفذ فعليًا. من أصل 66,600 شاحنة مساعدات وتجارية ووقود يُفترض دخولها، دخلت أقل من النصف. أما الوقود، فلم تتجاوز نسبة الالتزام فيه 2.7%، وهو رقم كفيل بشل الحياة في قطاع يعتمد على المولدات لتشغيل مستشفياته.
يشير البيان إلى أن الاحتلال لم يلتزم بإدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض، ولا بالمستلزمات الطبية والأدوية، ولا بفتح معبر رفح، ولا بإدخال مواد الإيواء من خيام وبيوت متنقلة. هذا الإخلال المتعدد البنود يحوّل الهدنة إلى أداة ضغط إنساني.
الأخطر، وفق ما قاله إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، لـ»القدس العربي»، هو قضم جيش الاحتلال المزيد من الكيلومترات خارج الخط الأصفر، في إعادة رسم غير معلنة للجغرافيا، على حساب حياة المدنيين وممتلكاتهم.
ويوضح الثوابتة أن هذه الخروقات تشكل «التفافًا خطيرًا» على الاتفاق، ومحاولة لفرض معادلة قائمة على الإخضاع والتجويع والابتزاز، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التدهور الإنساني.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية