الرباط ـ «القدس العربي»: إذا كان المسرح يوصف تقليديا بأنه «أبو الفنون»، فإنه في المغرب، بالنسبة إلى كثير من المهنيين من ممثلين وتقنيين وكتاب وغيرهم، يبدو في أحيان كثيرة وكأنه «أبو المحن» أيضا. فسُبل العيش من خلاله تظل محفوفة بالمضايق والمنعطفات التي لا تنتهي، حتى إن التمسك بالأمل لا يعود مجرد خيار جمالي أو فني، بل يتحول إلى نوع من الصراع اليومي من أجل الاستمرار في الإبداع. ويرى بعض النقاد أن هذا الوضع، بكل ما يحمله من هشاشة اجتماعية وضغط معيشي، يتناقض في العمق مع شروط تطوير المشهد المسرحي وتحديثه على نحوٍ يليق بتاريخ هذا الفن ومكانته.
ومن تلك المحن، ومن ذلك اللهيب الذي يشتعل داخل المسرحي ولا ينطفئ، بل يزيده إصرارا وتشبثا بالركح باعتباره قدرا وأفقا ومعيشا، جاء مُنجز الناقد الفني المغربي نجيب طلال الموسوم بـ «لهيب الركح المسرحي». غير أن طلال اختار زاوية حادة ومؤلمة للحديث عن المسرح، زاوية تنطلق من لحظة قاتمة في مسار المسرحيين، ليعيد عبرها التفكير في المسرح، لا باعتباره مجرد عروض أو نصوص، بل باعتباره حياة كاملة من الأحلام والانكسارات والنهايات المؤلمة.
«تراجيديا» ممثل مسرحي
وتتمثل هذه اللحظة المأساوية في واقعة إحراق الجسد التي أقدم عليها المسرحي الراحل أحمد جواد احتجاجا على أوضاعه، يوم 27 آذار/مارس 2023، في مفارقة مؤلمة تزامنت مع اليوم العالمي للمسرح. فقد أشعل النار في جسده أمام مقر وزارة الثقافة، في مشهد صادم ومؤثر لم يكن أحد يتوقع أن يتحول لاحقا إلى مادة للتأمل النقدي والكتابة. كانت النهاية حزينة ومأساوية، إذ توفي متأثرا بحروقه البليغة، لكن الواقعة ظلت مفتوحة على أسئلة كثيرة تتجاوز مصير فرد إلى مصير فئة كاملة من المبدعين.
لقد بدت تلك التراجيديا، التي كان بطلها مسرحي عاش حياته مناضلا من أجل الحياة والفن، وكأنها عرض مأساوي مفتوح أمام المارة، حيث كان الرصيف المقابل لوزارة الثقافة بمثابة خشبة مسرح قاسية. ومع ذلك، لم يكن يخطر ببال أحد أن تتحول تلك الواقعة إلى موضوع كتاب كامل يقرأها من زاوية فنية ثقافية وفكرية، ويضعها في سياق أوسع من مجرد حادثة فردية.
نجيب طلال اختار أن يتتبع في كتابه «لهيب الركح المسرحي» حياة الفنان الراحل ومساره الفني، مستعرضا عطاءه في المجال المسرحي، ومحاولا في الوقت نفسه تفكيك الأسباب المتعددة التي دفعته إلى اتخاذ قرار إحراق جسده. هذا الإصدار يضع القارئ أمام نص يدفعه إلى التفكير العميق، حيث يجد نفسه وهو يتصفح صفحاته ينتقل بين سيرة فنان وبين عوالم الانتحار في تاريخ الفنانين والأدباء عبر العالم، وهي عوالم اتخذت أشكالا متعددة، لعل أخطرها وأكثرها إيلاما الانتحار بالنار.
الكتاب الذي يقع في نحو مئتي صفحة، جاء في حلة أنيقة، تتصدر غلافه صور مركبة للفنان الراحل أحمد جواد في وضعيات مختلفة. ويؤكد مؤلفه في إحدى فقراته: «ليس من شيمنا ولا من قيمنا الركوب على الجثث أو المتاجرة بالمآسي. إنها فلسفة حياة قبل أن تكون موقفا فكريا. ولسنا من هواة التجارة في الأسماء أو بالأسماء، فالأمر بالنسبة إليّ مسألة مبدأ، لأنني لست تاجرا ولا سمسار ثقافة، ولست من زمرة الانتهازيين والوصوليين، بقدر ما تحركني رؤية وحرقة تطفح بالشغب الجميل والخلاق».
يبدو واضحا أن المؤلف لم يستطع في هذا العمل أن يتخلى عن طبيعته النقدية المعروفة، وهي طبيعة تتجلى في غيرته الكبيرة على المسرح وعلى المبدعين الذين يعيشون غالبا في ظروف بسيطة. لذلك، فإن الكتاب، في مبناه ومعناه، يتخذ شكل دراسة تستعيد لحظة احتراق جسد الفنان أحمد جواد بوصفها تعبيرا مأساويا عن عشق جنوني للركح، ذلك العشق الذي يشتعل نارا لا ترى بالعين، بل حرارة تحسّ في عمق التجربة الفنية.
ومن اللافت أن هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره أيضا تجربة مُرّة في استعادة لحظة مأساوية، ينتظم عبر أبواب تحمل عناوين دالة مثل: «قبس من نار»، «شعلة الياسمين»، «تصدير الشعلة»، «لهيب الركح»، «رمزية النار»، «شرارة النار»، «مسار احتراق». وهي عناوين تضع النار في قلب التأمل، لا باعتبارها فعلا تدميريا فقط، بل أيضا رمزٌ للتوتر الإبداعي والاحتراق الداخلي الذي يعيشه الفنان. هكذا يحاول الكاتب ـ من وجهة نظره ـ أن يضع إصبعه على جوهر الإشكال الحقيقي الذي قاد إلى تلك النهاية المأساوية، بعد مسار طويل من النضال الفني. ولذلك، يحمل عنوان الكتاب «لهيب الركح المسرحي» دلالة مزدوجة تجمع بين الشعرية والنقد، إذ يشير إلى الحماس والشغف والتوتر الذي يشتعل فوق الخشبة كما يشتعل داخل الفنان نفسه.
تكريم مزدوج
ومن هنا، يطرح سؤال طبيعي: هل يمكن اعتبار هذا المؤلَّف شكلاً من أشكال التكريم للفنان الراحل أحمد جواد؟
يرى نجيب طلال متحدثا لـ «القدس العربي» أن الأمر يتجاوز مجرد التكريم الرمزي، موضحا أن العمل يمثل في جوهره تكريما مزدوجا، فهو من جهة اعتراف صادق بحضور الفنان الراحل وبالخدمات التي قدّمها في المجالين التنشيطي والمسرحي، إذ كان من بين الفنانين الذين تركوا بصمة واضحة في مسار الفن والنضال الثقافي، سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون، وكان حضوره الخاص عنصرا ساهم في تشكيل جانب من الذاكرة الثقافية المغربية.
ومن جهة أخرى، يرى طلال أن هذا العمل يشكل تكريما ضمنيا لكل فنان يعيش غبن الواقع وانكسارات الزمن. فالمشكلة التي تعاني منها الثقافة العربية عموما، في رأيه، أنها كثيرا ما تركز على أسماء تبدو معروفة لكنها في الحقيقة لا تتجاوز دوائر محدودة، بينما تهمل أسماء أخرى قدمت الكثير للفعل الثقافي والإعلامي والمسرحي بدون أن تحظى بالاعتراف الكافي. ويستحضر في هذا السياق أسماء مثل الفنان المسرحي محمد الحبشي والإعلامي خالد مشبال والصحافي مصطفى العلوي والقاص أحمد زياد، مؤكدا أن الأجيال المتعاقبة لا تعرف الكثير عن هؤلاء الذين كانوا سببا في انتعاش ثقافي وإبداعي، وأن هذا الكتاب ما هو إلا إشارة إلى ضرورة الالتفات إلى «رجالات الظل» الذين يستحقون التحليل والدراسة.
وعند الحديث عن معاناة أحمد جواد، يؤكد طلال أنها ليست حالة فردية معزولة، بل جزء من معاناة يعيشها عدد من المسرحيين، خاصة أولئك الذين يتمسكون بكرامتهم وعزة نفسهم. ويضرب مثالا صادما بالفنان المسرحي مصطفى منير، قيدوم فرقة المعمورة، الذي يعيش في ظروف صعبة داخل ملجأ. كما يشير إلى أن صفحات كتابه تتضمن إشارات إلى طاقات فنية مغربية أنهت حياتها بسبب سوء أوضاعها الإبداعية والمعيشية، وهي أسماء يجهلها حتى بعض العاملين في المجال المسرحي نفسه، الأمر الذي يعكس حجم الغبن الذي يطبع المشهد الثقافي.
ويستعيد طلال أيضا ما رافق حادثة إحراق أحمد جواد لنفسه من موجة واسعة من التدوينات والتصريحات، فبعضها كان صادقا نابعا من معرفة حقيقية بالفنان، بينما بدا بعضها الآخر أقرب إلى نفاق اللحظة، في تقديره. ومن المفارقات التي يذكرها أن أحد المسرحيين دافع في تدوينة عن وزارة الثقافة بالقول إن عددا من المسرحيين انتحروا حرقا، مستشهدا باسم الراحل حوري الحسين، وهو ما اعتبره تجنيا على التاريخ والحقائق، ودليلا على ضعف المواكبة الجادة لمسارات فنانين عاشوا ويعيشون في الظل.
وهم الدعم
وفي تقييمه لواقع المسرح المغربي اليوم، لا يخفي طلال نظرته المتشائمة نسبيا، إذ يرى أن هذا الواقع لا يبشّر بإشراقات كبيرة، بسبب تراجع مستوى الإبداع وخفوت الجماليات في العروض المسرحية، فضلا عن انتشار مظاهر الإسفاف والسطحية في بعض الأعمال. ويربط ذلك بعدة عوامل، من بينها ما يسميه «وهم الدعم»، رغم أن الدعم المالي للفنون ممارسة معروفة في مختلف الدول.
ويضيف أن انتقال عدد كبير من المسرحيين من فضاء المسرح الهاوي إلى ما يسمى الاحتراف، بدافع البحث عن موارد مالية، خلق نوعا من الارتباك داخل المشهد المسرحي، فالمسرح الهاوي بدا كأنه اغتيل، بينما بقي المسرح الاحترافي معلقا في وضع هش ينتظر مصيره. وحتى مسرح الشباب، في نظره، ما يزال يفتقر إلى هوية واضحة. ورغم وجود بعض التجارب الإبداعية المتميزة، فإنها تبقى استثناءات عابرة لا تكفي لبناء مشروع فني متكامل، خصوصا في ظل ضعف دور النقابات المهنية التي لم تنجح ـ برأيه ـ في أداء دورها الدفاعي والحقوقي، وهو ما يفسر الاحتجاجات التي عرفها مسرحيو الدار البيضاء واعتصامهم أمام مجلس بلدية المدينة.
ويشير طلال كذلك إلى إشكال آخر يتمثل في غياب الممثل «الكاريزمي» القادر على إقناع الجمهور، إذ تبدو بعض العروض وكأن ممثليها يفتقرون إلى الحد الأدنى من الحضور المسرحي، فيظهرون على الخشبة بشكل لا يرقى إلى مستوى الفن المسرحي الحقيقي.
وفي ختام هذا الحوار، يلفت الناقد الفني نجيب طلال إلى أن المسرحيين أنفسهم يتحملون جزءا من مسؤولية استمرار أزمتهم الإبداعية والمعيشية. فتحميل وزارة الثقافة كامل المسؤولية ليس دقيقا، لأنها في النهاية مؤسسة من مؤسسات الدولة وتعمل ضمن سياساتها العامة. غير أن السؤال الحقيقي، في رأيه، ينبغي أن يوجّه أيضا إلى المسرحيين الذين وصل بعضهم إلى المجالس البلدية أو حتى إلى البرلمان: ماذا قدّموا فعليا لدعم المسرح وزملائهم في المهنة؟
ويضيف أن الفنانين يواجهون بالفعل تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، غير أن هذه التحديات لم تتحول دائما إلى أعمال إبداعية تعكس واقعهم أو واقع الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها، وهو ما أدى إلى وجود فجوة واضحة بين معاناتهم في الحياة وتعبيرهم الفني عنها. كما يلفت إلى أن إشكالية «الخبز»، أي الضرورة المعيشية، أصبحت عاملا ضاغطا يفسر جانبا من الأزمة، ما يضع جزءا من المسؤولية على عاتق المبدعين والفاعلين الثقافيين أنفسهم. وفي هذا السياق، يطرح تساؤلا أخيرا حول ما إذا كانت النقابات المهنية قد استطاعت فعلا إحداث صندوق دعم استثنائي للفنانين المعوزين، وهو سؤال يرتبط مباشرة بحالة الاحتقان التي شهدها المسرح المغربي مؤخرا، خاصة في مدينة الدار البيضاء.