خطاب الرئيس الأمريكي بين الاعتراف بالانقسام الأهلي وحاكمية الديمقراطية

حجم الخط
4

أكثر ما لفتني في خطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن، هو حديثه الصريح عن الانقسام الأهلي الأمريكي، واستخدامه تعبير «الحرب الأهلية» و»الريف والمدينة» في تشخيص جريء لما تواجهه بلاده، واعتراف منه بأن هناك جزءاً كبيراً من الأمريكيين معارضين له، رغم أنه بات رئيسا الآن، وقاعدته الانتخابية انتصرت على قاعدة ترامب.
وكان بإمكانه بكل سهولة أن ينكر وجود معارضة داخلية، وانقسام أهلي، ويدعي أنه يمثل «الأمة» و»حاكمية الشعب» وأن خصومه «خوارج» على حكمه الرشيد الوطني، كما يفعل كل الزعماء العرب، وقادة الحركات الإسلاموية في خطاباتهم الحماسية، التي تصدح بالوحدة الوطنية، وتعج بالإنشاء، وهذا يذكرنا باختلافات جوهرية بين الخطاب السياسي العربي، وروحه التي تنضح بالشمولية والإنكار، ولغة السياسيين الغربيين الخطابية، في الوصف الواقعي والاعتراف بالمشاكل.
وخلال حفل التنصيب نفسه، قدّمت رئيسة المحكمة التي تولت ترديد القسم لنائبة الرئيس كامالا هاريس بأنها من أصول لاتينية، ودائما ما تعرف نائبة الرئيس كامالا هاريس بالصحافة الغربية، بأنها من أصول غير بيضاء. وفي حفل التنصيب أيضا، أقحمت جينيفر لوبيز جملة من الإسبانية خلال وصلتها الغنائية، وألقت شاعرة أمريكية من أصول افريقية قصيدتها وهي لا تتجاوز 22 عاما، تحدثت فيها عن ماضي الأمريكيين السود كـ»عبيد» وقالت إنها في بلد «يمكن فيه لفتاة سوداء نحيفة، تنحدر من عبيد وربتها أم عزباء، أن تحلم بأن تصبح رئيسة».

حاكمية الديمقراطية مقدسة لدى الغربيين، حمتهم مما ابتليت به بلادنا، فلم تقم لنا دولة منذ 1350 عاما إلا على دماء وركام من قبلها

أما في بلادنا، فنجد أن خطابنا العام يتجنب مجرد ذكر هذه التوصيفات، ونتحسس من سماعها، بادعاء الوطنية، بينما الحقيقة هي أنها تابوهات سنّها من يهدف إلى الإلغاء وإنكار الاختلاف، واحتكار التمثيل. إن الذين يخشون الاعتراف بهذه التوصيفات بادعاء الحفاظ على «الشعور الوطني» واللحمة الوطنية» والخشية من «الفتنة» قد يكونون في الحقيقة أكثر من يؤمن ويمارس العنصرية والطائفية، باسم الوطن والأمة، لكنهم يخشون ذكر انتماءات ضحاياهم. ما أتحدث عنه هنا هو تحديدا الخطاب، الخطاب الرسمي والإعلامي، بين الشفافية والصراحة وبين المواربة والانكار، بين الغرب والشرق، فالاعتراف بالمرض هو شرط علاجه، وليس تجاهله وادعاء السلامة والعافية.
النقطة الثانية في خطابات المتحدثين في احتفالات تنصيب الرئيس الأمريكي، هي الاحتفاء بالديمقراطية والتشديد على مكانتها وقيمتها، وقبل حفل التنصيب، نشر فيديو مسرب لمؤيدي ترامب، وهم يقتحمون مقر الكونغرس، وشرطي أمريكي يقول لهم عبارة: «تعاملوا مع هذا المكان كمكان مقدس» بالنسبة لنا كعرب، فالمفترض أن نشعر بمدى قيمة «البرلمان» حيث يحكم الشعب، وتتداول السلطة، فحاكمية الديمقراطية مقدسة لدى الغربيين، حمتهم مما ابتليت به بلادنا، بحيث لم تقم لنا دولة منذ 1350 عاما إلا على دماء وركام من قبلها، بل خلال هذه الدول «الإسلامية» لم يحكم العرب بلادهم لنحو 1200 عام متواصلة، فنحن محكومون بالاستبداد في ما بيننا كعرب، وفي ما بيننا كمسلمين، أقوام تستبد بحكم أقوام لقرون.. وفي مذكرات السلطان عبد الحميد، كلام له يبرر إلغاء مجلس المبعوثان (برلمان الخلافة العثمانية) إذ قال إنه سيؤدي لغلبة الشعوب الأخرى على العنصر الاصلي التركي.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    ترامب تعلم من الطغاة العرب كيف يقفز على الديموقراطية!
    الشعب الأمريكي غير الشعوب العربية والإسلامية في حب الحرية!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    السلطان عبد الحميد ألغى البرلمان بسبب إستيلاء الماسونيين عليه بحيث كانوا يحتسون الخمر بالمجلس!
    هؤلاء الماسونيين كانوا يخربون الدولة من الداخل بدعم غربي بحجة الحداثة!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    ” وفي مذكرات السلطان عبد الحميد، كلام له يبرر إلغاء مجلس المبعوثان (برلمان الخلافة العثمانية) إذ قال إنه سيؤدي لغلبة الشعوب الأخرى على العنصر الاصلي التركي.”
    لقد إحتج السلطان بعدم وجود هندي واحد بالبرلمان الإنجليزي بذلك الوقت!
    واحتج بعدم وجود جزائري واحد بالبرلمان الفرنسي بذلك الوقت!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. يقول علي حسين أبو طالب / Skellefteå:

    بذروة الصراع الطائفي العراقي إلتقى عراقيان في حوار تلفزيوني على الهواء لمناقشة الأحداث، فبدأ السني أولاً فشن حربه و مما قال أنتم يا أحفاد ابن العلقمي يا أولاد المتعة جاء حكامكم إلينا على ظهر الدبابات الأمريكية و دمرتم العراق و قتلتم أهله يا عملاء إيران أيها الصفويونالروافض يا من تعبدون الحجر و و تدعون أن علياً هو النبي وقد أطنب كثيراً في هذا الإتجاه و بعد أن تنفس الصعداء قال لصاحبه في الحوار مؤكدا أنه ليس طائفياً وهو يكره الطائفية ، بعد ذلك استلم محاوره الشيعي ناصية الحديث فقال فيه و في طائفته أشد مما قال سلفه مخاطباً إياه بالقول أتطعنون في نقاوة مولدنا و نخن الذين قدَّر الله لهم أن ينتقلوا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطيبة يا أحفاد ذوات الرايات في الجاهلية يا أعداء الله و أعداء أهل بيت نبيه محمد أيها النواصب و بعد أن أطال و توسع في سب وشتم المتحدث الأول و طائفته انتفش كانتفاش الطاووس و قال في كبرياء أنا لست طائفياً و أكره الطائفية و كلنا شعب واحد و لعن نفسه عندما لعن كل الطائفيين هذا حالنا فينا من يقول صراحة كلنا طائفيون مثل عدنان الدليمي و فينا من يعاني من شيزوفرينيا كريهة فيدعي الوطنية و يأتي بالطائفية في أبشع صورها

اشترك في قائمتنا البريدية